تراجيديا - كوميديا "العزل" ومشكلة أميركا والعالم

لا مجال إلا في الخيال لتغيير كبير في سياسة واشنطن بعد ترمب... هو باقٍ وفوزه مرجح بولاية ثانية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خارج البيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 27 يناير 2020 (أ.ف.ب)

كان أوسكار وايلد يقول "الجنتلمان لا يشتم أحداً بشكل غير مقصود". وهذا ما يفعله الرئيس دونالد ترمب بخصومه وبعض حلفائه وأصدقائه ومعاونيه. ففي كتاب "موت الحقيقة: ملاحظات عن الكذب في عصر ترمب"، يروي المؤلف ميتشيكو كاكوتاني أن صحافياً سأل ترمب: لماذا تستمر في الهجوم على الصحافة؟ وكان الجواب: "أريد أن أنزع صدقيتهم جميعاً، بحيث عندما يكتبون قصة سلبية عني لا يصدقهم أحد". وهو عمل ذلك بشكل منهجي خلال الحملة الانتخابية ثم خلال الرئاسة. ما تكتبه الصحف المحترمة هو "أخبار زائفة". ما قام به المحقق الخاص روبرت موللر في مسألة التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية لمصلحته هو "مطاردة سحرة". هيلاري كلينتون "المحتالة والكذابة". آدم شيف "الخائب". تشاك شومر "الباكي". جو بايدن "النعسان". ولم يكن سلاحه في مواجهة دعوى "العزل" ضده سوى تحقير النواب الديمقراطيين الذين صوتوا على اتهامه بإساءة استعمال السلطة لمصالح شخصية، وعرقلة عمل مجلس النواب، مع الهزء من الأعضاء الديمقراطيين في مجلس الشيوخ حيث المحاكمة.

والمشهد في مجلس الشيوخ تراجيدي مهيب في الشكل، وكوميدي في المضمون. رئيس المحكمة العليا جون روبرتس الذي رد على ترمب حين اتهم قضاة المحكمة بأنهم "قضاة أوباما" بالقول "لسنا قضاة أوباما ولا كلينتون ولا بوش الابن ولا ترمب"، يدير بحكم الدستور محاكمة سوريالية: محاكمة رئيس لا علاقة للقرار فيها بالوقائع والإثباتات بل بالانقسام الحزبي. ففي التراجيديا الإغريقية يذهب البطل في مواجهة قدره إلى النهاية، وهو يعرف والكل يعرف أنه سيلاقي حتفه. وفي التراجيديا – الكوميديا الأميركية يدفع النواب البطل لمواجهة مصيره، وهو يعرف وهم يعرفون أنه سينجو. ولا مرة انتهت المحاكمة بـ"العزل" الذي يحتاج إلى ثلثي الأصوات في مجلس الشيوخ. لا في محاكمة أندرو جونسون. ولا في محاكمة بيل كلينتون. أمّا ريتشارد نيكسون فإنه استقال قبل المحاكمة لأنه خسر دعم حزبه الجمهوري. لكن جونسون يستحق العزل. إذ هو كان نائب الرئيس أبراهام لينكولن الذي وحّد أميركا في الحرب الأهلية وحرّر العبيد، ثم خلقه بعد اغتياله ومارس سياسة "عنصرية" وكان شعاره "أفرقة أميركا". وكلينتون يستحق العزل بسبب تورطه الجنسي مع المتدربة لوينسكي في البيت الأبيض. وما يقرر العزل، كما يقول المفكر السياسي جاكوب ليڤي هو الوضع الاقتصادي والعصبية الحزبية: الولاية الثانية لنيكسون "شهدت انخفاضاً في الأسهم وانكماشاً". وفي الولاية الثانية لكلينتون "كان الاقتصاد جيداً وأميركا في قمة الفخر والقوة والتفاؤل". وفي الأساس، كما يقول أستاذ القانون في جامعة كولومبيا والخبير في تاريخ العزل فيليب بوبيت، فإن "الآباء المؤسسين فعلوا كل ما هو ممكن لمنع حصول العزل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والسؤال هو: هل المعادلة هي فشل العزل ونجاح النظام، كما قيل بعد محاكمة جونسون في منتصف القرن الـ19؟ وماذا بعد محاكمة ترمب الذي استند إلى "الحائط" الجمهوري؟ نوعان كانا الأكثر اهتماماً بالمحاكمة: أصحاب الأحلام في أن يروا يوماً محاكمة الرؤساء الحاكمين هنا تصبح حدثاً عادياً، بعدما رأوا محاكمة الرجل الجالس في أعلى منصب أميركي وأقوى مكتب في العالم. وأصحاب الرهانات على مرحلة ما بعد ترمب. ولا شيء يوحي أننا سنشهد في مرحلة قريبة محاكمة رؤساء في المنطقة وهم في مناصبهم، سواء كان الحكم بالعزل أو بالبراءة. ولا مجال، إلا في الخيال، لتغيير كبير في السياسة الأميركية بعد ترمب. فالرجل باقٍ وفوزه مرجح بولاية ثانية. والمعركة الإعلامية التي راهن عليها الديمقراطيون والمستمرة في الإعلام والكونغرس لم تهز النواة الصلبة لترمب من الناخبين البيض وفي الأرياف. فضلاً عن أن مشكلة ما بعد ترمب هي "أن الرجل نتيجة أمراض السياسة الخارجية الأميركية بمقدار ما هو من أسبابها"، كما كتب البروفسور دانيال درزنر في "فورين أفيرز".

ذلك أن عصر الأحادية الأميركية على قمة العالم انتهى بعد أقل من ثلاثة عقود من وراثة الثنائية الدولية على القمة أيام صراع الجبارين الأميركي والسوفياتي. فالنفوذ الأميركي لم يعد كما كان. وبين صعود الصين ويقظة روسيا عادت أميركا إلى منافسة قطبين، واضطرت منذ أيام أوباما بعد حروب بوش الابن، إلى التركيز على مواجهة القطبين في الشرق الأقصى والتخفيف من اهتماماتها في الشرق الأوسط. وليس بين منافسي ترمب في الحزب الديمقراطي من يضع في برنامجه زيادة الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، أو من لم يعلن أنه يريد عودة "الأولاد" إلى وطنهم من "حروب لا تنتهي". فما يقوله ترمب بطريقة فجة هو ما يفكر فيه كل الطامحين للرئاسة، لكنهم يحاذرون إعلانه. وهو، كما يقول الدكتور هنري كيسنجر، "قد يكون واحداً من رموز التاريخ الذين يظهرون بين وقت وآخر لتسجيل نهاية حقبة وإجبارها على تسليم مطالبها القديمة". لكن جيفري غولدبيرغ يعيد المشكلة إلى جذورها بالقول: "أكبر تحدٍ أمامنا هو الفشل البنيوي لنظامنا الديمقراطي الذي سمح لغشّاش بأن يصل إلى البيت الأبيض".

والجدل مستمر حول الكلفة الأميركية الداخلية والخارجية لهذا الغشاش، الذي يقول إنه جعل أميركا "عظيمة ثنائية" واقتصادها في قمة الازدهار. والجدل أكبر في المنطقة والعالم حول كلفة حروب أميركا وكلفة انسحابها. وإذا كانت إيران ترفع شعار "إخراج الوجود العسكري الأميركي من غرب آسيا"، فإن بين خصومها من يرى أن الانسحاب الأميركي "يشكل خطراً" على النظام الأمني الإقليمي. والسؤال هو: متى تعتمد المنطقة على القوة الذاتية لضمان الأمن؟

المزيد من آراء