المعلم العجوز يستعيد كتب الماضي... جالسا امام النافذة

الفرنسية إيرين غيرو تكتب رواية الذين اسيء فهمهم

الكاتبة الفرنسية إيرين غيرو (دار موريس نادو)

نعرف الفرنسية إيرين غيرو شاعرة لها أربعة دواوين ومترجمة نقلت إلى لغة رامبو "الأناشيد الأورفية" للشاعر الإيطالي الكبير دينو كامبانا. وها هي تكشف لنا عن موهبة أدبية أخرى لديها في نصٍّ روائي صاعق في جمالياته وموضوعه صدر حديثاً عن دار "موريس نادو" الباريسية بعنوان "كتاب مَن أُسيء فهمهم"، ونتلقّاه كنشيد احتفاءٍ حسّي وشعري بسلطات الكتابة والجسد، وبالجنون الملازم لهما.

بطل الرواية وراويها أستاذ فلسفة عجوز ومريض يمضي الأشهر القليلة المتبقيّة من حياته في تأمّل من نافذة غرفته فتاةً غارقة في الكتابة وهي نصف عارية. مشهدٌ مثير على أكثر من صعيد يجعله يستسلم لعملية تذكُّر يكرّ خلالها خيوط حياته العاطفية والمهنية تحت أنظارنا، متوقفاً في طريقه عند الاكتشافات الأدبية السبعة التي وقّعت مسيرته وظروف حدوثها المدهشة. هكذا نتنقّل معه، وفقاً لهذه الاكتشافات، بين فلورنسا خلال القرن الخامس عشر، وإسبانيا خلال زمن محاكم التفتيش الدينية، ومقاطعة "لوت" في جنوب غربي فرنسا خلال القرن التاسع عشر، وباريس اليوم. أماكن وأزمنة مختلفة يسهم تنوّعها ومهارة غيرو في التشييد التاريخي والسردي في المتعة والإثارة الكبيرتين اللتين نستشعرهما لدى إصغائنا إلى راويها وقصصه.

الاكتشاف الأول هو مؤلَّف بعنوان "الكتاب الأسوَد للمكفوفين" وجده الراوي مرمياً في الشارع مع كتب أخرى، حين كان في سنّ الثلاثين، وألّفه كاتب مجهول يدعى لوك ديليتان في نهاية القرن الثامن عشر إثر لقائه بفتاة ضريرة كانت تعيش في دير يعنى بالأطفال المكفوفين، ووقوعه في غرامها. ومن البحث الذي سيقوده لمعرفة المزيد عن هذا الكاتب وكتابه، يتبيّن للراوي أن هذا الأخير بذل جهوداً حثيثة من أجل ترجمة "باللون الأسوَد" الذي لا يبصر المكفوفون غيره جميع تدرّجات النور والألوان الحاضرة في نصوص أدبية مختلفة، وخصوصاً في تلك القصائد من عصر النهضة التي تقوم على الطِباق، وتحديداً على صور يتقابل فيها الجمر والجليد، لُهُبٍ حارقة وظلمات كالحة. جهود تقود في النهاية إلى لقاء غير متوقَّع بينه وبين الكاتب الفرنسي ديدرو أثناء منازعته في شقّته الباريسية.

الكتاب الثاني يكتشفه الراوي ويختبر مضمونه الفريد بشكلٍ حميم إثر العلاقة الناريّة التي ستربطه على مدى سنوات بمؤلّفته، وهي شابة تستثمر شغفها بالأدب والإروسية داخل مشروعٍ لا يقلّ جنوناً عن مشروع ديليتان، أيّ مؤلَّف تمنحه عنوان "إروسية صائتة" وتضمّنه نصوصاً مجسَّمة، أو "كاليغرامات"، من ابتكارها غايتها منح قارئها الأحاسيس المستشعَرة ذاتها أثناء الجماع والنشوة الجنسية.

وأثناء إقامته الجامعية في إسبانيا، مباشرةً بعد العلاقة المذكورة، يكتشف الراوي الكتاب الثالث، "فهرس الكتب الممنوعة"، لدى الأرملة التي تستضيفه في منزلها ولا تلبث أن تروي له قصّة هذا الكتاب الذي وضعه واحد من أسلاف زوجها المتوفّى أثناء المرحلة التي نشطت فيها محاكم التفتيش الدينية في إسبانيا. قصّة تثير القشعريرة في جسد من يصغي إليها، بجانبها المعتِم والمخيف.

وفي سن الأربعين، داخل مزرعة نائية في مقاطعة "لوت" كان يمضي فيها عطلته الصيفية، يقع الراوي على الأعمال الشعرية لإوجيني تايراك، وهي جدّة مستضيفه التي كانت تعشق شعراء القرن التاسع عشر الفرنسيين وتكتب قصائد مرصودة للحيوانات والطيور. شاعرة غريبة الأطوار يعمد الراوي إلى إعادة تشييد حياتها عبر مساءلة حفيدها بدأب حولها، بموازاة اختباره شغفاً حارقاً وعذرياً بمراهقة صهباء يلتقي بها عاريةً على ضفّة البحيرة المحازية للمزرعة.

وبعد 12 عاماً تزوّج خلالها وأنجب وطلّق، يكتشف الراوي في فلورنسا، حيث كان يقود أبحاثاً حول الفلاسفة اللاتينيين، وجود مخطوط بعنوان "أناشيد مغناطيسية" وضعته شابة معاصرة لدانتي تدعى كوستانزا دي لاسترا. اكتشاف مبلبِل يحصل عن طريق إليونور، وهي امرأة فاتنة تعمل في مكتبة الدير الذي استقرّ فيه، ولا تلبث أن تروي له قصة هذه الشابة التي عشقت أحد نبلاء مدينتها إلى حد دفعها إلى تكريس كل وقتها وطاقتها لتأليف قصائد باطنية له اعتمدت فيها تشريكات حروفية وصوتية ملغَّزة من أجل تعزيز جانبها المغناطيسي وإيقاع هذا النبيل في حبّها.

كتاب فوضوي

وبعد فترة طويلة من هذا الاكتشاف، يعثر الراوي في الكراتين التي تركها ابنه خلفه لدى مغادرته المنزل، على بيان ثوري بعنوان "رسالة إلى معاصريّ الراضين بلا شيء" كتبه شاب فوضوي يدعى ألفارو تشارك مع هذا الابن وشبّان مهمّشين مثلهما شقّةً مصادَرة واستياءً غاضباً من حال عالمنا البائس. نصٌّ يصعق الراوي فوراً بنبرة خطابه القاطعة وسطوة مضمونه، ما يحثّه على التقصّي حول هذا الشاب. هكذا تتكشّف لنا حياة ألفارو المؤلمة والقصيرة التي كرّسها لفضح ثقافة التناسُق (symétrie) الطاغية على فن الهندسة، والمشهد المديني المصطنَع عموماً، وللترويج لفضيلة اللاتناسُق أو اللاتماثل (dissymétrie) التي كان مقتنعاً بتشكيلها الشرط الوحيد لانبثاق عقولٍ حرّة وغير مرتهَنة.

أما الاكتشاف الأخير الذي سيحصل أثناء سفر الراوي إلى الصين لإلقاء محاضرة في الفلسفة، فيتمثّل بـ "كتاب زي". فأثناء زيارته ضريح الإمبراطور كي (247 ــ 221 قبل الميلاد) الشهير بتماثيله التي تتجاوز الألف، يقع على منحوتة لرجل يحمل... كتاباً! منحوتة تستبق ظهور الكتاب كما نعرفه بأربعة عشر قرناً! ومن فم المرشد الذي يرافقه، يعرف الراوي أن هذه المنحوتة تمثّل زي، المبتكر الحقيقي والمجهول لأول كتاب مجلَّد، الذي عاش حياةً كادحة لكن سعيدة بعشقه المؤثِّر لزوجته، قبل أن يعرف نهاية مأساوية على يد الإمبراطور بسبب الكتاب المذكور.

باختصار، باقة من الأقدار التي تخرج عن المألوف ومن النصوص الشعرية الفريدة من نوعها ومن الأحداث المشوِّقة ترصّع بمهارة فريدة روايةً آسِرة لا تستمدّ قيمتها من مضمونها الثري والمثير فحسب، بل أيضاً من براعة الكاتبة في تشييد صرحها وسردياتها السبع بلغةٍ مذهلة في جمالياتها تعكس شغفها بموضوعها وأيضاً نشوة في الكتابة نستشعرها على طول نصّها.

المزيد من ثقافة