Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أردوغان البحر المتوسط وأميركا

سياسة الرئيس التركي قد تدفع دول الغرب إلى تغيير موقفها من أنقرة

هناك شبه إجماع بين دول "الناتو" على الخطأ الذي ارتكبته أنقرة في البحر المتوسط (رويترز)

منذ إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن توقيعه معاهدة دفاعية مع حكومة طرابلس في غرب ليبيا، تسارعت التطورات عبر أطراف في "الناتو" والتحالف العربي والميليشيات الإسلاموية.

ووصلت هذه التطورات إلى ذروتها مع إعلان الرئيس التركي نيته إقفال قاعدتين عسكريتين أميركتين في حال، كما زعم، استمرت واشنطن في ضغوطاتها على أنقرة في مجالات عدّة.

إن جذور الأزمة في البحر المتوسط، ولا سيما شرقه، تكمن في الأجندة الاستراتيجية لحكومة العدالة والتنمية التركية، التي أعلنت منذ سنوات نيتها إيجاد حلفاء عقائديين وسياسيين، وفي وسطهم التنظيمات الإخوانية في طول وعرض منطقة الشرق الأوسط، وقد رأينا هذا التوجه في سياسات تركيا الخارجية عبر تدخل حكومتها في شمال سوريا لدعم الميليشيات الاخوانية ضد قوات سوريا الديمقراطيةأ ما أدى إلى ازمة تركية أميركية تمكنت واشنطن من تجميدها عبر اتفاق وقف إطلاق النار وانسحاب الوحدات الكردية من الحدود السورية التركية المشتركة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما رأينا، وعلى جبهة أخرى، إرسال تركيا معدات عسكرية وطائرات "درون" وفرق متخصصة لدعم حكومة طرابلس كي تتمكن الأخيرة من وضع حد لتقدم الجيش الوطني الليبي باتجاه العاصمة، كما تدعم أنقرة بشكل مستمر الميليشيات الإخوانية في طرابلس المسيطرة عملياً على السلطة، إضافة إلى ميليشيات مصراتة، وتسببت سياسات تركيا هذه، القائمة على دعم جماعات الإخوان المسلمين في المنطقة العربية بانهيار علاقتها مع مصر والبحرين والإمارات والسعودية.

إلاّ أنّ الأزمة الإقليمية الأخيرة التي بدأت مع الاتفاقية التي عُقدت بين أردوغان وحكومة فايز السراج في طرابلس، باتت تهز الأمن والاستقرار في وسط وشرق المتوسط، ودخلت على خط الأزمة دول كانت محايدة حتى الأسابيع الأخيرة كاليونان وإيطاليا وفرنسا.

إن اتفاقية أنقرة طرابلس تستهدف أساساً تطويق الجيش الوطني الليبي في إطار دعم أردوغان لحلفائه في طرابلس ومنع الجيش الليبي المدعوم من البرلمان من السيطرة على العاصمة، ما دفع بالجيش الليبي إلى إعلان عزمه التصدي لأي إنزال تركي في أي مكان على الأراضي الليبية، وهبت مصر والإمارات للتضامن مع حكومة بنغازي بوجه نوايا أردوغان إرسال جيش تركي عبر البحار للانتشار في ليبيا.

الاتفاقية المذكورة فجرت أيضاً أزمة غير منتظرة مع اليونان التي أعلنت أن بحريتها ستتصدى لمحاولات تنفيذ هذه الاتفاقية، لأنه وبموجبها، تمنح السيطرة لتركيا على مساحات مائية تؤثر في قدرة اليونان على الاستثمار، ما يعني أن هذه الأزمة ستعود بنتائج سلبية على دولتين تنتميان إلى حلف "الناتو"، وفي السياق ذاته، أعلنت إيطاليا عن نيتها إرسال فرقاطة إلى وسط المتوسط دعماً لأثينا، ثم أوضحت حكومة باريس موقفها الرافض للاتفاقية بين أنقرة وطرابلس، وهذا ما يعني باختصار، أن الاتفاقية المذكورة تحظى بمعارضة شديدة من دول في شمال أفريقيا وأوروبا ودول عربية. وما زاد الطين بلة، إعلان أردوغان الأخير أنه سيقفل القاعدتين الأميركتين العاملتين تحت حلف "الناتو" إذا استمرت، ما وصفها بـ"الضغوطات الأميركية"، على أنقرة، علماً أنّ حكومة العدالة والتنمية تعتقد بأنها ترد عبر هذا التهديد على قرار مجلس الشيوخ بالاعتراف بالإبادة الأرمنية.

وفي ظل هذه التطورات، لن تعد الأزمة قائمة بين الجيش الليبي وتركيا، وإنما أصبحت بين أربع دول منتمية إلى حلف "الناتو" (فرنسا، إيطاليا، اليونان) وتركيا العضو الشرقية في الحلف، وهذا بحد ذاته لا بدّ من أن يدفع قيادة الحلف في بروكسيل إلى عقد اجتماع لحل الأزمة واتخاذ قرارات كبرى لن تكون معها الحكومة التركية في موقف مريح، إذ إنّ هناك شبه إجماع بين دول "الناتو" على الخطأ الذي ارتكبته أنقرة في البحر المتوسط، والتصريح الأخير حول قاعدة "انجرليك" قد يجر إلى خلاف أكبر بين دول الحلف وأردوغان، إذ إنّ اقفال قواعد أميركية تابعة للحلف الأطلسي لا يمكن أن يمر مرور الكرام، ويُعتبر في واشنطن وبروكسيل بمثابة تفكيك للمحور الجنوبي الشرقي للحلف ولا بدّ لأميركا وشركائها من إصدار موقف حاسم حيال هذا الموضوع.

باختصار يمكن القول إن سياسة رجب طيب أردوغان في شمال أفريقيا والبحر المتوسط وشمال سوريا قد تدفع دول الغرب إلى تغيير موقفها من حكومة تركيا الحالية بشكل كبير على المديين القريب والمتوسط.

المزيد من آراء