تجنبا لأزمة مع مصر... إسرائيل تواجه المعارضين وتستأنف العمل في آبار الغاز

ستتحول تل أبيب من مستورد إلى مصدر ولاعب محتمل في مجال الطاقة في المنطقة

حقل ليفتان للغاز الطبيعي في البحر الأبيض المتوسط (أ.ف.ب)

في محاولة لمنع أزمة مع مصر، بذلت جهات سياسية وأمنية جهوداً لمنع تنفيذ قرار وقف تشغيل حقل الغاز "ليفتان"، الذي صدر الأربعاء 18 ديسمبر (كانون الأول)، في الوقت الذي أعلنت فيه وزارة الطاقة الإسرائيلية قرار بدء بيع الغاز لمصر. وفي أقل من 24 ساعة تراجعت المحكمة عن قرارها وادّعى القضاة أن "الملتمسين ضد تشغيل الآبار لم يقدموا الأدلة الكافية للبقاء على قرار عدم تشغيلها، على الرغم من قناعتنا بأهمية الالتماس والدوافع لتقديمه". وأصدرت المحكمة، الخميس 19 ديسمبر، أمراً إلغاء القرار ما سيتيح استئناف العمل في الحقل.

أضرار بيئية

وكانت منظمات بيئية ومجالس سلطات بلدية قد قدمت التماساً، تطالب بوقف تشغيل آبار الغاز، لما يسببه من أضرار بيئية وصحية لسكان المناطق المحيطة، والعمل فيه يضاعف كمية انبعاثات الغاز في الحقل. وحذر الملتمسون من أن حقل الغاز الذي يبعد 10عشرة كيلومترات عن شاطئ البحر، قد يتسبب بأضرار لا يمكن إصلاحها على الصحة العامة.

وانتقد الملتمسون على تصريح الانبعاثات الذي حصلت عليه شركة "نوبل إنيرجي"، التي حظيت بحق العمل في الآبار، أن الوزارة الإسرائيلية منحت التصريح بتكتم شديد، ولم تعلن عنه سوى عشية التشغيل التجريبي الثالث لمنصة الغاز، واختارت الالتفاف على قانون الهواء النظيف.

يأتي ذلك بالتزامن مع إعلان وزارة الطاقة الإسرائيلية موافقة الحكومة على تصدير الغاز من احتياطاتها البحرية إلى مصر، على أن يبدأ العمل في الخزان الرئيسي على الفور، ما سيحول إسرائيل من مستورد للغاز الطبيعي من مصر إلى مصدر له، ولاعب محتمل في مجال الطاقة في المنطقة.

إشكالية مصر والحدود مع لبنان

ومع إثارة موضوع بيع الغاز لمصر وخطر توقف عمله، بات الملف على رأس أجندة الاسرائيليين، ليشكك المستشار الأمني السابق غيورا أيلاند، في قيام إسرائيل بكل ما كان يتوجب القيام به لضمان عمل يعود بالفائدة على مختلف النواحي وليس فقط الاقتصادية. وحذر أيلاند بالقول، إن "اكتشاف آبار الغاز في البحر قد يحدث تغييراً دراماتيكياً في وضع إسرائيل"، مشدداً على ضرورة التنسيق بين القطاعات كافة، الاقتصادية والإدارية والسياسية والأمنية. واعتبر أيلاند مصر والحدود مع لبنان من القضايا الاسراتيجية التي أخفقت بها إسرائيل، وبرأيه فإن السماح لحقلي "تمار" و"لفيتان" ببيع الغاز لمصر هو قرار صحيح، ولكن مع تحفظ.

ففي عام 2011 توقفت مصر من جانب واحد عن توريد الغاز لإسرائيل. ورفعت شركة الكهرباء الإسرائيلية دعوى على الحكومة المصرية (وعلى شركة الغاز المصرية) على خرق العقد، وفازت في التحكيم الدولي بمبلغ قرابة ملياري دولار، لا تسارع مصر إلى دفع الدين وتوافق على دفع حوالى ربعه فقط. وسواء كان أصحاب "تمار" و"لفيتان" أم مصر متحمسين لتنفيذ اتفاق توريد الغاز الجديد، إلا انه "كان يتوجب على إسرائيل أن تشترط على الطرفين الحصول على نسبة معينة من الدين مقابل إصدار الإذن للتصدير، بعضه يدفعه المصريون وبعضه تدفعه شركتا الغاز. ولكن الأمر على ما يبدو لم يحصل".

وفي جانب استراتيجي آخر، قال أيلاند "هناك مسائل أخرى تتعلق باتخاذ القرارات الاستراتيجية بالنسبة للبحر وكنوزه لا مجال لفصلهما، مثل الحاجة العليا لترتيب الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان، والاستخدام المحتمل لتوريد الغاز إلى الأردن وترميم العلاقات المتضعضعة معها، والحاجة للتصدي لتركيا التي تريد هي أيضاً أن تضع يدها على المردود البحري. الواضح أنه حتى عندما كانت هناك حكومة "عادية" فإنها لم تستخلص الحد الأقصى من المنفعة من الغاز، فكيف سيكون الحال اليوم والحكومة لم تتشكل بعد؟".

جلب الغاز

وفي مناقشة هذا الملف، تبين أنه سبق وتقرر في إسرائيل شراء أربع سفن جديدة لحماية المياه الاقتصادية، لكن انعدام التنسيق بين الوزارات الحكومية أدى إلى التشتت في مناقشة الملف. أيلاند، أكثر المطلعين على موضوع الغاز والمشارك في اتخاذ قرارات، عبّر عن أسفه "لعدم تداول هذا الجانب الهام بمسؤولية وجدية، فالخطأ الأول بدأ في طريقة جلب الغاز. هناك طريقتان لجلب الغاز من منطقة التنقيب إلى الشاطئ: الأولى من خلال طوافة تبقى فوق منطقة التنقيب، وفيها يحول الغاز "الخام" إلى غاز نقي يُنقل في أنبوب من الشاطئ، وهناك فقط تجري تصفيته. والثانية إذا تقرر شراء السفن، وهي الصفقة التي تكلف مليارات الدولارات، يفترض أن تكون كل الطوافات على مسافة عشرات الكيلومترات عن الشاطئ.

ولكن يتبين اليوم أن مالكي "لفيتان" اختاروا الطريقة الثانية، أي طوافة على مسافة 9.7 كيلومترات عن الشاطئ، بينما مالكي حقل "كريش" قرروا الأخذ بالطريقة الاولى، أي طوافة على مسافة حوالى 90 كيلومتراً عن الشاطئ، والنتيجة هي خسارة للجميع. نحن نشتري أربع سفن باهظة الثمن كي نحمي حقلاً صغيراً. وبالتوازي من شأننا أن نخلق مشكلة بيئية صحية عقب الطريقة التي اختارتها الشركة التي تعمل في حقل "لفيتان". ويوجد التحدي البيئي الآن بات في أروقة محكمة العدل العليا.

خياران لا ثالث لهما

وهنا كان المعنيون بهذا الملف أمام خيارين: إما إلزام "كريش" بالعمل مثل "لفيتان"، وعندها لا تكون حاجة للسفن الأربع، أو إجبار "لفيتان" على حذو حذو "كريش" والامتناع عن وجود طوافة ضخمة على هذا القرب من الشاطئ. يشار إلى أن خزان "لفيتان" اكتُشف عام 2010، لكن أعمال التطوير بدأت فقط عام 2017، لأسباب عدة من بينها الخلافات حول الحدود مع لبنان.

ويشمل الحقل احتياطي غاز ثابت يقدر بـ 540 مليار متر مكعب. واحتياطي غاز بمقدار يصل إلى 605 مليار متر مكعب. في المرحلة الأولى سيضخ الحقل 12 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي في السنة. ويجري الحديث عن بيع سنوي بحوالى 9.5 مليار متر مكعب، وهذا لا يشمل التصدير لمصر والأردن.

انعكاس التصدير

وبحسب تقديرات سوق الغاز الطبيعي، فإن تصديراً ناجحاً للغاز من "لفيتان" إلى مصر والأردن، يمكن أن يبدأ في 1 يناير (كانون الثاني) 2020، وسيؤثر على كل نظام التنقيب عن الغاز في المستقبل في المياه الاقتصادية لإسرائيل، التي تعاني من مشاكل في أعقاب استنفاد أسواق بيع جذابة للغاز في البلاد وفي العالم.

إضافة إلى ذلك هناك تخوفات في موضوع التصدير إلى مصر على خلفية تمركز "داعش" في سيناء، من حيث يمر أنبوب الغاز. وتشير المصادر إلى أن الأضرار التي لحقت بالأنبوب، لن تؤثر مباشرة على سوق الطاقة في إسرائيل، بل على صفقة "لفيتان" مع "دولفينوس" المصرية. وعلى الرغم من المخاوف، فإن مصادر مقربة من الاستخبارات الإسرائيلية تعتقد أنه في هذه المرحلة الجيش المصري وبمساعدة استخباراتية إسرائيلية، يمكنه الدفاع عن الأنبوب البري.

المزيد من الشرق الأوسط