ملخص
أعاد اكتشاف نفق في الفنار فتح النقاش حول احتمال تمدد منظومة "حزب الله" العسكرية والأمنية إلى جبل لبنان، واستحضر روايات عن أنفاق في قضاءَي كسروان وجبيل، وأعلن الجيش اللبناني أن طول النفق 13 متراً، وهو خال من الأسلحة والعتاد، مع توقيف مشتبه فيه واستمرار التحقيق لتحديد استخدامه، فيما أشارت معلومات غير مؤكدة إلى توجه أمني لمسح مواقع الكسارات والمرامل، وتدقيق التراخيص ومصادر الردميات.
فتح النفق الذي عُثر عليه في منطقة الفنار في قضاء المتن، محافظة جبل لبنان، نقاشاً سياسياً وأمنياً يتجاوز أبعاده وحدود موقعه، وأعاد للواجهة السؤال عن مدى تمدد منظومة "حزب الله" العسكرية والأمنية في "جبل لبنان"، بما تمثله تلك المحافظة من خصوصية تاريخية وسياسية شكلت، خلال مراحل مختلفة، عائقاً أمام إخضاعه الكامل للوصايات المتعاقبة، فما إن انتشر خبر اكتشاف النفق حتى اتجهت الأنظار إلى قضاءَي كسروان وجبيل، واستعيدت معلومات وروايات قديمة وحديثة عن احتمال وجود أنفاق ومنشآت تحت الأرض، في مناطق لا تُعد خاضعة مباشرة لنفوذ الحزب.
وتكمن حساسية القضية، في رأي أوساط سياسية داخل تلك المناطق، في احتمال أن يكون الانتشار المسلح، إن كان موجوداً، قد تجاوز نطاقه المعروف، ليبحث عن موطئ قدم داخل مناطق لا يملك الحزب فيها سيطرة مباشرة، مشيرة إلى أنه في حال ثبت وجود منشآت سرية من هذا النوع، فإن المسألة تصبح متصلة بقدرة تنظيم مسلح على اختراق المجال الأمني لمناطق كاملة، وإقامة بنية موازية لا تعرف الدولة حدودها ولا وظائفها، وهذا احتمال بالغ الخطورة.
نفق الفنار
القصة بدأت، وفق رواية رئيس بلدية الفنار ميشال سلامة، حين لاحظ شخص يُرجح أنه صياد، أعمال حفر أثناء مروره في حرش الصنوبر، فأبلغ شرطة البلدية التي حضرت إلى المكان وعثرت على حفريات يغطي أغصان الأشجار مدخلها، وبعد إزاحة الأغصان ظهرت فتحة مجهزة بوسائل للنزول إلى الداخل، فسارعت البلدية إلى إبلاغ مخابرات الجيش و"فرع المعلومات" التابع لقوى الأمن الداخلي.
وحضرت عناصر من مخابرات الجيش إلى الموقع، ثم اُستدعي فوج الهندسة لاستكمال الكشف، وتحدث سلامة عن سلّم ومسار للحفر، وعن ضاغط هواء وآلة قطع وأدوات وصفها بالبدائية، كذلك جرى تداول معلومات عن فرار شخص من المكان بعد وصول القوى الأمنية، وهي رواية بقيت بحاجة إلى تثبّت، ولا يمكن اعتمادها وحدها لبناء استنتاج أمني. وفي وقت لاحق، أعلنت قيادة الجيش بعد الكشف على المكان أنه تم العثور على نفق طوله نحو 13 متراً، خمسة أمتار عمودياً وثمانية أمتار أفقياً، وأنه لا يحوي أسلحة أو عتاداً عسكرياً، مضيفة ضبط أدوات حفر فردية داخله، وتوقيف شخص يشتبه في مشاركته بأعمال الحفر، فيما تتواصل التحقيقات لتحديد وجهة الاستعمال.
الاختراق الأمني
وأعاد اكتشاف "نفق الفنار" فتح ملف الروايات التي سبق أن تحدثت عن أنفاق لـ "حزب الله" في كسروان وجبيل، شمال العاصمة، إذ اكتسب الجدل بعداً إضافياً مع ربط بعض المعلومات المتداولة حول وجود منشآت تابعة لمشاريع المياه وسد منطقة "جنة" (قضاء جبيل)، وكانت وسائل إعلام إسرائيلية نشرت قبل نحو سنتين فيديوهات وخرائط حينها لتثبيت وجود منشآت عسكرية متداخلة مع منشآت مدنية، لكن الجيش اللبناني نفى حينها "مزاعم إسرائيلية" استندت إلى فيديو عن مواقع صواريخ وشبكة أنفاق في المنطقتين، موضحاً أن المشاهد تعود لمنشآت مدنية وحفريات لـ "مصلحة مياه بيروت وجبل لبنان"، وأكدت وزارة الطاقة اللبنانية أن أحد الأنفاق المعروضة أُنشئ لتحويل مياه "نهر إبراهيم" (قضاء جبيل) لزوم تشييد سد جنة.
بتاريخ ٢٠٢٦/١٠/١٩، أجرت وحدات مختصّة من الجيش كشفًا على النفق الذي عُثر عليه في منطقة الفنار - المتن الشمالي، وتَبيّن أنّ طوله الإجمالي يبلغ نحو ١٣ مترًا (٥ أمتار عموديًّا و٨ أمتار أفقيًّا)، وأنّه لا يحتوي على أي أسلحة أو عتاد عسكري. وقد ضُبطت داخل النفق عدة حفر فردية، كما أوقِف أحد المشتبه فيهم بالمشاركة في حَفره. تجري متابعة التحقيق لتحديد وجهة استعماله. #الجيش_اللبناني #LebaneseArmy https://t.co/yGRzmvwjWi
— الجيش اللبناني (@LebarmyOfficial) October 19, 2026
الكسارات والمرامل
وتشير معلومات أمنية متداولة إلى توجه نحو توسيع المسح والتدقيق في مواقع مختلفة من الأراضي اللبنانية في المرحلة المقبلة، ولا سيما مناطق الكسارات والمرامل، ولم يُعلن رسمياً حتى الآن نطاق خطة شاملة من هذا النوع أو تأكيدها، لكن أهمية هذا المسار، إذا بدأ، تكمن في إخضاع أعمال الحفر الكبيرة للمراجعة، من الطرق التي شُقت، والآليات التي عملت، والكميات التي اُستخرجت، والمواقع التي نُقلت إليها، ومدى مطابقة الأشغال للتراخيص الممنوحة.
وفي هذا الإطار، تُطرح شبهات في شأن منح رخص لبعض الكسارات بصورة انتقائية وحجبها عن بعضها الآخر، وما إذا كانت مصالح سياسية أو أمنية قد تدخلت في تحديد المستفيدين، وهذه الشبهات تحتاج إلى مستندات وتحقيق، يطاول الجهة التي منحت الرخصة، وصاحبها والمنفّذ الفعلي للأشغال، والجهة المستفيدة منها، فإذا اُستخدمت رخصة قانونية لتغطية أعمال مختلفة عن مضمونها، فإن المسؤولية لا تتوقف عند حدود المخالفة الإدارية، وقد تكتسب بعداً أمنياً، بحسب ما تثبته التحقيقات.
وتمتد الأسئلة إلى وجهة الأتربة والردميات المنقولة إلى مواقع الردم في بيروت و"الكوستا برافا" (الشاطئ الجنوبي لبيروت) ومناطق الجديدة (محافظة المتن) وغيرها، فثمة مطالب بالتدقيق في مصادر هذه المواد، والتحقق مما إذا كانت جميع الكميات ناتجة من الورش والمشاريع المصرح عنها، أو أن بعضها قد يكون ناتجاً من حفريات غير معلنة، بما فيها احتمال حفر أنفاق سرية.
وبرأي مصادر أمنية، تستطيع الأجهزة الأمنية العودة لمعلومات ومستندات إدارية يجري فحصها، سواء لجهة حركة الشاحنات وسجلات النقل ومواقع التحميل وكميات المواد، وصولاً إلى مطابقتها مع الأشغال المعلنة، وفي السياق ذاته تتساءل بعض الأوساط عن هزات صغيرة قيل إنها رُصدت على فترات متتالية في مناطق من جبل لبنان والبقاع، بقوة تراوح ما بين درجتين وثلاث درجات، وما إذا كان بعضها قد يرتبط بتفجيرات تحت الأرض.
سلطة الدولة
يطالب النائب، إلياس حنكش، الجيش اللبناني بتفتيش "الشوارع والمباني في مناطق الرويسات والفنار والزعيترية، ومصادرة الأسلحة واستحداث نقاط أمنية ثابتة وتسيير دوريات"، داعياً إلى التحرك قبل وقوع ما وصفه بخطر كبير جداً، "ليبقى المتن ولبنان بخير من ميليشيات 'حزب الله' ومخططاته".
ويرى حنكش أن "قضية النفق تتجاوز حدود الموقع المكتشف، لتطرح مسألة السلاح غير الشرعي وقدرة الدولة على فرض سلطتها الأمنية في المتن، كما في سائر المناطق اللبنانية".
ووصف حنكش "حزب الله" بأنه "مجموعة مسلحة خارجة عن القانون، وفق قرارات الحكومة"، عاداً أنه "استجر العدوان ولا يزال ينتظر أمراً من إيران لخوض مغامرة أخرى"، وطالب بتطبيق قرار نزع السلاح في المتن وبيروت وسائر المناطق، متسائلاً "كيف يمكن أن تبقى مناطق مسلحة يعجز شرطي البلدية عن دخولها؟"، وما إذا كانت هناك معسكرات تدريبية في الجبال.
وطالب النائب، المنتمي إلى كتلة "حزب الكتائب"، بتوسيع التحقيقات الأمنية، بما فيها ملف المتفجرات المضبوطة أخيراً في أكثر من منطقة، وعدم الاكتفاء بتوقيف المنفذين المباشرين، وقال "لا يمكن حصر التحقيق في عناصر محددة والقول إنه لا يوجد غيرهم، نريد معرفة الجهات التي تربطهم"، فبالنسبة إليه لا يكتمل كشف أي نشاط غير شرعي من دون الوصول إلى الجهة التي تنظمه وتوجهه وتحميه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شكوك مثيرة للريبة
من ناحيته، وصف عضو كتلة "الجمهورية القوية"، النائب ملحم رياشي، ما جرى في الفنار بأنه مثير للريبة، كاشفاً عن أنه تحدث مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل، الذي سيقوم، وفق ما نُقل عنه، بكل ما يلزم لحماية المنطقة، معرباً عن أمله في توقيف المسؤولين عن أعمال الحفر.
ويطالب رياشي بكشف ملابسات القضية ومحاسبة المتورطين، خصوصاً أن الموقع قريب من مناطق سكنية في محيط الرويسات والزعيترية (حيّان بغالبية سكانية شيعية)، ويتساءل عمّا يمنع وجود أنفاق أخرى تابعة لـ "حزب الله" في المتن أو كسروان أو جبيل، قد تُستخدم لأغراض عسكرية أو لتخزين الصواريخ، وهي احتمالات يطرحها في ظل الغموض الذي أحاط بداية بالموقع، وتبقى بحاجة إلى تحقيق وأدلة، فيما أعلن الجيش أن النفق المكتشف في الفنار خال من الأسلحة والعتاد العسكري.
منشآت تحت الأرض
بدوره، يرى الباحث في الأمن القومي والدراسات العسكرية والإستراتيجية، العميد الركن يعرب صخر، أن "العثور على منشأة تحت الأرض لا تتضح وجهة استعمالها يفرض التدقيق في طبيعتها، ولا سيما في ضوء ما كشفته العمليات الإسرائيلية في الجنوب من منشآت تحت الأرض في القنطرة، وكفر تبنيت، ومجدل زون، والأنصاري، وقلعة الشقيف، وعلي الطاهر، والخيام ومناطق أخرى".
ويرى صخر أن "هذه الوقائع تستدعي درساً أوسع للمنشآت المحفورة في الأراضي اللبنانية، والبحث في احتمال ارتباط بعضها ببنية عسكرية أو لوجستية تتجاوز المواقع التي ظهرت إلى العلن"، متحدثاً عن معلومات متداولة حول منشآت محتملة في مناطق بعبدا والمختارة وكسروان وبعلبك، لكنه يؤكد أنه لم يتلق حتى الآن تأكيداً رسمياً من الأجهزة الأمنية في شأن صحتها.
ويتحدث صخر عن احتمال وجود "ضاحية جنوبية تحت الضاحية، وبيروت تحت بيروت، وكسروان تحت كسروان، وبقاع تحت البقاع"، وهو توصيف لفرضية يطرحها، وليس وصفاً لشبكات ثبت وجودها في تلك المناطق، ولذلك يدعو إلى تحقيق فني واستخباري قادر على تحديد ما يوجد فعلاً تحت الأرض، وما يدخل في نطاق المعلومات غير المثبتة.
برو ينفي الصلة
في المقابل، نفى عضو كتلة "حزب الله" النيابية النائب رائد برو، خلال مقابلة إعلامية، أي علاقة للحزب بالحفريات المكتشفة في الفنار، عاداً أن وصف الموقع بـ "النفق" أكبر من حجمه، وأنه أقرب إلى حفرة كبيرة أحدثها أشخاص بحثاً عن الذهب أو الآثار، وبحسب المعلومات التي قال برو إنها متوافرة لديه، فإن ما حصل "تصرف فردي".
ويرى أن "الموقع غير ملائم لأي عمل عسكري، نظراً إلى وقوعه في منطقة مدنية"، مستبعداً أن يُقدم طرف على نشاط من هذا النوع في مكان مكشوف وغير مناسب له، ومؤكداً أن "حزب الله" يعلن مسؤوليته عما يخصه، فيما ينفي مسؤوليته عن أعمال الحفر في الفنار، ومع ذلك فقد شدد على وجوب استكمال القوى الأمنية تحقيقاتها لمعرفة هوية من قام بالحفر ونيّته الفعلية، تاركاً لها تحديد وجهة استخدام الموقع.
ويضع برو الجدل الذي أثاره الاكتشاف في سياق "أجواء أمنية متوترة"، تزامنت فيها أخبار النفق مع ملف شحنة المتفجرات وأحداث السعديات، ويخشى أن يؤدي جمع هذه الوقائع في رواية واحدة، قبل صدور نتائج التحقيقات، إلى زيادة القلق والتوتر، ولذلك يدعو إلى تهدئة الأجواء وانتظار ما ستعلنه الأجهزة المختصة، مشيراً إلى أن الأشخاص المعنيين بالحفر أصبحوا، وفق معلوماته، في عهدة مخابرات الجيش.