قلعة "المرقب"... شاهد معماري على النزاعات والحروب

ذكرت المراجع أن أول من بناها شيخ القبائل العربية الجبلية رشيد الدين بن سنان عام 1062

تتوسط قلعة "المرقب" أهم مدينتين بحريتين في سوريا وهما اللاذقية وطرطوس (اندبندنت عربية)

يشهد الساحل السوري كثافة في عدد القلاع والحصون، ووُثّق أكثر من 20 قلعةً وحصناً في محافظة طرطوس وحدها، وإذا كان معظم القلاع والحصون في بلاد الشام قد شيد أيام الروم البيزنطيين أو أيام الصليبيين، فإن قلعة "المرقب" كانت منذ نشأتها عربية إسلامية، إذ ذكرت مراجع عربية أن أول من بناها شيخ القبائل العربية الجبلية، رشيد الدين بن سنان، عام 1062.

وهي تحتوي على تراث إنساني عظيم أسهم في تسجيلها على اللائحة التوجيهية لليونسكو، وقد أُدرجت أيضاً على قائمة مشروع الـ"يورميد" التابع لاتحاد دول "إسبانيا، اليونان، البرتغال، الجزائر، مصر"، بهدف توثيق التراث الدولي لدول البحر المتوسط.

الموقع

تتوسط قلعة "المرقب" أهم مدينتين بحريتين في سوريا، وهما اللاذقية وطرطوس، فسواء كنت منطلقاً من اللاذقية باتجاه الجنوب أو كنت متوجهاً من طرطوس إلى الشمال، لا بدّ من أن تطالعك قلعة المرقب ببنيانها المتربع على ارتفاع 362 متراً عن سطح البحر مجاورة البحر الأبيض المتوسط، حيث لا تبعد عن الشاطئ أكثر من 5 كيلومترات بمناظر بانورامية خلّابة، تزيدها جمالاً في الليل أضواء جزيرة قبرص، ومشرفة على كل ما حولها، وهذا ربما كان سبب تسميتها من قبل العرب بـ"المرقب"، كما سماها اليونانيون "ماركابوس"، والبيزنطيون "مارغانت"، واللاتين "مارغات".

مدخل القلعة

تقودنا إلى القلعة طريق ضيقة معبدة تنتهي بدرج قليل الانحدار يوصل إلى جسر عريض، ومنه إلى باب القلعة الرئيس الذي يقودنا بدوره إلى باحتها الرئيسة ذات الشكل المثلثي تقريباً، ويحدها من الجنوب الحصن المؤلف من عدد كبير من الأبنية التي زينت واجهتها بزخارف عربية وكتابات نقشت إحداها على قطعة رخامية في أعلى البرج تخليداً لذكرى الانتصار النهائي للإسلام "بسم الله الرحمن الرحيم نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين، قد أنشأ هذا المكان آغا ابن المرحوم محمد آغا عدرة والمعلم يوسف بن عبيد المعماري، حرر في ربيع الأول عام 1131 للهجرة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تكوينها المعماري

تنتمي قلعة المرقب للطراز الذي اتبعه فرسان الإسبتارية للعمارة العسكرية للقلاع والحصون الصليبية، وهو يتألف من قلاع مشيدة على مرتفعات شديدة الانحدار ولها سور مزدوج محصن بأبراج مستديرة، وهذا الطراز يشبه حصون السين واللور في أوروبا في القرنين الـ11 والـ12.

استخدمت في بنائها أحجار البازلت السوداء القاسية، كما استخدمت الحجارة الكلسية البيضاء على بعض الفتحات والمداخل، وتتألف القلعة من قسمين: قلعة داخلية تقع في الذروة الجنوبية، وهي مسورة بطبقتين من الأسوار، ويتوسطها برج مستدير الشكل يتصل من جانبيه بأبنية ذات قاعات مقنطرة، وقلعة خارجية أكبر حجماً تحتوي على الأبنية السكنية والبرج الرئيس والكنيسة، ويحيط بها أيضاً سور خارجي مزدوج مرتبط داخلياً بـ14 برجاً دائرياً ومربعاً، أكبرها البرج الجنوبي الذي يحمي الناحية الجنوبية التي تعتبر الأضعف طبيعياً، ويفصل بين القلعتين قناة مائية.

الآثار المعمارية

تحتوي القلعة على العديد من المنشآت والمباني العسكرية والمدنية، مثل قلعة الفرسان والقلعة الملكية والعديد من المرافق والممرات والأسوار والأبراج، أهمها: برج الأمل الذي يتألف من طابقين مزودين بمرامي السهام والنبال، ويقع خلف البرج الأمامي للقلعة ويمتاز بضخامته وشدة تحصيناته والتي يمكن مقارنتها بأبراج القلاع التي شيدت في أوروبا بنفس العصر.

وبرج الصبي، وهو تحصين خارجي منفصل عن القلعة، يقع بجوار البحر ويعد جزءاً مهما من دفاعات القلعة، فقد صمم بطوابقه الثلاثة لحماية المرفأ الصغير للقلعة، ولمراقبة القلعة من جهاتها الغربية والشمالية والجنوبية.

الكنيسة

لا يغيب الطابع الديني عن القلعة، فنجد جنوبي الساحة الرئيسة كنيسة ببناء مستطيل الشكل يُعد الأكثر ارتفاعاً بين الأبنية المحيطة، ويشابه مخططها الكنائس القائمة في جنوب فرنسا في القرن الـ11 الميلادي، لها مدخلان متشابهان شمالي وغربي، تزين بابها أعمدة رخامية لم يبقَ منها سوى تيجانها الكورنثية، يرتكز عليها قوس مؤلف من قولبات عدة متلاصقة، كما يعلو الباب ساكفٌ مستقيم "جائز علوي"، رُكبت عليه القنطرة المزخرفة.

ويتألف بهو الكنيسة من ردهتين مرتفعتين، يفصل بين رواقي صحن الكنيسة قوس يرتكز بدوره على عمودين متوجين، بينما يتموضع هيكلها في الجهة الشرقية، وعلى جانبيه من جهة الشمال والجنوب غرفتان صغيرتان تحتويان على لوحات جدارية ذات قيمة فنية عالية.

اللوحات الجدارية " الفريسكو"

تحتوي الكنيسة على العديد من اللوحات الجدارية التي أنجزت في القرن الـ12 الميلادي، فنجد في الغرفة الشرقية المجاورة للهيكل صورة جدارية رسمت فوق أرضية حمراء تمثل نزول الروح القدس على تلامذة السيد المسيح، وهي من الطراز النموذجي للصور المسيحية البيزنطية المعروفة باسم "الحُلية المعمارية".

وعلى أحد جدران الكنيسة تظهر لوحة جدارية تعد من اللوحات المحفوظة من فترة العصور الوسطى، وهي عبارة عن شريط بطول ستة أمتار وارتفاع ثلاثة أمتار، تحتوي على مشهدين، الأول على الجدار الجنوبي ويمثل جهنم، والثاني على الجدر الشمالي ويمثل الجنة، أما في الجهة الشرقية عند الهيكل فاكتشفت لوحة تمثل مقتل القديس يوحنا.

أعمال الترميم والتنقيب

تعرضت القلعة عبر تاريخها الطويل للعديد من الزلازل والحروب والهجمات المتكررة، الأمر الذي أدى إلى هدم أجزاء منها، وبالتالي استلزمت أعمال ترميم متلاحقة عبر الزمن، فرُممت القلعة مرات عدة وأُصلحت الأضرار الناتجة عن التدمير الذي سببته المعارك بأجزاء كبيرة من أبراجها التي دعمت وأضيف إليها أبراج جديدة وتحصينات لتلافي نقاط الضعف التي ظهرت خلال الهجمات والأعمال العسكرية، وبعد نقل ملكيتها عام 1959 إلى المديرية العامة للآثار والمتاحف نُفذت مشاريع عدة بدءاً من معالجة المشاكل الإنشائية وترميم بعض المناطق المتضررة وتكحيل الجدران، بالإضافة إلى عزل أسطح المباني للحد من تأثير العوامل الجوية عليها، وآخر الأعمال تضمن إغلاق الفتحات الخارجية للقلعة وتأمين المسارات الآمنة لحركة الزوار وإعادة بناء الأدراج الحجرية وتأهيلها وإزالة العشب والنباتات .