ساسة أميركا متفقون على الانسحاب من أفغانستان. لكن، كيف؟ وما المخاطر؟

انهيار المباحثات مع طالبان والحملات الانتخابية للرئاسة توضح أن إنهاء أطول حروب أميركا له أثمان عدة

صورة في قاعدة عسكرية تجمع جون باس السفير الأميركي الذي ترك أفغانستان أخيراً، ووزير الخارجية مايك بومبيو (أ.ب)

مضى أسبوع على قرار دونالد ترمب المفاجئ بإلغاء المحادثات السرية مع طالبان بعد إقرار التنظيم الأفغاني بمسؤوليته عن تفجير سيارة في كابول.

وتمثّل الهدف من المفاوضات غير المسبوقة بين ترمب وطالبان في إنهاء أطول حروب الولايات المتحدة، وكذلك إعادة القوات الأميركية إلى الوطن. إنه أمر توقّعه الشعب الأميركي منذ بعض الوقت، إذ وعد ترمب وسلفه باراك أوباما تنفيذ ذلك، لكنهما لم يفلحا في تحقيقه، مع استمرار الخلافات حول كيفية اتمام الانسحاب.

يقدَّر عدد القوات الأميركية في أفغانستان اليوم بحوالى 14 ألف عسكري، أعلى مما كان عليه حين حلّ ترمب في البيت الأبيض عام 2017. وآنذاك، ساد توقع بأن يؤدي اتفاق السلام مع طالبان إلى سحب 5,500 عسكري خلال خمسة أشهر.

يمكن القول إن إنهاء الحرب الطويلة الأمد والمكلفة يشكّل أحد المجالات القليلة التي يتفق فيها المرشحون الديمقراطيون للانتخابات الرئاسية 2020 مع الرئيس. ففي المناظرة الثالثة أخيراً، برز ملف أفغانستان بوصفه أحد القضايا التي طُلِب منهم أن يشرحوا رؤاهم حول كيفية إنهائها.

وفي هذا السياق، ذكرت إليزابيث وارن، أحد المنافسين الديمقراطيين البارزين، إن الانسحاب الأميركي يجب أن يبدأ "اليوم" حتى من دون اتفاق مع طالبان.

وأكدت وارن التي تنتمي إلى الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، أن ما تفعله الولايات المتحدة في أفغانستان لا يساعد على سلامتها وأمنها، أو سلامة وأمن أفغانستان أو العالم. وأضافت أن الجيش الأميركي لا يستطيع حل مشكلة الإرهاب في شتى أنحاء العالم.

في نفسٍ مُشابِه، تفاخر السيناتور بيرني ساندرز أحد السياسيين الأميركيين التقدميين والمنتقد الدؤوب للسياسة الخارجية التي اتبعتها إدارات أميركية متعاقبة، بأنه انفرد بالتصويت ضد "ثلاث موازانات عسكرية لترامب". وأضاف ساندرز، "ليس علينا أن ننفق 750 مليار دولار على الجيش حين لا نعرف حتى من هو عدونا".

في المقابل، يرى منتقدو الانسحاب فوري للقوات من أفغانستان من بينهم مسؤولين عسكريين كبار، أن إنهاء تلك الحرب الطويلة يجب أن يُنجَز بحذر بهدف ضمان أن لا تصبح البلاد مرّة اخرى ملاذاً آمناً لجماعات وهجمات إرهابية.

وفي هذا الصدد، صدر أخيراً تحذير من الجنرال جوزيف دنفورد رئيس هيئة الأركان بشأن الانسحاب من أفغانستان، وبيّن أنه مقتنع بأن البلاد ما زالت بحاجة إلى دعم في التعامل مع المستويات المتزايدة من العنف. وأورد الجنرال دنفورد أن الولايات المتحدة بحاجة إلى تحقيق السلام والاستقرار في أفغانستان وضمان ألّا يكون البلد "ملجأ" لتنظيمات إرهابية مرّة ثانية.

وبدأت حرب أفغانستان حين نفّذ عدد من محاربي تنظيم "القاعدة" عملية تضمنت ضرب برجي "مركز التجارة العالمي" في نيويورك بطائرات مدنية، وكذلك فعلوا مع مبنى البنتاغون وحقل في بنسلفانيا، يوم 11 سبتمبر (أيلول) 2001، ما تسبب في مقتل أكثر من 3000 شخص. وشكّلت أفغانستان مأوىً لتنظيم "القاعدة" وإحدى البلدان التي تُخَطّط الهجمات الإرهابية فيه، على الرغم من عدم وجود أفغاني بين المهاجمين التسعة عشر. ونتيجة لذلك، شن الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش "الحرب على الإرهاب" التي أدت إلى غزو أفغانستان ولاحقاً العراق.

خلال مناظرة [جرت أخيراً بين مرشحين ديمقراطيين للرئاسة]، ذكر جو بايدن، المرشح الأول (بحسب استطلاعات الرأي) ونائب الرئيس السابق [باراك أوباما]، إن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى إبقاء قواتها في أفغانستان على الأرض. واقترح أيضاً أن تزود باكستان الولايات المتحدة بالقواعد لقواتها بهدف ضمان عدم تحوّل أفغانستان ملاذاً آمناً للإرهابيين.

كذلك يوافق بيت بوتيجيغ، مرشح ديمقراطي آخر للرئاسة وعمدة بلدة "ساوث بيند" في ولاية إنديانا ومحارب سابق تحت قيادة الجنرال دنفورد في أفغانستان، على وجوب أن تضع الولايات المتحدة نهاية لحرب طويلة بطريقة تضمن عدم استخدام أفغانستان مرّة اخرى للهجوم على الولايات المتحدة، مبيّناً أيضاً أن ذلك لا يتطلب التزاماً مفتوح الأجل لوجود قوات أميركية على الأرض [الأفغانية].

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى نحو مُشابِه، يرى منتقدو الرئيس ترمب أن الاكتفاء بالتفاوض مع طالبان لا يمكنه توفير حلّ دائم في أفغانستان.

إذ يورد علي صوفان، العميل الخاص السابق في "مكتب التحقيقات الفيدرالي" الذي حقق في قضايا إرهاب دولية عدّة وعضو المجلس الاستشاري في وزارة الأمن الداخلي، إن اتفاق السلام يجب ألا يشمل طالبان وحدها، بل الحكومة الأفغانية أيضاً وكل الأطراف السياسية في البلاد. وفي تصريح إلى الاندبندنت، أورد أنه "على طاولة المفاوضات يجب طرح مخاوف الحكومة المنتخبة محلياً، والأقليات الاثنية والدينية، والنساء، وقوات الأمن، إلخ".

وذكّر صوفان بالفوضى التي ترتبت على انسحاب القوات الأميركية من فيتنام في منتصف السبعينيات من القرن العشرين، بعد حرب طويلة اخرى خارج أميركا، مضيفا أن "الخروج لا ينجم عنه سوى سايغون [عاصمة فيتنام] اخرى. نحن لا نستطيع تجاهل أصدقائنا، ولا نستطيع تجاهل المصير العنيف الذي ينتظرهم على يد الجماعات الإرهابي، إذا أخطأنا في الحل".

يقدر عدد من قُتل في أفغانستان وباكستان منذ عام 2001، بحوالى 200 ألف شخص من بينهم ما يزيد على 60 ألف مدني، بحسب تقديرات جامعة براون. ولا تشمل هذه الأرقام الوفيات الناجمة عن سوء التغذية، وتعطل الأنظمة الصحية وخراب البيئة.

وحتى الآن، قتل حوالى 7 آلاف أميركي و600 كادر بريطاني في ميادين القتال في العراق وأفغانستان وباكستان، إضافة إلى مقتل آلاف العسكريين والشرطة المحليين. وتملك بريطانيا حوالى 1000 عسكري في أفغانستان.

في المقابل، ذكر جون غليزر مدير السياسة الخارجية في "معهد كاتو" الليبرالي في واشنطن إن الحجة التي تزعم بأن الحرب يجب أن تستمر لحماية الولايات المتحدة من الإرهابيين "سخيفة".

وفي هذا السياق، نقل غليزر إلى صحيفة الاندبندنت إنه "ليس هناك دليل على (أن قتالهم هناك) جنّبنا (قتالهم هنا)... فكرة أن ملاذاً آمناً في أفغانستان سوف يوحي لتنظيم "القاعدة" أو منظمات اخرى، شن هجمات عابرة للحدود على التراب الأميركي، ليست سوى خرافة".

وأضاف أن موقع أفغانستان النائي المحاط بالسهوب "لا يساعد المجموعات الإرهابية كي تحاول مهاجمة الولايات المتحدة. ومنذ 09/11/2001، لم تشهد أراضي الولايات المتحدة هجمات تستوحي أساليب الإسلاميين المتشددين ينفذها من له أواصر ميدانية مع مجموعات إرهابية تمتلك ملاذات آمنة".

وإضافة إلى الخسائر البشرية، بلغت تكاليف ما أنفقته الولايات المتحدة على الحرب في أفغانستان حوالى تريليوني دولار حتى الآن، بحسب إحصاءات "جامعة براون" الأميركية. وإضافة إلى التكاليف المتصلة بالحكومة الأفغانية الفيدرالية، أُنفِقَتْ ملايين الدولارات على مستوى الجماعات الأهلية والبلدية، لتغطية خدمات تقدم للمحاربين العائدين وأُسَرهم.

© The Independent

المزيد من تحلیل