أحمد غصين يصور حرب تموز 2006 بلا مقاومة

فيلم "جدار الصوت" فاز بجوائز في مهرجان البندقية ويعرض في هولندا

من فيلم "جدار الصوت" لأحمد غصين (اندبندنت عربية)

بعد عرضه العالمي الأول في مهرجان البندقية السينمائي، حيث فاز بثلاث جوائز، يحط "جدار الصوت" للمخرج اللبناني أحمد غصين في مهرجان روتردام السينمائي (22 يناير/ كانون الثاني – 2 فبراير/ شباط) للقاء جمهور أوروبي واسع توفّره التظاهرة السينمائية الهولندية.

الفيلم عن العدوان الذي شنّته إسرائيل ضد لبنان في صيف 2006، والذي تسبب بدمار كبير ومقتل 1200 لبناني. لا إجماع إلى اليوم على هذه الحرب: هل كانت نصراً أو هزيمة؟ غصين يقاربها من منطلقات أخرى، سينمائية واجتماعية، بعيداً من السياسة في معناها المباشر، للتركيز على المواطن والمصير الذي يواجهه في زمن الحرب.

تقع حوادث الفيلم داخل بيت في قرية جنوبية حيث مجموعة أشخاص لا حول لهم ولا قوة. علاقتهم اليتيمة بالقصف الإسرائيلي في الخارج هي عبر أصوات القنابل. الفيلم يلغي فكرة البطولة والانتصار. كلّ ما نراه هو سعي للبقاء على قيد الحياة، الغريزة الأبسط للإنسان. يتماهى المُشاهد مع الحالات النفسية المختلفة التي تعبر بها الشخصيات، من قلق وخوف. هذا كله عبر الصوت.

يحرص "جدار الصوت" على تصوير الجميع وهم في حال عجز تام، يتلقون ضربة تلو أخرى، على نقيض الأيديولوجيا المرتبطة بحزب الله عن تلك الحرب. من دون أي تدليس سياسي، يحاول الفيلم فهم لحظة خاطفة من تاريخنا، فلا يحاسب ولا يدين.

الفيلم عن حرب يوليو (تموز) التي اندلعت في لبنان في العام 2006. فهل عاش المخرج هذه الحرب حتى قدّم فيلماً يستعيدها بشكل مباشر؟ يجيب غصين:"عشتُها كما عاشها الجميع. أنا من الجنوب. كنتُ موجوداً خلالها وأعمل بشكل أو بآخر. ثم تهدَّم منزلي، إسوة بمنازل قسم كبير من اللبنانيين. بالنسبة إلى جيلنا، حرب تموز كانت أول حرب تُعاش فعلياً، ولو أنّها قصيرة المدّة بالمفهوم التقنيّ. جيلنا عاش إلى جانب الحرب. وتحت الأرض طوال مدّة الحروب. كان لحرب تموز وقْعٌ كبير رافق اللبنانيين على مدى أربع أو خمس سنوات مكثّفة بالتوتّر والاغتيالات. كان ذلك مؤذياً ومُسبّباً للقلق. لذلك صبّبتُ اهتمامي على هذه الناحية. على الحرب واللاحرب في آن واحد. المسألة أشدّ بشاعة من الحرب المباشرة".

من المعروف أن المشروع  لازم المخرج سنين طويلة، منذ عام 2011، وهو وقت ليس بالقليل. يوضح المخرج قائلاً: "الأمر أولاً تقنيّ لكوني سافرتُ إلى النرويج لنحو أربع سنوات. أردتُ مراكمة تجربتي الخاصة في الكتابة والدراسة. مع عودتي بين 2013 و2014، باشرتُ الكتابة فعلياً. ثم تطلّبت المسألة وقتاً لجمع المنح الإنتاجية كوننا لم نسعَ خلف مستثمرين. تمهّلتُ في الكتابة وتأمين العامل الإنتاجي. كثر اعتبروا أنّ الفيلم يشكّل تحّدياً. "كيف عم تحط حالك بموقع واحد؟"، قالوا لي. من الصعب إخراج فيلم تجري حوادثه في مكان واحد. نعم، إنّه تحدٍّ. أصررتُ على خوضه، خصوصاً أنّني تورّطتُ في الإعجاب بالقصّة التي هي قصّة حقيقية. قابلتُ هؤلاء الناس وجلستُ معهم. المفارقة أنّهم لا يُخبرون القصّة. يكتفون بهامشها. ما أثار اهتمامي هي "العلقة". مصيرهم. أنفاسهم. أجسادهم. العلاقة بين الداخل والخارج. ليست الحدوتة في ذاتها ما تعنيني، ولا أين هربت الشخصية وأين اختبأت. تطلّب الأمر وقتاً للتوفيق ما بين الخطّ الدراميّ وهذه الشاعرية. الصعوبة لم تكمن في الكتابة فحسب، بل في إقناع غير جهة مُنتجة بفيلم مسرحه مكان صغير مُغلق".

تبدو مقاربة المخرج للفيلم غير سياسية. إنّها محاكاة لأشخاص يحاولون البقاء على قيد الحياة. ما يعني ان قراره منذ البداية تجنُّب الخطاب السياسيّ. يوضح المخرج:"لستُ مهتماً بالخطاب السياسيّ المباشر، وإلا واظبتُ على كتابة المقالات. لغتي هي السينما. على الفيلم خوض التجارب لا صوغ الخطاب. لذلك، تعاملتُ مع حرب تموز كخلفية بشكل أو بآخر. لم أكترث للحرب ونتائجها المباشرة. حروبنا متشابهة في مشهدها وصورها، منذ 1982 حتى 2006، مروراً بالحروب العربية اليوم. ما يهمّني هو الفرد ومعاناته. لا أتخيّل سينمائياً يمجّد السياسة المباشرة. المرأة الجنوبية الباحثة عن ألبوم الصور من وسط ركام منزلها المُهدَّم، هي نفسها المرأة المعذَّبة جراء الحروب في منطقتنا. يهمنّي الإنسان. التجربة الإنسانية. ماذا يحدث لنا. خسائرنا. نخرج من الحرب مُثقلين. منهكين. شيءٌ من إنسانيتنا فُقِد. شئنا ذلك أم أبينا. يهمّني أيضاً ما أسمّيه القطع. إنّه يُطارد تاريخنا وذاكرتنا البصرية. مروان مثلاً، في بحث دائم عن والده. هذا الأب الذي لا وجود له طوال الفيلم. يشاء التصالح معه. وربما قتله. عقدة أوديب. إنّه الخطّ الطبيعيّ الكلاسيكيّ للأشياء. حتى هذا المسار لا يحقّ لنا عيشه في بلادنا. ثمة دائماً حدث كبير يهبّ فجأة فيقطع المسيرة الطبيعية. ليس ثمة مَن يبني ويُراكم. ذاكرة الشعب مقطوعة على الدوام. لذلك نبدأ من الصفر.

لافتٌ في الفيلم عدم اعتماده على البطولة، والمقاومة ليست حاضرة فيه بالمعنى الكلاسيكيّ. الناس يتلقّون الضربات ولا يستطيعون القيام بأي فعل... يقول في هذا الصدد: "نعم، إنّه العجز. الفيلم يعبّر عن جيل يعيش الآن في حلقة مفرغة. يشاء الرحيل ويعجز. اختناق وطننا يخنقنا. كلّ الأسباب توجِد دافعاً لنقول "ما عم يمشي الحال". مروان يريد الرحيل ولا نعلم إن كان سيرحل أم لا. يُشبهنا جميعاً. لستُ أقول ذلك من منطلق انهزاميّ. حتى في 2015 (ثورة النفايات) حين نزلنا إلى الشارع من أجل جميع القضايا الاجتماعية، ساد إحساسٌ بالهزيمة. هذا الوطن لنا، نشاء العيش فيه والعمل فيه ومُراكمة الفنّ فيه. ثمة جيل فقد حقّه بالحلم. لذلك نجده لا يعبّر كثيراً. يتأرجح ما بين الانتماء واللاانتماء في آن واحد. قال الممثل كرم غصين بالضبط ما أردتُ قوله. اختزلَ إشكالية المحي. خارج هذه الإشكالية، لم أكترث لمنطق البطولة المطلقة. أردتُ الشخصيات الأساسية وسيطاً يحملنا إلى "الفوق"، وحين نصل، تصبح جميعها كتلة واحدة، وربما تتصادم، فيتلاشى مفهوم البطل، ويذوب في هذا الحيّز. تصبح الشخصيات أمام ردّ الفعل الأول. لهذا أطلقتُ على الفيلم اسم "جدار الصوت". فجدار الصوت حين "يفقع"، نُصاب لوهلة بعجز عن التفكير. الفيلم الذي يتعامل مع هذه التفاصيل، لن يكترث لكونه مقاومة أو غير مقاومة. يصبح نقاشٌ من هذا النوع خارج السياق. ما يتقدّم بدلاً منه هو الصمود والقدرة على البقاء. ثمة سؤال آخر يطرحه الفيلم، يتعلّق بالشخصيات "التي فوق": لماذا لم تغادر جرّاء الحرب؟ إنّه سؤال مفتوح. الشخوص عالقون في هذه الدوّامة.

عنصر الصوت في الفيلم أساسيّ لتحديد العلاقة بين الداخل والخارج. الشخصيات تعيش الحرب من خلال الصوت. المشادون كذلك. يقول المخرج في هذا الصدد:"الصوت أساسيّ في الفيلم. نحن في لبنان محظوظون بوجود رنا عيد، مصممة الصوت، التي أنجزت عملاً جبّاراً. وضعتُها أمام فيلم صوتيّ. فيلم الجنود فيه مُغيَّبون بالكامل. وجودهم يقتصر على مدى قدرتنا على سماعهم وبأيّ وَقْع، من دون أن نبلغ عتبة الرعب. صوتٌ حاضرٌ يُخيف. نحن لا نرى العدو، وحين نراه يقف الموت بيننا وبينه. تركّز العمل على الصوت في مقابل تغييب شخصيات وخلق حيِّز للصمت. إنّه مسألة أساسية، كالصوت تماماً، وينبغي أن ينال حقّه في الوجود، بكونه يعزّز مناخ التوتّر. لعب الصوت في خدمة الأفكار واللغة السينمائية. يعنيني التوافق ما بين الصوت والصورة، فأراقب متى يتطابقان ومتى يفترقان ومتى يلتقيان لخدمة اللغة السينمائية، لا القصّة فحسب. لا يزال هذا نهجي منذ "أبي لا زال شيوعياً". لقد كان أيضاً شريطاً صوتياً. لستُ ممن يكتفون باصطحاب المُشاهد في رحلة وفصله عن كلّ شيء. أحبّ تبادُل التعامل، أحدنا مع الآخر. الصوت مهم جداً".

وإذ يتحدث عن نهجه في فيلمه "جدار الصوت"  معتبراً إياه امتداداً لـ"أبي لا زال شيوعياً" فلا بد من التوقف عند هذا الأمر. يقول: "إنّها مسألة شخصية. فيلمي الأول عن عائلتي، والشخصية الأساسية في "جدار الصوت" تعبّر عني بشكل أو بآخر. أؤمن أنّ الفنان أو المخرج لا بدّ من وضع شيء من نفسه في أعماله أو أفلامه. شاء أو أبى. أحياناً أشطح بالشخصي وأحياناً أضبطه، لكنّه حاضر. أجدني مخلصاً للجنوب كمنطقة صوّرت فيها فيلمين. الأمر حصل بالمصادفة. لم يكن في نيّتي التركيز على جغرافيا معيّنة. أردتُ أن تصل علاقتي بهذه المنطقة وشاعريتها. أي مياهها التي تتساقط. النَفَس فيها... عند هذه الشاعرية تتقاطع اللغة بعض الشيء مع "أبي لا زال شيوعياً". أحاول استكشاف أدواتي شيئاً فشيئاً مع كلّ مشروع جديد".

 

 

 

المزيد من فنون