Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مؤتمر شرق السودان... من يقول ماذا؟

إقصاء مكونات شعبية رغم الدعوات السطحية للشراكة

سودانيون يحتفلون بالذكرى الأولى لبدء الانتفاضة التي أطاحت بحكم عمر البشير في الخرطوم (رويترز)

بعد اللغط الذي دار حول مسار شرق السودان في مفاوضات "منبر جوبا"، وما ترتب عن ذلك من تأجيل للمفاوضات لمدة 3 أسابيع إلى حين عقد مؤتمر تشاوري لأهل تلك المنطقة، يتحدث البعض عن مبادرة تقودها رئيسة جامعة الخرطوم الدكتورة فدوى علي طه، كي تتولى الجامعة مهمة عقد المؤتمر ومناقشة قضايا أهل شرق السودان. بطبيعة الحال، ومن حيث المبدأ، لا شك في أن المؤتمر التشاوري سيكون مهماً إذا كان هناك توافق بين الأطراف، وتوقف الأمر فقط على البحث في أهلية الذين يمكنهم قيادة المفاوضات من مكونات شرق السودان كافة.

لكن إشكالية شرق السودان اليوم لا تكمن في هذا الأمر، أي ليست المشكلة في وجود أو عدم وجود كفاءات تقود العمل التفاوضي من كل أطياف ومكونات شرق السودان. المشكلة في تقديرنا، نابعة من إشكالية أساسية متمثلة في تصور عام لبعض مكونات شرق السودان، مفادها بأن الناطقين بـ "البداويت" وهم جزء من البجا (السكان الأصليين لشرق السودان) يعتبرون أن تمثيلهم لا بُدّ من أن يكون محصوراً في مَن ترضى عنهم أو تختارهم قيادات القبائل (الإدارة الأهلية)، وذلك نتيجة تقليد سياسي خطير عمّمه نظام (الرئيس المعزول عمر) البشير لسنوات طويلة، حين ورّط القبائل عبر تسييسها في شرق السودان، حتى بدا أن تلك الطريقة في العمل السياسي المستندة إلى "الإدارة الأهلية" هي الطريقة التي عهدها الناس، إلى جانب أن الوعي القبائلي في هذه الطريقة، يُهمِل بالضرورة السوية الموضوعية لاستحقاق المواطنة، من حيث أنها هوية وطنية عابرة للقبائل في الممثلين السياسيين. فالاستحقاق بنظر الوعي القبائلي حيال دعم وتزكية السياسيين يقوم على الانتماء القبلي بغض النظر عن استحقاق شرعية التمثيل السياسي، سواء من حيث الانتخاب، أو من حيث التاريخ السياسي أو من حيث المشاركة في النظام السابق.
ومن هذه الرؤية الأوتوقراطية الخطيرة تنبع مشاكل كثيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


فمن ناحية، سيكون هناك إقصاء وفق هذه الرؤية، لمكونات أخرى، على الرغم من الدعوات السطحية إلى الشراكة (بحيث تكون شراكة ديكورية)، ففضلاً عن الطبيعة الأوتوقراطية للرؤية القبائلية التي تطرحها وجهة نظر الإدارة الأهلية للتمثيل السياسي، هناك أيضاً دعوى انعزالية خطيرة يتم تأويلها في أذهان العوام من الناطقين بـ"البداويت" تقوم على أن عموم مساحة مدينة بورتسودان، أرض خاصة وحصرية للناطقين بـ"البداويت" بفهم قروسطي يستند إلى فكرة الحيازة والحِمى (وهذا الفهم يُسوَّق بين العوام كما لو أنه عقيدة لا يمكن التنازل عنها)، فيما الواقع هو أن مدينة بورتسودان عُرّف عنها في الوثائق الإدارية والدستورية للدولة كمدينة قومية ينطبق عليها استحقاق المواطنة لأي مواطن سوداني في الحكم والإدارة. وعلى الرغم من أن هذا الأمر بديهي، لكنه في وعي عوام "البداويت" حتى الآن يصبح الاقتناع به أمراً عسيراً! وبطبيعة الحال، فإن هذ الفهم الذي يتم تصويره لخصوصية أرض بورتسودان وامتلاكها هو فقط "بروباغاندا" قبائلية وسياسية من أجل حصر حكم المدينة وتمثيلها السياسي الأساسي والأبرز في قبيلة أو قبيلتين ووفق اختيارات نظار القبائل. ولهذا نرى تمسك ناظر نظّار البجا (وهو ناظر قبيلة الهدندوة، أكبر قبائل البجا في شرق السودان) ودعمه للسياسي موسى محمد أحمد (الذي كان أحد مساعدي عمر البشير حتى سقوط نظامه في 11 أبريل/نسيان الماضي)، وضرورة أن يكون أحد ممثلي شرق السودان ضمن مفاوضات "منبر جوبا"، وهذا بكل تأكيد أمر مرفوض بحكم أن موسى محمد أحمد كان مساعداً للبشير ومن الرموز السياسية لحكم "نظام الإنقاذ".  

من ناحية ثانية، لا يزال هناك غياب تام لنوع من نخب سياسية بجاوية في شرق السودان، تكون لها القدرة الوطنية والمعرفية والأخلاقية العالية في الاستعداد للعمل المشترك في ما بينها، كنخب بجاوية من ناحية، ومع كل مواطني المدينة من غير البجا من ناحية ثانية، ووفق عمل سياسي حزبي متحرر من الانتماءات القبائلية الضيقة.

 ولأن وجود طبقة كهذه أصبح اليوم شبه مستحيل، تتأكد للجميع خطورة زجّ القبائل والإدارات الأهلية في العمل السياسي الذي هو مجال لا تملك القبائل القدرة على العمل فيه، إلاّ على نحو سلبي خطير ومدمر.
وفي غياب الهوية الكاشفة عن تلك النخب البجاوية (التي لا وجود لها للأسف)، لا نظن أن هناك إمكانية لنجاح أي مؤتمر من أجل تحقيق السلام في شرق السودان.
وخطورة  الأمر تنبع  من أن المركز في الخرطوم (سواء كان مركزاً رسمياً كالحكومة ومجلس السيادة، أو مركزاً نخبوياً ممثلاً في الصحافيين والسياسيين والأكاديميين)، لا يفطن إلى هذه الإشكالية التي ذكرناها والقائمة على تعميم فهم بين عوام الناطقين بـ"البداويت"، يتصور حيازة ملكية خاصة لمدينة بورتسودان محصورة بتلك الهوية القبائلية التي تؤسس وعياً نقيضاً لقيم المواطنة. بالتالي، تؤسس بالضرورة إلى إقصاء (وهو إقصاء شهدنا طرفاً منه في تظاهرة وتجمع نظمهما بعض عوام البداويت وأُطلقت فيهما هتافات نافية لمواطنية مكون أصيل في شرق السودان، هم بني عامر والحباب).   

السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو، في ظل هذه التصورات التي تحصر حيازة الأرض بفهم أوتوقراطي خطير لا يقيم وزناً لحيثية المواطنة (نتيجة لإهمال كبير ومتطاول غرق فيه البجا في شرق السودان منذ الاستقلال في ظلام التخلف والإهمال اللّذين عممتهما الحكومات المركزية في الخرطوم)، كيف يمكن إنقاذ البجا من خطورة هذا الفهم وتداعياته الخطيرة على التعايش في منطقة جيوسياسية مهمة كمنطقة بورتسودان؟ لذلك نقترح على المؤتمر، الذي ستتولى تنظيمه مؤسسة أكاديمية عريقة كجامعة الخرطوم، أن يكون هناك نقاش جاد وتأسيسي يفنّد أغاليط هذا الفهم الأوتوقراطي حيال بعض البجا لبعضهم الآخر، ويكشف عن خطورته وتداعياته على الأمن في شرق السودان، إلى جانب سن برامج توعية شعبية وعمومية تزيل هذا الفهم الذي من شأنه تفخيخ التعايش في مدينة بورتسودان بخاصة وفي شرق السودان بصورة عامة.

فهذا الفهم الأوتوقراطي الخطير للأسف الشديد حمل بعض دعاة الفتنة من "البداويت" في شرق السودان (وهو شخص يزعم أنه باحث في التاريخ) على ترويج مسمّى مضلل ومتهافت، أُطلق عليه اسم "البجاويت" ليكون بديلاً عن مسمّى البجا (الذي يضم مكونَّي البجا من الناطقين بلغة "البداويت" (كقبيلتَيْ الهدندوة والأمرار) والناطقين بلغة "التقراييت" (كقبيلتَيْ بني عامر والحباب)، وذلك كله من أجل إقصاء مكون تاريخي أصيل في شرق السودان هو مكون "بني عامر والحباب"، بوصفهما خارج مسمّى البجا.

وفق هذه التداعيات الخطيرة والمحتملة، نعتقد أن قوى الثورة في شرق السودان، بخاصة قوى إعلان الحرية والتغيير في مدينة بورتسودان، تحتاج إلى إعادة النظر في عملها ومكوناتها وإلى دعم حقيقي من المركز لإعادة ترتيب عناصر "قوى الحرية والتغيير" الفاعلة، لأننا نرى أن قوى الحرية والتغيير باعتبارها تحالفاً ثورياً حاكماً، هي التي يمكنها العمل بجد ومصداقية في مساحة كبيرة بغية تعميم مفاهيم الثورة الأساسية في المواطنة والحرية والتعايش بين مكونات مدينة بورتسودان التي يبدو أن الثورة حتى الآن لم تنجز فيها أفعالاً ثورية وجوهرية لإحداث تغيير حقيقي في وعي المواطنين هناك، بصورة عامة، ووعي أبناء البجا في المدينة بصورة خاصة!

المزيد من آراء