شمس المتوسط تشرق في أعمال إيتل عدنان ألوانا وأشكالا

"قيامة الألوان" معرض يقدم صورة شاملة عن تجربة شاعرة الرسم

الشاعرة والرسامة ايتل عدنان في محترفها الباريسي (موقع الفنانة)

من يدخل معرض الشاعرة والرسامة إيتل عدنان المقام في غاليري "صفير- زملر" تفاجئه جدارية كبيرة تحتل واجهة الصالة عنوانها "الشمس دائماً"، وهي عبارة عن نسخة من لوحة سيراميك ضخمة. قد تكون هذه اللوحة المشتعلة ألواناً صافية وعذبة أجمل مدخل أولاً إلى المعرض الذي يحمل عنوان "قيامة الألوان" والذي يضم أعمالاً مختلفة المواد والتقنيات والأحجام، وثانياً إلى عالم إيتل عدنان الرسامة بل شاعرة الرسم ورسامة الشعر إذا جاز القول، عالمها الذي يفيض بالألوان المشرقة والمتفجرة بلطافة وعذوبة وشفافية. فالجدارية هذه تبرز فيها شمس تتوزع أشعتها الملونة داخل فضاء الجدارية محدثة ما يشبه الانفجار الغنائي اللوني الذي يحتفل بذاكرة متوسطية طالما استقت الفنانة منها رؤاها وألوانها، وحملتها في روحها كما وجدانها الفني والشعري، بصفتها مرجعاً طفولياً باهراً وطبيعياً يحمل ملامح التجربة المتوسطية التي تختزنها إيتل في شعرها وفنها. أنها الشمس نفسها التي تبزغ اشعتها في لوحات عدنان كلها وفي قصائده ايضا.

يضم المعرض لوحات عدة بعضها اعتمدت فيها مادة الإكليريك وبعضها الباستيل وبعضها الألوان المائية بالإضافة إلى لوحات نفذت على طريقة النسيج tapisserie)) انطلاقاً من تقنيات عالية وأسلوب متقن بدت فيه المادة النسيجية كأنها مادة تشكيلية ولونية بامتياز. ومعروف أن إيتل تنفذ اللوحة بدقة في هدف أن تتحول الى تقنية النسج فتصبح عملاً فنياً لا يقل فرادة عن أصل اللوحة نفسها. حتى ليمكن أن يقال إنها لوحة من نسيج أو لوحة أنجزت منسوجة. وهذا الفن، فن النسيج، يمثل في نظر إيتل جزءاً من ذاكرتها المشرقية والشرقية فهو فن شعبي عريق وبديع. وكم بدت لافتة سلسلة اللوحات التجريدية الغنائية خصوصاً في عرضها معاً وكأنها قطع موسيقية متناغمة بألوانه وإيقاعاتها وأشكالها التي تتراوح بين مربعات ومستطيلات ودوائر تبدو كأنها فسحات لونية تتحاور وتلتقي لتصنع جو اللوحة وفضاءها اللوني المشبع بالغنائية والصفاء. كأنها فعلاً أناشيد لونية يتلقفها المشاهد بعينيه وروحه، فتحمله في ما يشبه الرحلة الصوفية والحسية في آن واحد إلى منابت الجمال الصرف، جمال الجوهر بل جمال الوجود وجوهره.

أما اللوحات الأخرى التي تظهر فيها اللعبة الشكلية أكثر فأكثر، سواء بالخطوط أو الأشكال الصغيرة المجردة، فتترواح بين الإكليريك والباستيل والرسم، وتختلف من مادة إلى أخرى بحيث تصبح في الباستيل كأنها هوامش على صفحات بيضاء تجسد رؤى غامضة وواضحة في وقت واحد. وهنا تبرز قدرة يد إيتل عدنان على الرسم واللعب الشكلي المتفجر الذي يؤكد وحدته في فوضاه الخلاقة. ويضم المعرض أيضاً بعض أعمال عدنان في فن الكرتون المطوي أو "لوبوريللو" كما يسمى. فكل مطوية هي مجموعة رسوم تتلاقى حول رؤية ما أو موضوعة ما. وأحياناً تبرز فيها الأحرف والكلمات الكثيرة التي لو جمعت لأمكن استخلاص بضعة من أفكار عدنان وقصائدها الممحوة أو ما تبقى من القصائد. تصبح المطوية في أحيان كأنها لوحة "هيروغليفية" حديثة تروي من دون أن تروي، فهدفها مخاطبة العين والخيال.

يمثل معرض "قيامة الألوان" في غاليري "صفير – زملر" إحدى العودات المنتظرة للشاعرة والرسامة إيتل عدنان، عودة إبداعية ترجع إلى بيروت صورة جميلة أسهمت عدنان في صنعها سواء خلال إقامتها في بيروت أم في تجوالها في مدن العالم. وأصلاً إيتل هي فنانة تنتمي إلى العالم، وهويتها هي هوية الإنسان بل الكائن، الذي يعيش في عالم مفتوح، شرقاً وغرباً، عالم حديث ومعاصر ولكن مشدود دوماً إلى جذوره الأولى. وكم تحتاج بيروت لا سيما في الظروف الراهنة، القاهرة والصعبة إلى مثل هذه العودة، عودة الشاعرة والفنانة التي كتبت أجمل النصوص عن مدينتها منذ ما قبل الحرب حتى الحرب وما بعدها.

المزيد من ثقافة