الصومال... العودة على فوهات المدافع

"يتمثل فشل الدولة في الصومال في عدم تمتعها بشرعية قوية"

صوماليون يتجمعون في موقع انفجار سيارة مفخخة بالقرب من البرلمان الصومالي في مقديشو (أ.ف.ب)

على أرضية متنازعة بين الحرب والسلم، ترعرعت حركة الشباب الصومالية أحد أهم نماذج الحركات المتطرفة في الصومال، والتي نفَّذت آخر عملياتها مطلع هذا العام على قاعدة عسكرية تستخدمها قوات أميركية شرق كينيا. ارتبطت هذه الحركة بتنظيم القاعدة وبعد مقتل زعيمها أسامة بن لادن وأفول التنظيم، مالت نحو تنظيم "داعش"، وبعد أن فقد التنظيم قوته في سوريا والعراق، في طريقها لأن تبرز كخليفة له في شرق أفريقيا، وكانت نشأت في البداية كذراع عسكريّة لـ "اتحاد المحاكم الإسلامية" التي كانت تسيطر على مقديشو، مما يثيرُ تساؤلات حول صمود الصومال أمام نزاعات العشائر والفصائل المتطرِّفة.

عمق الأزمة

عمّقت الأزمة الماثلة في الصومال من مفهوم الدولة الفاشلة. ظهر هذا التعبير عندما نشرت مجلة "السياسة الخارجية" الأميركية عام 2005 تعريفاً أقرَّه صندوق دعم السلام ومؤسسة كارنيغي للسلام العالمي يوضح بأن الدولة تكون فاشلة "حين تفقد الحكومة المركزية سيطرتها على أراضيها". ويتمثل فشل الدولة في الصومال في عدم تمتعها بشرعية قوية في أنحاء الدولة، وذلك نتيجة لخروجها عن الصراع فاقدة لمكونات العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين حيث ضرب الفساد والتمثيل السياسي الضعيف وإساءة استخدام القوة العسكرية، مقوِّمات المواطنة في مقتل.

 فبالإضافة لما ورثته الدولة الصومالية من الاستعمار ومنذ استقلالها عام 1960 وهي تعاني من عجز على مستوى القيادة، فحكومتها متقلبة بين نزاعات العشائر ومحاولات الابتعاد عن القبلية. فبعد اندلاع الحرب الأهلية منذ 1980 وحتى الإطاحة بحكم الجنرال سياد بري وفراره من مقديشو عام 1991 وانتشار حالة الفوضى التي أسفرت عن مقتل وجرح آلاف المدنيين، ما زالت الفصائل الصومالية تتقاتل.

وعلى الرغم من أنّ تركيبة الشعب الصومالي هي أحادية القبيلة، تتمتع بوحدة اللغة والدين والثقافة داخل كيان الدولة إلَّا أنّ محاولات الخروج بطبيعة الشعب من حالة الرعوية إلى تسييسها أدت إلى نشوب صراعات على السلطة والثروة. إنّ الأزمة ليست أزمة ناشئة فقط عن الإرث الاستعماري، وإنما هي أزمة قيادة، وتسييس القبيلة، والنزاع على السلطة والثروة، وكذلك هي أزمة ناشئة عن طبيعة الشعب الصومالي الرعوي وهذه الصفة الرعوية عملت كمضاد لترياق الثقافة السياسية.

نشوء حركة "الشباب"

 انسحب الجنود الإثيوبيون من الصومال في يناير (كانون الثاني) 2009 وتركوا وراءهم وحدات الاتحاد الإفريقي بآلاف الجنود لتساعد الحكومة الائتلافية الضعيفة على فرض سلطتها. بعد انسحاب إثيوبيا من الصومال سقط النصف الجنوبي من الدولة بسرعة في أيدي حركة "الشباب" بينما بقيت مناطق رئيسة عدة تحت سيطرة الحكومة الصومالية وقوات الاتحاد الإفريقي. ظهرت حركة "الشباب" في عام 2006 كذراعٍ عسكرية لــــ"اتحاد المحاكم الإسلامية" التي أُنشئت عام 1991 عقب انهيار الحكومة المركزية وكانت تسيطر على مقديشو وتهدف إلى إقامة دولة على أسس الشريعة الإسلامية، لكنها لم تعمر سوى أشهر قليلة بسبب الحرب الأهلية التي اندلعت أواخر عام 1991، وعادت "اتحاد المحاكم الإسلامية" إلى الظهور ثانية عام 1994 واستقوت منذ عام 2006 بحركة الشباب. ارتبطت الحركة بعد ذلك بتنظيم القاعدة واستمرت لغاية 2009 حين أعلنت الولاء لها بشكل رسمي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


انشطار التطرف

إثر خلافات داخلية انشق تنظيم من الحركة أعلن انتماءه إلى تنظيم داعش في سبتمبر (أيلول) 2014. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018 حدثت المواجهة العسكرية بين وكلاء تنظيمي "القاعدة، و"داعش" مواصلة للمواجهات بين المجموعتين منذ 2015، ولكن توصل الطرفان إلى ما يشبه هدنة، صمدت لنحو ثلاث سنوات. ويبدو أنَّ انهيار الهدنة القائمة بين الجماعتين المتطرفتين، تظهر أنَّهما دخلا في صراع جديد، مختلف من حيث الدوافع، والأهداف عن تلك المواجهات الدامية السابقة؛ التي جاءت بسبب ولادة "داعش" الصومال، وانشقاق بعض القيادات الشابة عن تنظيم الشباب سنة 2015، لتتحول في ديسمبر 2018 إلى مواجهة شاملة وتكفير متبادل، ودعوة كل طرف لمنافسه للخروج من الصومال.

استمرار الرعب

عادت الصومال إلى دائرة الضوء تحملها على فوهات المدافع أحداث عدة:

•          في ديسمبر من عام 2018 قام الجيش الأميركي بغارات جوية أدت إلى مقتل عدد من "حركة الشباب" جنوب الصومال حيث تسيطر على أراض ريفية وسط البلاد وجنوبها، تنفذ فيها عمليات إعدام بحق من تتهمهم بالتجسس لصالح الحكومة الصومالية ووكالات الاستخبارات الأجنبية، كما تقوم بتفجير السيارات المفخّخة. وقد عادت الحركة إلى نشاطها العنيف بعد أن تم طردها من مقديشو عام 2011، وأصبحت تسيّطر على رقعة واسعة من الريف الصومالي.

•          على الرغم من استمرار حركة الشباب الصومالية في تهديداتها، إلَّا أنَّ الولايات المتحدة أعادت افتتاح سفارتها في الصومال في أكتوبر (تشرين الأول) 2018 بعد انقطاع دام حوالى 30 سنة، بدافع ما وصفته بالاستقرار النسبي في البلاد. وبينما تعود السفارة التي أُغلقت جرّاء العنف وانهيار الحكومة المركزيّة الصوماليّة، عادت بضوابط قبلها الصومال طائعاً. فبالنسبة لدولة خارجة من حرب طويلة، تظل العضوية في أي كيان دولي فرصة لمنحها شرف المساواة مع بقية الدول.

•          ختمت "حركة الشباب الصومالية" العام الماضي بهجوم على نقطة تفتيش في ساعة الذروة وصفه معهد هيرال البحثي الأمني في مقديشو، بأنّه الهجوم العشرين الذي يُنفَّذ باستخدام عربة ملغومة في الصومال العام الماضي 2019 وحده مخلِّفاً أكثر من 200 قتيل وجريح.

•          في 5 يناير (كانون الثاني) الحالي، شنَّ مسلحون من حركة "الشباب" هجوماً على قاعدة عسكرية لقوات أميركية وكينية في لامو شمال كينيا. ولكن تمَّ صدَّه. وأوضحت الحركة أنَّ الهجمات العديدة على القوات الأميركية داخل كينيا تجيءُ ردّاً على إرسال الولايات المتحدة قوات إلى الصومال عام 2011 لمحاربتهم.

مصير الدولة

لا زالت الصومال تتأرجح بين حرب وسِلم وفقاً لاشتهاءات بعض القوى الدولية ووكلائها في القرن الإفريقي. ففي هذا البلد يعيد التاريخ نفسه باقتدار بفعل نشاط تجار الحروب، حتى تحولت منطقة القرن الإفريقي إلى كيانات متناحرة، تبرز سمات استمرارية الواقع الصومالي وقضيته المبنية على الصراع التقليدي الذي تغذيه القبلية والعشائرية ويُدار بأصابع خفية. ومفهوم الدولة في الصومال مختلفٌ حوله، فالنخبة السياسية تناقش تعددية الدولة وقيامها من هذا الموات على شكل دولة مركزية أو فيدرالية تحكم بالشعب، وفي الجانب الآخر ترى حركة "الشباب" عودة دولة الخلافة الإسلامية، ولا تعترف باستقلال الصومال ورفع علم الدولة وذلك لاعتباره تقليداً استعمارياً.

لم يشفع للصومال موقعها في منطقة القرن الإفريقي ذات البعد الإستراتيجي المهم بسيطرته على الممرات المائية الحيوية. ولم يشفع لها وقوعها على أطول ساحل يطل على المحيط الهندي والخليج العربي بل كان هذا الموقع مصدراً لإشاعة الاضطرابات من ناحية التمركزات العسكرية الأجنبية التي تهدف إلى حماية مصالحها في المنطقة مما أنشأ نوعاً آخر من الصراع في عدم الرغبة في وجود القوات الأجنبية في المنطقة.

تمسُّ الأزمة الصومالية كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية. والكل شريك في حالة التردي والتدهور التي وصلتها، فالحكومة بالفساد وفشل السياسات الاقتصادية. والتنظيمات المتطرِّفة مثل حركة "الشباب" بعدائيتها وإرهابها وتدميرها للبلاد وعملها على إضعاف فعالية مجهودات القوى الدولية لإحلال السلام وإهدار كثير من فرص صياغة كيان الدولة. ووسط هذا الفراغ ظهرت الحاجة إلى الدعم على مستوى الدولة لأكثر من ذلك، في أزمة استطالت وألقت بظلالها السالبة على المشهد السياسي والثقافي لدول القرن الأفريقي. يبدو أنَّ هذه الأحداث تنتظم لتكمل تشكيل الصورة المموَّهة عن الصومال. فبعد أن انقضت سنوات الحرب وكادت الجراح أن تندمل، وأوشكت البلاد على بدء عملية التنمية، يأبى مارد الإرهاب إلَّا أن يمدّ لسانه ويطلّ من تحت رماد الصراع.

المزيد من تحلیل