علي عبدالله صالح (33)

قال له صالح "القاعدة اخترقت الحرس" وقد أمر ابنه أحمد وأبناء أخيه بعدم اتخاذ أي إجراءات انتقامية

الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح (أ.ف.ب)

في اليوم التالي لانفجار 4 يونيو (حزيران) 2011، الذي استهدف الرئيس الراحل علي عبدالله صالح وعدداً كبيراً من رجال الدولة داخل مسجد دار الرئاسة، زاره الدكتور الأرياني في مستشفى 48 التابع للحرس الجمهوري. وفور دخوله الغرفة، قال له صالح "القاعدة اخترقت الحرس"، وإنه أمر ابنه أحمد وأبناء أخيه بعدم اتخاذ أي إجراءات انتقامية. وقد أخبرني الأرياني أنه على الرغم من انقطاع التواصل مع صالح، إلاّ أنّه لم يتردد في الذهاب للاطمئنان عليه بعد ذلك الحادث المروع.

وبعد أقل من 24 ساعة من الحادثة، وصلت فرق طبية سعودية إلى صنعاء وأوعز بضرورة نقل صالح فوراً إلى الرياض لتلقي العلاج، لاستحالة ذلك في اليمن، وللحاجة إلى إمكانات طبية غير متوفرة. لكن صالح، وبحسب الأرياني، لم يوافق خشية اندلاع مواجهات أثناء غيابه، إلاّ أنّ حالته الصحية أجبرته على الرضوخ بعدما أقنع الفريق الطبي نجله أحمد، بأن التأخير سيودي حتماً بحياته، ليغادر في الخامس من يونيو إلى الرياض على متن طائرة طبية سعودية.

وشهد تاريخ اليمن شمالاً وجنوباً تصفيات جسدية لسياسيين كثيرين، قبل عهد صالح وأثناءه، لكن حادثة مسجد دار الرئاسة مثّلت، في تقديري، تحولاً تاريخياً حين اتخذ الفاعلون والممولون مكاناً مقدساً آمناً لتصفية حياة كبار رجالات الدولة. ولم يكن أحد يتوقع أن يفكر مَن يقف وراء تنفيذ التفجير، بجعل ذلك المكان المقدس مسرحاً لجريمة بتلك البشاعة والانحطاط.

وتلى سفر الرئيس صالح للعلاج قلق شديد من رد فعل يدفع البلاد إلى دورة دماء جديدة. وكان لنائب الرئيس هادي دور في تهدئة الأوضاع وعدم الانجرار صوب مواجهة شاملة، وتمكن حينها من التعامل مع الأحداث بالتعاون مع الدكتور الأرياني. وكانت التقارير الأولية تشير إلى أن صالح لن يكون قادراً على ممارسة مسؤولياته مرة أخرى بسبب إصاباته البالغة. لكن الحشود من الطرفين ظلت مستمرة، والحرب الإعلامية ازدادت قبحاً وهبوطاً، والتوتر تصاعد بين أطراف لم يعد يردعها عقل عن ارتكاب أية حماقات.

وظل الرئيس الراحل في الرياض للعلاج لأربعة أشهر، وبقيت المعلومات الحقيقية عن وضعه الصحي تصلني من بعض زائريه ومرافقيه. أما في صنعاء، فقد كانت الأزمة تتصاعد والأوضاع المعيشية ترهق الناس بسبب حالة الشلل والقلق. وعلى الرغم من كل ذلك، تصاعدت وتيرة المشاورات وبات من الواضح أن غياب صالح عن الموقع الأول صار أمراً محسوماً، على الرغم من المعارضة التي كانت تقودها في الداخل أفراد أسرته وعدد من أنصاره في الأساس.

وفي 22 أغسطس (آب) 2011، أعلن عن وفاة عبد العزيز عبد الغني رئيس مجلس الشورى، متأثراً بجراحه من انفجار "مسجد الدار"، وكان خبراً صاعقاً لمن عرفه وتعامل معه وسمع عنه. فقد كان واحداً من أعظم رجالات الدولة اليمنية الحديثة ومن أنزه مسؤوليها وأثقفهم. وستبقى وفاته علامة فاضحة لانعدام المستوى الأخلاقي للمنفذين والمخططين. وشكّل غيابه ضغطاً نفسياً على الرئيس صالح، إذ كان صديقه ومستشاره الأقرب والأحذق، وإن غابت عن الناس صفاته بسبب تواضعه الشديد وعدم استظهار مواهبه وعلمه.

وبدأت لقاءات بين الدكتور الأرياني عن المؤتمر الشعبي العام والدكتور ياسين سعيد نعمان وعبد الوهاب الأنسي عن اللقاء المشترك، للاتفاق على الآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية. ولكن في يوم 18 سبتمبر (أيلول)، وقعت حادثة الدوار الشهيرة، المعروفة بـ"جولة كنتاكي"، وتقع في تقاطع الشارع الأشهر في صنعاء "شارع الزبيري" مع "شارع الجامعة" المؤدي إلى "ساحة التغيير"، وصارت معروفة بمعركة جولة "دوار كنتاكي"، وأدت إلى وقف الحوار. اتصلتُ بالدكتور عبد الكريم لأستفسر عن حقيقة ما جرى، فأخبرني أن مجموعة كبيرة من الشباب تحركت فجأة باتجاه "جولة كنتاكي"، وفسّر الأمر بأنه محاولة للاقتراب من مكتب قائد الحرس الجمهوري العميد أحمد علي، القريب من "الجولة"، وكذلك السيطرة على محور شارع الزبيري الذي يقع فيه البنك المركزي ومكتب رئاسة الجمهورية، ويمتد من باب اليمن التاريخي إلى بداية الطريق المؤدي إلى مدينة الحديدة. حاولت أن أقنعه باستمرار الحوار، لكنه رفض وقال "لا حوار قبل أن يعودوا من حيث أتوا". واستمرت المواجهات في المنطقة لخمسة أيام وتسببت في مقتل العشرات وإصابة كثيرين.

ومساء 23 سبتمبر، عاد صالح إلى صنعاء من دون سابق إعلان، ولم يعلم بالموعد إلاّ أبناؤه. وأثار وصوله قلقاً شديداً عند الجميع بأن تكون عودته مدخلاً للانتقام من الذين يتهمهم بمحاولة قتله الفاشلة، إضافة إلى القضاء على معارضيه في الشارع وإعادة السيطرة الكاملة على الأوضاع الداخلية. وشكّلت عودته مرحلة جديدة وكان من الواضح أنه عاد لإغلاق الملف بطريقة سلمية، مقتنعاً حينها بأن الرحيل عن السلطة صار حتمياً، ولم يعد أمامه فرصة للاستمرار إلاّ عبر معارك دامية.

تطورت الحوارات بسرعة وشُكّلت لجنة رباعية مثل المؤتمر، فيها الدكتور عبد الكريم الأرياني والدكتور أبو بكر القربي، ومثل اللقاء المشترك الدكتور ياسين سعيد نعمان والأستاذ عبد الوهاب الأنسي، وأعدوا مجتمعين الآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية التي شكلت الخطوة الأخيرة، قبل التوقيع النهائي على "المبادرة". وكانت بنودها مقيّدة بفترات زمنية واضحة وبنصوص شبه جامدة في ما يخص الترتيبات المستقبلية. وبموجبها، جرى تفويض نائب الرئيس إصدار قرار بتكليف رئيس الحكومة الذي يختاره اللقاء المشترك. ثم اقترح صالح أن يكون في الرياض بعد استمرار رفض اللقاء المشترك التوقيع في القصر الجمهوري، وحصل ذلك في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 بحضور الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز.

تسارعت الأحداث وغادر صالح إلى الولايات المتحدة للعلاج، وكُلّف الأستاذ محمد سالم باسندوة تشكيل الحكومة مناصفة بين الطرفين (المؤتمر الشعبي العام واللقاء المشترك). وبموجب الآلية التنفيذية، ابتُكر نص عجيب تعالج فيه كيفية تقاسم الحقائب الحكومية (وما يتعلق بتقسيم الحقائب الوزارية، ويعدّ أحد الطرفين قائمتين بالوزارات، تسلّم إلى الطرف الآخر الذي يكون له حق اختيار إحدى القائمتين). ثم جرى التأكيد على أن تؤدي الحكومة اليمين الدستورية أمام نائب الرئيس. وأكدت أن كل القرارات تُتخذ بالتوافق داخل مجلس الوزراء، ما لم يتشاور رئيس الحكومة مع النائب الذي منحته الآلية حق بتّ خلاف.

وبقي الرئيس صالح في واشنطن حتى 20 فبراير (شباط) 2012، حين أصر على العودة والمشاركة في الاستفتاء (الانتخابات) على موقع رئيس الجمهورية، بعدما قدم استقالته وحصل الاتفاق على أن يكون نائبه (الرئيس الحالي) عبد ربه منصور هادي هو المرشح الوحيد. حينها، سألت الدكتور الأرياني عن سبب إنفاق الملايين على استفتاء نتيجته معروفة، بينما يمكن للنائب أن يؤدي اليمين الدستورية خلفاً لصالح أمام مجلس النواب، فردّ "هذا هو المنطق، لكن هناك من أقنع النائب بأن يستمد شرعيته من الشارع وليس من مجلس النواب".

للحكاية بقية...

المزيد من آراء