Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما عرفتني؟

الطغاة والمستبدون يستغربون ويرددون عبارة القذافي: من أنتم؟

الاحتجاجات الإيرانية خمدت هذه الأيام بفعل هول القمع إلا أن البركان سرعان ما سيثور مرة أخرى (رويترز)

"أفاااا! ما عرفتني؟، أتلعثم! أكذب مضطراً: بلى، شلون ما عرفتك؟

 يسأل ثانية: منو أنا؟

أستظرف: شلون يعني، ما تعرف نفسك؟ أكيد معك هوية شخصية! هاهاها! أحاول تغيير الموضوع.

لعل من أكثر المواقف إحراجاً هو حين تلتقي بأحدهم ويسلم عليك بحرارة وأنت لم تتعرف إليه، ويكرر عليك السلام: شلونك؟ شلونك بعد؟ شلون الأهل؟ ويستمر بالحفاوة والترحاب وكأنني وإياه "على ساره وفجيح" كما يقول المثل.

ثم يباغتك ثانية: ما عرفتني؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من أضعف قدراتي الذهنية المحدودة هي الربط بين الوجه والاسم، وهي قدرة تزداد ضعفاً مع تقدم العمر وتباعد اللقاءات، وقد يفسرها البعض تكبراً وحاشا أن تكون كذلك.

يستطرد، التقينا سنة 89 بلندن، ما تذكر؟

استمررت بالاستغراب لأنني لم أتذكرها: أفااااا دكتور، أنا كنت طالبتك بالجامعة! ما تذكرني؟ تحاول التخفيف عن الحرج الذي وقعت به: والله يا بنتي أنا كبرت بالسن، صارت الذاكرة "لِك عليها"! ومرت علي أجيال بأكملها.

هي تصر: شلون ما تذكرني؟

أبتسم ببلاهة مع رفع كتفي علامة عدم القدرة على تذكر السائلة. تلح بنبرة صوت مليئة بعتب الدنيا: دكتووووووور، شلووووون ما تذكرني؟

قلت بعبط وبعض الضيق: والله يا بنتي أنا أتذكر نوعين من الطلبة، الأذكياء جداً والأغبياء جداً، فمن الواضح أنك لست من الأغبياء جداً.

نشأت على حفظ عبارات الترحاب والحفاوة وتكرار السلام والسؤال عن أحوال من هو أمامك إما ضيفاً أو مضيفاً:

شلونك؟

طاب لونك.

كيف حالك؟

جمّل الله حالك.

كيف أنت؟

لا هِنت.

شلون الربع؟

عسى لك ربع.

وش وقوعك؟

عسى وقعك زين.

عسى ما خلاف؟

كفيت الخلاف والاتلاف.

كان أعلاه بعض ما تلا قبلات السلام والحفاوة مع صديق جهراوي (من الجهراء بالكويت) قديم على طائرة بالقاهرة قبل سنوات. كان يجلس بجنبي الزميل الدكتور شملان العيسى، فسألني باستغراب:

كيف تجيد كلام البدو بهذه الطريقة والسلاسة؟

فأجبته: تعرف أنني درست اللغويات وعلم اللهجويات بفرنسا وأميركا وبريطانيا، فكيف لا أعرف كيف يتكلم البدو؟  فهز رأسه موافقاً، ومطّيت شفتي مستغرباً.

تثور شعوب المنطقة هذه الأيام ضد الظلم والقهر والفساد والاستبداد، نهب منظم وقمع دموي وحشي، وشعوب لم يعد لديها ما تخسره، فلا كرامة ولا أمل ولا خدمات أساسية كالتعليم والعلاج والسكن وفرص العمل والعيش الكريم. تتصدى لهذه الشعوب الثائرة قوات مدججة بالسلاح فتقتل من دون رحمة، وتعتقل من دون هوادة. من بين من ثاروا ضد الاستبداد والقهر والفقر، الشعوب الإيرانية التي زلزلت تحت أقدام الطغاة الأرض في وقت وجيز آثار نظام الملالي بطهران، فقتلوا المئات وجرحوا الآلاف واعتقلوا الآلاف (وصل العدد حوالى 4000 معتقل بحسب منظمات حقوقية). صحيح أن الثورة خمدت هذه الأيام بفعل هول القمع، ولكنه خمود البركان الحي الذي سرعان ما سيثور مرة أخرى.

عبارات الطغاة واحدة متكررة: عملاء مندسون ومخربون ينفذون مخططات أعداء الشعب والوطن.

علي خامنئي، القائد الأعلى للثورة الإيرانية، وصف ما جرى بالمؤامرة الخطيرة والكبيرة، وما أشبه الليلة بالبارحة.

الطغاة والمستبدون يستغربون ويرددون عبارة القذافي: من أنتم؟

ويأتي الجواب:

أفاااا ما عرفتني؟

"أنا الشعب!"

المزيد من آراء