Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رسالة إلى أهل مدينتي: بورتسودان

اقطعوا الطريق على العنصريين والجاهلين كي لا يجرونكم إلى صراع قبلي

الطريق الوحيد للسلام والأمن بالسودان يكمن في تضامن الجميع لوأد الفتنة (رويترز)

ما تتفقون عليه جميعاً باختلاف مكوناتكم هو حبكم الأمن في مدينتكم الجميلة، فالأمن وحده هو الذي يضمن لكم قضاء مصالحكم في حياة يومية لا بدّ منها: الذهاب إلى العمل، والمدارس، والمستشفيات، والأسواق، والملاعب الرياضية، والأندية الثقافية، والحدائق العامة، ومتنزهات المدينة على شاطئ البحر الأحمر.

لكنكم تعرفون، أيضاً، أن قضاء هذه الضرورات اليومية بات أكثر خطورةً وأقل أمناً بسبب فتنة تسببت فيها جماعات عنفٍ غامضة.

وما تفتقرون إليه جميعاً في هذه الأيام الصعبة التي تمرّ بكم، هو الأمن والسلام والطمأنينة جرّاء فتنة طحنت الأبرياء في بعض أحياء مدينتكم، وزُجَّ فيها بكثيرين استيقظوا مذعورين على حريق بيوتهم ونهب ممتلكاتهم، فكان عليهم أن يدفعوا الشر عن أنفسهم أولاً، قبل أن يعرفوا تحديداً مَنْ الذي تسبب في ذلك؟

الجميع في المدينة عَرِفَ بعد ذلك عصابات (النقرز)، كما أن كل من أبصرهم في الأحياء التي جرت فيها الاشتباكات أنكر معرفته لهم، لكنهم مع ذلك ظلوا موجودين، حتى تساءل الناس: من أين جاء هؤلاء الذين يعتدون عليهم بالسكاكين والسواطير في وضح النهار بأسواق وأحياء المدن السودانية مثل الخرطوم ووَدْ مَدَنِي ومدينتكم هذه (بورتسودان)، ويهجمون عليهم دون سببٍ واضحٍ.

لقد كان الجميع قبل ثورة الـ19 من ديسمبر (كانون الأول) 2018 يعيشون في المدينة آمنين، ولم تكن بين مكوناتهم القبلية والعرقية واللغوية أي خلافات أو صراعات طوال السنوات الماضية.

فهل تغيّرت نفوسكم فجأة بين ليلة وضحاها؟ أم أن ما حدث في المدينة بين بعض مكوناتها حدث بفعل فاعل خفيّ؟

إن مصلحتكم جميعاً تعكس حاجتكم إلى الأمن والسلام في المدينة، لكن عجزكم عن الخروج جميعاً في مسيرات من أجل أمنكم وسلامكم والمطالبة بالكشف عن المجرمين يعكس حالة من الشلل الإرادي ربما توهم فيها بعضكم ملاذاً يحميه من تداعيات الفتنة.

لكن، الحقيقة هي أن الطريق الوحيد للسلام والأمن الذي تبحثون عنه يكمن في تضامنكم جميعاً وتناصركم في وأد الفتنة والسعي بالصلح بين الذين وقعوا فيها دون أن يشعروا بها من الذين أريد بهم ذلك على غفلة منهم.

طاقتكم على هزيمة الخوف أكبر مما تظنون، الفتنة ضعيفة وواهية، فاقطعوا عليها الطريق، وسدوا في وجهها الأبواب، ولا يكون ذلك إلا بانتصاركم لبعضكم البعض، وإدراك قيمة العيش المشترك، واللحمة الوطنية التي تجمع بينكم في المدينة.

فيما أنتم أهل مدينة لم يعرف الناس فيها قتالاً بينهم، ولا يريدونه أصلاً، ألم تتفكّروا لوهلة، في أن الذي لا يريد بكم خيراً وله مصلحة في هذه الفتنة، هم فقط الذين خرجتم جميعكم لإسقاط حكمهم سلمياً ونجحتم في ذلك!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إن قوة السلم وإرادة الخير أقوى من رهاب الخوف ودوائر الشر التي تحاول أن تنشر بينكم الفزع وتشلّ قدرتكم على التفكير وإرادتكم عن الفعل.

لا يقوى الشر إلا في غفلة أهل الخير، فلا تجعلوا من غفلتكم سبب قوة له، فأهل الشر يتحرَّكون بينكم حتى يعمّ الخراب أطراف مدينتكم، وتستوطن الفتن في أرضكم.

لقد فُجِعت مدينتكم بالفتنة ثلاث مرات في أقل من 5 أشهر، وفي كل مرة تستيقظ الفتن دون أن يكون هناك سببٌ منكم يقطع عليها الطريق إلى الأبد، وما يتكرر مرات يمكن أن يتكرر إلى ما لا نهاية ما لم تكن هناك إرادة قوية لوأد الفتنة وتصميم على إرادة العيش بسلام منكم جميعاً.

لم يكن ذبح الأبرياء وترويع الآمنين وحرق البيوت في غفلة من أهلها اتفاقاً ولا خبط عشواء، فهو تدبير أشرار جلبوا الفتنة بينكم من العدم، فلا تظنوا أن الفتن تنقطع من تلقاء نفسها ما دام أشرارها طلقاء لم تطالهم يد العدالة التي بغيابها تمتد الفتن إلى بقايا أحيائكم في المدينة لتوقد نارها وتجدد شرها، فما لم تقوموا بواجب جلب المجرمين إلى العدالة بكامل إرادتكم جميعاً، سيظل الشر مقيماً بينكم ومستنفراً يدخل إلى بيوتكم بيتاً بيتاً.

لقد تطاول السلام والأمن بينكم على هذه المدينة منذ نشأتها، وكان التعايش هو الذي يجمّلكم ويزين علاقاتكم البينية بكل مكوناتكم الوطنية وأعراقكم ولغاتكم وألوانكم، وما طرأ عليكم اليوم هو طارئ شاذ وعابر مشؤوم لا يشبهكم ولا تشبهونه، فلا تجعلوه مقيماً بينكم، فانكروا ما هو منكر وما ترفضه ضمائركم الحية.

إن وحدتكم في المدينة أقوى من أي سلاح، فاجعلوها سلاحكم في وجه الفتنة، انبذوا أشرارها، ولاحقوا مجرمي المدينة واحداً واحداً، واحشروهم في كل زاوية وواجهوهم بقوة العدالة والقانون.

عليكم أن تقطعوا الطريق على العنصريين والجاهلين كي لا يجرونكم إلى صراع قبلي على مذبح المواطنة وحقوقها والجوار وذمته والتسامح وقيمته.

ليكن عامنا الجديد هو عام الإصرار على هزيمة الفتنة، والانتصار لقيم المواطنة والروح الوطنية التي نستحق أن نعيشها في مدينة تسع جميع مواطنيها.

يا أهل بورتسودان أنتم في سفينة واحدة فلا تجعلوها عرضة لأمواج الفتنة وزلازل الشر ونيران العنصرية. دافعوا عن مدينتكم وتعايشها وأمنها جميعاً، ولا يخذل بعضكم بعضاً، لأن الفتنة إذا عمّت (لا سمح الله) فلن يسلم منها أحد.

المزيد من آراء