Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أميركا وتصحيح خطئها في العراق

ترمب جادٌ بمجابهة الإرهاب الإيراني

تأكدت إدارة الرئيس دونالد ترمب من خطط سليماني الإرهابية (أ. ف. ب)

إذا افترضنا أن الضربات الأميركية على طريق المطار في بغداد، ليلة الجمعة المصادف 3 يناير (كانون الثاني) 2020، التي قتلت قائد فيلق القدس التابع إلى الحرس الثوري الإيراني، الإرهابي قاسم سليماني، بأنها خطوة كبيرة ومهمة لتصحيح الأخطاء التي تسببت فيها الولايات المتحدة بغزوها العراق، واحتلاله ما بين (2003-2011)، وتمكين إيران من بسط هيمنتها عبر سيطرة أذرعها على مقاليد الدولة ومؤسساتها، التي دمرت العراق وآذت المنطقة شرّ أذية، فإن هذه الخطوة توجب عليها خطوات تصحيحية أخرى، تؤدي نتائجها إلى استقرار الوضع العراقي وانعكاسه على الاستقرار الإقليمي والدولي.

أمَّا إن كان الهدف يتعلّق بالجانب الأمني الأميركي فحسب، وضرورة توفير الحماية لجنودها وقواعدها داخل العراق، بعدما تأكدت إدارة الرئيس دونالد ترمب من خطط سليماني الإرهابية، خصوصاً بعد اقتحام مئات من عناصر الحشد الطائفي السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء شديدة التحصين، فإن الأمر لا يعدو كونه خطوة تصعيدية في سلسلة المواجهة بين الطرفين الإيراني والأميركي على الساحة العراقية، وبذلك سيستمر التوتر بينهما، لكن بشكل أعمق.

وبما أن باستطاعة ترمب أن يعطي أمراً آخر غير الأمر بتصفية الذراع اليمنى للنظام الإيراني سليماني والمجموعة الإرهابية التي كانت بمعيته، وأبرزهم أبو مهدي المهندس، نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، وعندما يشير ترمب إلى أن "أميركا قامت بما كان يجب عليها أن تقوم به منذ فترة طويلة، ولا تقرع طبول الحرب"، فإن ذلك يعني أن ترمب جادٌ بمجابهة الإرهاب الإيراني، الذي استفحل وشكَّل خطورة حقيقية ليس على الأمن القومي الأميركي فحسب، بل على حلفاء الولايات المتحدة بصفة خاصة، والمنطقة بصفة عامة.

وعلى خطى رئيسه في مقتل سليماني، وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو قال "ببساطة، انتهى عصر مسايرة واشنطن للإرهابيين"، والمأساة في سوريا والعراق أن سليماني كان في قلب أحداثها. وأضاف "راقبنا سليماني وقواته في الحرس الثوري وقواته بالوكالة في العراق، وجدنا أنهم يشاركون في أنشطة مثيرة للتوتر تهدد حياة الأميركيين".

وأوضح رئيس هيئة الأركان الأميركي، مارك ميلي، قائلًا "اطّلعتُ على المعلومات الاستخبارية حول ما كان يُحضّر له سليماني، والخطر كان داهماً".

إنّ القرار الذي اتخذه ترمب بالتصفية الجسدية لسليماني، كما يبدو، لا صلة له بحسابات الانتخابات الرئاسيَّة الأميركيَّة في نهاية العام الحالي، بقدر ما يتعلق الأمر بسياسة الشدة التي ينتهجها حيال النظام الإيراني، ويختلف فيها عن سلفَيْه باراك أوباما وجورج بوش.

بيد أن هذا لا يمنع القول إن شعبية ترمب داخلياً ارتفعت بشكل كبير بعد أمره بقتل سليماني، إذ ظهر رئيساً قوياً حازماً، لا يتهاون بما جرى للسفارة الأميركية في بغداد.

من هنا، يمكننا أن نستشف أن ترمب يروم إلى تصحيح الأخطاء التي ارتكبها سابقَيْه، لا سيما أوباما بسياسة اللين والمرونة التي انتهجها مع النظام الإيراني، وتمشية المصالح الإيرانيَّة الأميركيَّة على حساب المصالح العربيَّة الأميركيَّة، التي هي أكثر أهمية وخطورة في المنطقة وفي العالم.

عندما هاجمت عناصر الحشد المدعومة من إيران، السفارة الأميركية وقاموا بأعمال تخريبية، كتب ترمب تغريدة على صفحته الخاصة وجّهها إلى العراقيين المطالبين بالحرية، جاء فيها "إلى ملايين العراقيين الذين يريدون الحرية ولا يريدون أن يبقوا تحت الهيمنة والتحكم الإيراني، هذا يومكم".

وفي خضم ذلك، تحدث بومبيو قائلًا: "الاحتجاجات التي شارك فيها العراقيون الذين يتظاهرون منذ أشهر ضد القادة الفاسدين في بلادهم، والذين يريدون أن يكون العراق سيداً وحراً ومستقلاً. أمَّا الذين أتوا إلى سفارتنا من أمثال المهندس وهادي العامري، فإنهم أشخاص نعرفهم منذ فترة طويلة، وهم إرهابيون مُدرجين على لوائح الإرهاب، وقد أتوا ليشاهدوا ما يحصل، وبتوجيه من القيادة الإيرانية".

إذا كان هذا هكذا، فإن الاستنتاج العقلي والمنطقي الذي نصل إليه، أن أميركا تريد تصحيح خطأ الغزو الذي ارتكبته في العراق، وأن استهداف قاسم سليماني بداية التصحيح العملي على أرض الواقع.

ليس هذا فحسب، بل أن الرسالة الأميركية التي نقلها السفير السويسري في طهران إلى القيادة الإيرانية في أعقاب اغتيال سليماني، كانت تحمل لغة واضحة جداً لتهديد لترمب، إذ قال إنّ "إدارته حدّدت 52 هدفاً إيرانياً ستضربها القوات الأميركية في حال استهدفت إيران أي أميركي".

ويرى البعض، أن تحديد الرقم 52، لم ينطقه ترمب هباءً، وإنّما يعني به عدد الرهائن الأميركيين الذين احتجزتهم مجموعة طلبة إيرانيين داخل السفارة في طهران على مدى خمسة عشر شهراً تقريباً ما بين 1979-1981.

وكتب الرئيس الإيراني حسن روحاني تغريدة على تويتر يردّ فيها على ترمب، قائلًا "أولئك الذين يشيرون إلى الرقم 52 عليهم تذكر الرقم 290"، في إشارة إلى قتلى الطائرة المدنية الإيرانية التي أسقطتها الولايات المتحدة في يونيو (حزيران) 1988. وختم تغريدته "لا تُهدّد إيران".  

بيد أن حالة الإرباك بائنة في التصريحات المترجرجة من المسؤولين الإيرانيين، ومجملها توحي بانكسار نفسي لا لُبسَ فيه، إذ إن روحاني نفسه يقول إن "أميركا ستكتشف بعد سنوات، جسامة الخطأ الذي ارتكبته باغتيال قاسم سليماني".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أمَّا تهديدات الأمين العام  للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني، ضد الولايات المتحدة التي نشرتها وسائل إعلام  إيرانية مثل تسنيم وإيسنا، فسرعان ما تراجعت وحذفت الخبر.

وكذلك تصريح عضو مجلس الأمن القومي الإيراني أحمد الخميني بقوله "سيكون ردنا قاسياً، لكنه سيراعي مصلحة أمننا القومي!"

وعندما نفذت إيران تهديدها وشنت هجوماً صاروخياً على القوات الأميركية في العراق، ليتها ما فعلت، فقد كشفت عن تقنية عسكرية متردية، وضجيج إعلامي فارغ، إذ أطلقت أكثر من 10 صواريخ على قاعدتين، عين الأسد الجوية في محافظة الأنبار، والحرير في محافظة أربيل، لم يصَب فيها جندي أميركي واحد، بعضها لم تنفجر، ولم تصِب أهدافها. وعلى الرغم من ذلك، هدّدت طهران بموجة ثالثة تُدمر دبي وحيفا إن ردّت واشنطن على الهجوم. وكان ردّ ترمب بتغريدة في تقييم الأضرار "كل شيء على ما يرام".

صفوة القول إن الخطوة الأميركية الخطيرة بضرب أحد أهم أقطاب الإرهاب في النظام الإيراني، سليماني الذي أثخن بالقتل والتشريد والتدمير في العراق وسوريا، والسياسة الخاطئة التي اتّبعها بوش وأوباما، فإن تصحيح تلك الأخطاء تبدأ من العراق، إذ من خلاله تمكّنت إيران مدّ مشروعها وإرهابها في المنطقة.

إنّ إزالة أحزاب الفساد والمجموعات الطائفية المسلحة المدعومة من إيران وحل الدستور والبرلمان ومحاسبة الفاسدين وغيرها من مطالب ثورة تشرين السلميَّة، التي أيّدها ترمب بقوله "هذا يومكم"، فهل سيواصل ترمب تصحيح الخطأ الأميركي ويقف مع الشعب العراقي؟

المزيد من آراء