Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جحيم أستراليا يبيد 1.25 مليار حيوان

ثاني أضخم حرائق غابات العالم يهدد التنوّع الأحيائي بأسره

التهم حريق أستراليا حتى الآن ما يقدر بـ25 مليون فدان (غيتي)

بدأ موسم حرائق أستراليا هذا العام في نوفمبر الماضي، وهو لا يزال مستمراً بقوة حتّى الساعة. ومع تعاظم انتشار مساحات النيران، بات من الممكن رؤيتها بوضوح عبر صور الأقمار الصناعية المنتشرة في الفضاء، فيما تلتقط عدسات الكاميرات والهواتف الذكية على الأرض صوراً محزنة للحيوانات البرية والغابات التي تجتاحها النيران دون هوادة بعدما أحالت منازل سكان المناطق المنكوبة إلى يباب حاصدة معها عشرات القتلى والجرحى.

تاريخياً، اعتاد الأستراليون حدوث الحرائق كل سنة بشكل طبيعي، لكنها هذا العام مرت عليهم بطريقة غير مسبوقة، نظرا للجفاف المستمر منذ عام 2017، إضافة إلى موجة الحرارة الشديدة التي سجلّت أرقاماً قياسية. وكانت أول شرارة حريق لهذا الموسم قد اندلعت حين ضربت موجة غبار مصحوبة بموجة حر قياسية الساحل الجنوبي الشرقي لأستراليا. ويُرجح الخبراء أن تكون أولى شرارات الحريق قد نتجت عن احتكاك الأشجار بفعل الرياح الحارة والجافة.

25 مليون فدان

ويعد حريق أستراليا الذي التهم حتى الآن ما يقدر بـ25 مليون فدان، ثاني أكبر حرائق الغابات المسجلة من حيث المساحة، ولا يفوقه في ذلك إلا حريق "تايغا" الذي اندلع في الغابات السيبيرية الروسية في عام 2003 والذي أتى على 47 مليون فدان من الأشجار. وتأتي حرائق "الأقاليم الشمالية الغربية" في كندا التي حصدت عام 2014 مساحة 8.4 مليون فدان في المرتبة الثالثة؛ تليها حرائق مانيتوبا في كندا أيضاً التي التهمت 8.1 مليون فدان عام 1989؛ ثم حرائق "الجمعة السوداء" في أستراليا عام 1939 التي اجتاحت 5 ملايين فدان ودمرت في طريقها بلدات بأكملها.

يقول العلماء إن الحرائق التي يؤجِّجها الجفاف، يغذيها التغير المناخي العالمي الذى يفاقم بدوره موسم الحرائق. ففي عام 2019، سجلت أستراليا درجة حرارة هي الأعلى، مصحوبة بموجة جفاف طالت مساحات واسعة من البلاد، وبلغ أقصى معدل للحرارة في منتصف ديسمبر الماضى 41.9 درجة مئوية. وغطت سحب الدخان الناجم عن اشتعال الحرائق المتواصل سماء مدن رئيسة في أستراليا، مثيرا مخاوف صحية لدى البشر، فيما عبر الدخان السام مسافة أكثر من 12 ألف كيلومتر إلى أميركا الجنوبية وتحديداً البرازيل والأرجنتين، وفق وكالات الأرصاد فى البلدين.

وتعود أسباب شراسة حرائق هذا العام، إلى أنها اندلعت في غابات كثيفة تضم أشجاراً عالية جدا، يتطلب إخماد نيرانها طائرات تعمل على إطفائها من أعلى وليس بواسطة خراطيم مياه شاحنات الإطفاء من أسفل، ما أبطأ وتيرة التعامل مع هذه النيران. وثمة سبب آخر يقف وراء سرعة انتشار النيران: احتراق مليار وربع المليار كائن حي، إذ ساهمت الحيوانات الهاربة المشتعلة في نقل النيران إلى مناطق تم إطفاؤها أو لم يسبق أن اندلعت فيها النيران من قبل، ما فاقم من حجم المشكلة بشكل كبير.

ولا تهدد هذه الحرائق اليوم حياة البشر والحيوانات وسلامتهم فحسب، بل باتت تشكّل تهديداً خطيراً على التنوّع الأحيائي بأسره. ذلك أن لحرائق الغابات عواقب خطيرة على التنوع الأحيائي النباتي. وتعتمد قوة الأضرار التي تلحق بالبيئة النباتية على عوامل عدة، من بينها مدة الحرائق وخطورتها، ونوع التربة، ومساحة المنطقة المعرضة، وهطول الأمطار في أعقاب اندلاع الحرائق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لائحة المهددين بالانقراض

ومع احتراق ملايين الفدادين حتّى الآن، نفق ما يُقدّر بنحو 1.25 مليار حيوان من الثدييات والطيور والزواحف إضافة إلى 100 مليون رأس من الماشية، ناهيك عن أعدادٍ هائلة غير معروفة من الحشرات، وفق أحدث الإحصائيات الصادرة عن جامعة "سيدني" الأسترالية. واستندت الجامعة في تقريرها إلى أرقام "الصندوق العالمى للحياة البرية" حول كثافة الثدييات والطيور والزواحف في ولاية نيو ساوث ويلز. واستخدم العلماء الذين أجروا الدراسة تقديرات متحفظة، وبالتالي فإن عدد الحيوانات النافقة قد يلامس بسهولة رقم الملياري حيوان. وذهب العلماء في تحذيراتهم بعيداً، إذ توقع بعضهم بأن الحرائق التي قد تستمر لشهرين آخرين على الأقل، قد تمحو فصائل حيوانية كاملة من خريطة الحياة البرية في أستراليا.

حيوان الكوالا، الذي يعد من الحيوانات القومية لأستراليا إلى جانب حيوان الكنغر، من أبرز الفصائل الحيوانية التي تأثرت بشدة بالحرائق الأخيرة. فقد أعلن وزير البيئة الأسترالي، في 27 ديسمبر الماضي، أن أكثر من 30 بالمئة من تعداد حيوان الكوالا في أستراليا قد نفق بسبب الحرائق، وأن ثمة مخاوف من تزايد هذه النسبة مع استمرار الحرائق وانتشارها في مزيد من الغابات التي تعتبر الاجئ وحيدة لهذا الحيوان، نظراً لاعتماده عليها بشكل كامل كغذاء ومسكن ومصدر حماية.

كما انضم حيوان الكنغر، إلى قائمة الفصائل المهددة بالانقراض. وبينما لا تتوفر معلومات أو تقديرات محددة عن أعداده التي تأثرت أو نفقت جراء الحرائق، فإن خبراء الحياة البرية يحذرون من تعرض الملايين من حيوانات الكنغر للهلاك جراء الحرائق سواء نتيجة الاحتراق، أو بشكل غير مباشر نتيجة للتضور جوعاً وعطشاً وإرهاقاً بسبب الأثر المدمر للحرائق على البيئة الخاصة بهذا الحيوان.

ما ذنب الإبل؟

وتشمل لائحة خطر الانقراض العديد من الحيوانات الجرابية الأخر، الأصغر حجماً ووزناً من الكنغر، مثل حيوان الـ"ومبات" الذي ينتشر في جنوب وشرق أستراليا، والذي تعرضت أعداد ضخمة منه للهلاك نتيجة الحرائق واختفاء المناطق الشجرية التي تعيش فيها، إضافة إلى التعرض للافتراس بشكل متزايد من اللواحم والطيور الجارحة. وتنطبق نفس الحالة على فأر "دونارت" الجرابي، و"الأرنب الفأري الجنوبي البني". كما امتد تأثير الحرائق أيضاً إلى العديد من الطيور، أبرزها "الببغاء البري الغربي"، و"العصفور الشرقي الخشن"، و"خفاش الثمار العملاق" أو "الثعلب الطائر رمادي الرأس" كما يلقب في أستراليا.

ولسخرية القدر، امتد أثر الحرائق الأسترالية إلى كائنات "لا ناقة لها ولا جمل" في خضم هذه الأزمة القومية التي تعاني منها البلاد. فقد اتخذت الحكومة الأسترالية قراراً صادماً بإعدام 10 آلاف من الإبل عن طريق رميها بالرصاص، معللة ذلك القرار بأنه نتيجة استهلاكها كميات كبيرة من المياه وتناولها الكثير من أوراق الشجر، ما يزيد من مشكلة الاحتباس الحراري، وحرائق الغابات. ومن المقرر أن تنفذ الحكومة خطتها عن طريق إطلاق عدد من طائرات الهليكوبتر فوق تجمعات الإبل، وقيام رماة محترفين بتصويب الرصاص تجاهها.

لقد ضخت حرائق أستراليا، ولا تزال، كميات هائلة من غاز ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي، ما يؤثر على المناخ على الصعيدين الإقليمي والعالمي، ويمثل ذلك انتكاسة هائلة للجهود العالمية الرامية للحد من انبعاثات الكربون بحلول عام 2030 وفقا لاتفاقية باريس للمناخ. صحيح أن البشرية لن تستطيع تعويض الخسائر الهائلة النازفة جراء هذا الحريق وغيره مما سيحدث مستقبلاً، لكن العالم مطالب اليوم بوضع استراتيجيات للتكيف مع هذه الكوارث والاستفادة من الأخطاء حتى لا تكون الأثمان المقبلة باهظة لا يمكن تحملها.