استحقاقات ديون لبنان تقترب والمخاطر ترتفع

حاكم المصرف المركزي يطالب بحل سياسي خلال ايام

ستواجه الدولة اللبنانية خلال الشهر المقبل دفع استحقاقات ديون قيمتها 1.5 مليار دولار (رويترز)

بينما تتخبط الطبقة السياسية في لبنان لإيجاد حل للمأزق المستمر منذ أكثر من 12 يوماً، في ظل احتجاجات شعبية عمت المناطق كافة، وشلّت البلد، برزت مقابلة صحافية لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة تحدث فيها عن مهلة أيام لإيجاد حل سياسي في ظل ارتفاع تكلفة ما يحصل على البلد.

تصريحات أثارت المزيد من المخاوف على الرغم من سرعة التطمينات التي تلتها، فالحاكم سلامة أوضح وأكد أنه لن يقيّد حركة رؤوس الأموال من وإلى لبنان، ولن يتم الاقتطاع من الودائع المصرفية، كما أكد أنه طالب بحل خلال أيام لاستعادة الثقة وتفادي الانهيار في المستقبل.

مصرف لبنان سيؤمن استحقاقات الدولة بانتظار الحل

في هذا الوقت، ستواجه الدولة اللبنانية خلال الشهر المقبل دفع استحقاقات ديون قيمتها 1.5 مليار دولار، ومع خفض التصنيف الدولي، يتخوف البعض من ارتفاع الفوائد، ما يعرّض الخزينة لمزيد من الضغوط، إلا أن اتفاقاً قد حسم مع مصرف لبنان الذي سيؤمن الأموال لسداد المستحقات من دون أي تخلف كلي أو جزئي، لا بل أكثر من ذلك، تطرح وزارة المال سندات بالدولار أيضاً خلال نوفمبر (تشرين الثاني) بملياري دولار، ووُجدت صيغة لها عبر اكتتاب المصارف بالطرح بفوائد منطقية تتحرك حول 11 في المئة، بينما يحرّر مصرف لبنان شهادات إيداع بالعملة الأجنبية كانت اكتتبت فيها المصارف ما يعطي السيولة لإتمام العملية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب كبير الاقتصاديين والخبير في الشؤون المصرفية والمالية نسيب غبريل، فإن المخاوف المتصاعدة لا تتلاءم والوضع المالي بالأرقام، وبحسب ميزانية مصرف لبنان، سجّل الاحتياطي الأجنبي منتصف أكتوبر (تشرين الأول) 38.2 مليار دولار منها 19.2 مليار دولار سيولة متحركة تعطي المركزي قدرة للحفاظ على استقرار سعر الصرف، وما يؤكد ذلك السيولة الموجودة في المصارف بالعملتين اللبنانية والأميركية.

القدرة لمواجهة أي طارئ

فلدى المصارف اللبنانية الخبرة الكافية والثقة في القطاع، كما الموارد لمواجهة أي طارئ كالذي يحصل اليوم، أما استمرار الإقفال، فليس ناتجاً من مخاوف من ارتفاع الطلب على السيولة، بل لسلامة 26 ألف موظف في القطاع المصرفي كما سلامة العملاء.

ويؤكد غبريل أن المصارف تحضرت لسيناريو تهافت المودعين لتحويل ودائعهم إلى الدولار أو سحبها أو إخراجها من لبنان. وهنا أيضاً لا يرى غبريل أي مخاطر على النظام المصرفي عند عودة المصارف إلى عملها الطبيعي، موضحاً أن المصارف استطاعت عام 2005 مواجهة تداعيات اغتيال الرئيس الأسبق للحكومة رفيق الحريري، الذي كان عنوان ثقة للاقتصاد اللبناني، كما الحرب الإسرائيلية والفراغ الرئاسي وغيرها من المخاطر. ويشير في الوقت ذاته إلى أن لبنان وعلى مدى ثماني سنوات، سجل نسبة دين إلى الناتج تزيد على 150 في المئة ، كما سجّل، ولمدة خمس سنوات، مستوى عجز في الميزانية تخطى 11 في المئة الذي سجل على مدى العامين الماضيين.

ويرى غبريل أنه لا تزال هناك فرص لوضع الأمور في مسارها، فاستقرار سعر الصرف مدخل للإصلاح، كما يلفت إلى عامل جديد ومهم جداً، وهو الدعم الهائل للاغتراب اللبناني لتغيير جذري في لبنان عبر إمكانياته المالية والبشرية، فالمغتربون اللبنانيون مستعدون لمواكبة أي صدمة إيجابية ترسي مبدأ الشفافية في مناخ الأعمال وتفعّل إجراءات وقف الفساد لدعم الاقتصاد والمجتمع.

استعادة الثقة؟

وحول السوق السوداء ووصول سعر الصرف في هذه السوق إلى 1770 ليرة للدولار، بينما السوق الرسمية محددة عند 1507.5، اعتبر غبريل أنّ الموضوع يتعلّق باستعادة الثقة، فإذا استقالت الحكومة تلبية لمطالب الشعب وشُكّلت حكومة من قبل اختصاصيين، فإن ذلك قد يشكل صدمة إيجابية ومدخلاً لاستعادة الثقة.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن على وزارة المال اللبنانية سداد استحقاقات تقدّر بـ 1.2 مليار دولار في مارس (آذار) عام 2020 و1.3 مليار دولار بين أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران) عام 2020، وإذا استطاع المركزي حتى اليوم تأمين، ومن احتياطاته الاكتتابات بالدولار وتمويل عجز الميزان التجاري، فقد يشهد العام مزيداً من الصعوبات في حال استمرار الأمور على ما هي عليه.

الخسائر الاقتصادية تتراكم والكل يدفع الثمن 

ولتوقف الدورة الاقتصادية ونشاط الأعمال في لبنان كلفة كبيرة، كما لإقفال المصارف، التي تعتبر الشريان للنشاط الاقتصادي، تداعيات على الاقتصاد والمالية العامة. ويقدر البروفيسور جاسم عجاقة الخسائر على الخزينة بـ 14.5 في المئة من النشاط الاقتصادي، وبالتالي أكثر من مليار دولار خسائر على الاقتصاد، منها  145 مليون دولار أميركي خسائر على الخزينة. ويضيف أن استمرار الوضع على ما هو عليه سيزيد من الخسائر، إذ إن استمرار الأحداث لأكثر من 15 يوماً سيؤدي إلى خسائر خيالية بقيمة 3.4 مليار دولار أميركي، منها 450 مليون دولار أميركي خسائر على الخزينة العامة.

السيناريو... يتكرر

وبحسب عجاقة، هذه الخسائر هي مباشرة فقط، فهناك خسائر غير مباشرة تتمثل بالديون التي يتوجب دفعها خلال الشهر المقبل، وبالتالي قلة الأموال ستفرض على الخزينة الاستدانة (معظم الظن من القطاع المصرفي) لتغطية النقص الناتج من مداخيل الخزينة.

إذاً، السيناريو يتكرر للاقتصاد اللبناني، ضعف اقتصادي، فتراجع في المداخيل، فاستدانة، ففوائد، فاستدانة. ومع الانتفاضة الشعبية على الفساد والفقر، وسوء إدارة البلاد، ترتفع الخسائر والمخاطر، وقد يكون تصريح حاكم مصرف لبنان أول إنذار حقيقي لوضع لا يستطيع الاستمرار كما هو عليه.