ملخص
لا يقتصر القلق على علماء الفلك فحسب، فومضات الضوء المنعكسة من الأقمار الاصطناعية الدوارة قد تشتت انتباه الطيارين أو السائقين، ويمكن للضوء الليلي أن يعطل الإيقاعات الحيوية (الساعة البيولوجية) للكائنات الحية، ويؤثر في سلوك الحيوانات الليلية، ويغير أنماط هجرة الطيور والحشرات.
تعمل شركة "ريفلكت أوربيتال" الأميركية الناشئة في مجال الفضاء على خطة تبدو وكأنها مقتبسة من قصص الخيال العلمي، ترتكز في أساسها على إطلاق آلاف الأقمار الاصطناعية المجهزة بمرايا عملاقة إلى الفضاء لتعكس ضوء الشمس نحو الأرض بعد حلول الظلام. وتهدف الخطة إلى تحويل ضوء الشمس لخدمة متاحة عند الطلب، مما قد يساعد محطات الطاقة الشمسية على توليد الكهرباء لفترات أطول، وإضاءة المناطق المتضررة من الكوارث، ودعم عمليات الإنقاذ.
وقد تصاعد الجدل حول هذا المشروع بعدما أجرت الشركة عرضاً توضيحياً قرب "لون باين" بولاية كاليفورنيا خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث استخدمت أضواء قوية مثبتة على الأرض لمحاكاة تأثير ضوء الشمس المنعكس من الفضاء. ويحذر المنتقدون من أن إضاءة سماء الليل عمداً قد تؤدي إلى اضطراب الحياة البرية، وعرقلة البحوث الفلكية، وتعريض المجتمعات لإضاءة لم يطلبوا وجودها.
ما الخطة؟
تعتزم الشركة الأميركية إرسال مرايا بأبعاد 18×18 متراً إلى مدار أرضي منخفض، بحيث يمكن توجيهها لعكس ضوء الشمس نحو مناطق محددة، حتى بعد غروب الشمس. وستقوم هذه المرايا التجريبية بعكس الضوء على مساحة يبلغ قطرها نحو خمسة كيلومترات، بينما ستعمل الشركة على تعديل وضعية المرايا القابلة للتوجيه باستمرار، لضمان بقاء ضوء الشمس مسلطاً على المناطق التي دفع العملاء مقابل الحصول على هذه الخدمة فيها.
وتخطط "ريفلكت أوربيتال" لامتلاك 50 ألف قمر اصطناعي بحلول عام 2035، وتؤكد أن الضوء المنعكس سيكون مشابهاً لضوء القمر، وسيزداد سطوعه وتطول مدته مع توسع أسطول أقمارها الاصطناعية.
وسيعتمد المشروع في البداية على القمر الاصطناعي التجريبي "إيارنديل-1"، وسيتاح للعملاء اختيار المناطق المستهدفة عبر تطبيقات مخصصة. وسيدور القمر الاصطناعي على ارتفاع يراوح ما بين 600 و650 كيلومتراً، وهو مدار شائع للأقمار الاصطناعية التجارية، وسيكون قادراً على تسليط الضوء على مساحة يبلغ عرضها نحو خمسة كيلومترات، ونظراً إلى أن المرآة تتحرك بسرعة تقارب 7.5 كيلومتر في الثانية، فإنها ستتمكن من إنارة بقعة محددة على الأرض لمدة أربع دقائق، قبل أن تغيب خلف الأفق.
وقد حصلت الشركة على موافقة الجهات التنظيمية الأميركية خلال يوليو (تموز) الماضي، إلا أن بعض علماء الفلك والمجموعات البيئية اعترضوا على هذا القرار، وطالبوا لجنة الاتصالات الفيدرالية بإلغائه.
بين المحاولات القديمة والخطط الجديدة
هذه ليست المرة الأولى التي يطرح فيها مثل هذا المشروع أو حتى يحاول العلماء تنفيذه، فخلال ستينيات القرن الـ20، أجرت وكالة الفضاء ووزارة الحرب الأميركيتان دراسة أطلق عليها اسم "مشروع إيبل" لبحث مدى جدوى وضع مرآة يبلغ عرضها 600 متر في مدار متزامن مع الأرض على ارتفاع 36 ألف كيلومتر، وكان أحد أهداف المشروع هو إضاءة سماء فيتنام لدعم العمليات القتالية.
ونظراً إلى لصعوبات العملية والكلفة العالية، لم يَرَ ذلك المشروع النور قط، لكن خلال عام 1993، أطلقت وكالة الفضاء الروسية مرآة فضائية بقطر 20 متراً، سلطت عبرها بقعة من الضوء تحركت عبر أرجاء أوروبا. كان الهدف من المشروع إثبات إمكان إضاءة سيبيريا خلال ليالي الشتاء الطويلة، وعلى رغم أن السحب حجبت معظم الضوء، إلا أن رواد الفضاء على متن محطة "مير" الفضائية تمكنوا من تصوير الحدث.
أما اليوم فتخطط "ريفلكت أوربيتال" في حال نجاح اختبارها الأول لإطلاق 5000 مرآة بحلول عام 2030، و50 ألف مرآة بحلول عام 2035، وستكون هذه المرايا أكبر حجماً، إذ يبلغ قطر الواحدة منها نحو 54 متراً. ويمكن للضوء المنعكس من مرآة كهذه أن يجعل سماء الليل ساطعة بدرجة تعادل سطوع أربعة أقمار مكتملة. وفي حال ترتيبها على شكل سلسلة، فإنها ستضمن استمرار الإضاءة لفترة أطول، إذ ستظهر مرآة جديدة في الأفق تزامناً مع اختفاء مرآة أخرى.
مشكلة الغلاف الجوي
تشير الدراسات العلمية المرتبطة بما يحدث عند مرور ضوء الشمس المنعكس عبر غلافنا الجوي إلى أن الجزيئات والهباء الجوي يعملان على تشتيت جزء من شعاع الضوء في السماء المحيطة، فينعكس الضوء الواصل إلى الأرض صعوداً من ثم يتشتت مرة أخرى. وسيؤدي ذلك إلى تأثير الضوء على مساحة أوسع بكثير من المساحة المتوقعة، فإذا وضعت المرايا على بعد 14 كيلومتراً فحسب، فسيكون التوهج الناتج على سطح الأرض أشد سطوعاً من ضوء القمر المكتمل.
وبما أن أقمار شركة "ريفلكت أوربيتال" الاصطناعية ستعمل من طريق عكس ضوء الشمس على نقطة محددة على سطح الأرض، يخشى العلماء من أن يؤدي تشتت الضوء في الغلاف الجوي إلى انتشاره لمسافات أبعد بكثير. ففي منطقة مظلمة، سيخلف قمر اصطناعي واحد قطره 54 متراً توهجاً مركزاً يفوق سطوع القمر المكتمل من مسافة تزيد على 30 كيلومتراً، أما بالنسبة لعلماء الفلك، فسيكون الشعاع مزعجاً من مسافة تصل إلى 100 كيلومتر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي تقرير نشر قبل بضعة أشهر في دورية "علم الفلك والفيزياء الفلكية"، أوضح أوليفييه هينو، عالم الفلك في المرصد الأوروبي الجنوبي ومقره مدينة ميونيخ الألمانية، أن الأسطول الذي تخطط الشركة لإطلاقه قد يغير ملامح سماء الليل بصورة جذرية، إذ سيضيف بحلول عام 2035 مئات الأجسام التي تضاهي كوكب الزهرة في سطوعها. ويخلص هينو إلى أنه، وبسبب تشتت الضوء، قد يؤدي هذا الأسطول بالكامل إلى زيادة سطوع سماء الليل بمقدار ثلاثة أضعاف ما هي عليه حالياً في أي منطقة تقع ضمن نطاق بضعة كيلومترات من الشعاع. وهذا يعني أن السماء، حتى في أكثر المواقع ظلمة، ستبدو أشبه بسماء المناطق المحيطة بالمدن.
ولا يقتصر القلق على علماء الفلك فحسب، فومضات الضوء المنعكسة من الأقمار الاصطناعية الدوارة قد تشتت انتباه الطيارين أو السائقين، ويمكن للضوء الليلي أن يعطل الإيقاعات الحيوية (الساعة البيولوجية) للكائنات الحية، ويؤثر في سلوك الحيوانات الليلية، ويغير أنماط هجرة الطيور والحشرات.
لكن شركة "ريفلكت أوربيتال" تعترض على هذه النتائج، وتؤكد أنها ستلتزم بتحديد مناطق حظر صارمة لحماية الأنشطة الفلكية والبيئات الحساسة، وهي خطة تعمل الشركة على تطويرها بالتعاون مع "المؤسسة الوطنية للعلوم" الأميركية، وتعتزم الشركة تعديل هذه المناطق بناءً على مستويات السطوع الفعلية للأقمار الاصطناعية بعد إطلاقها.
منظمات بيئية تعترض
في سياق متصل، اعترضت أربع منظمات بيئية على قرار لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية بمنح شركة "ريفلكت أوربيتال" ترخيصاً لتشغيل القمر الاصطناعي "إيارنديل-1"، بحجة أن الجهة التنظيمية لم تأخذ في الحسبان العواقب المحتملة على علم الفلك والحياة البرية والسلامة العامة.
وطالبت كل من "دارك سكاي إنترناشيونال"، و"إنفايرومنت أميركا"، و"أميركان بيرد كونسيرفانسي"، و"موظفو القطاع العام من أجل المسؤولية البيئية" لجنة الاتصالات الفيدرالية بإعادة النظر في الموافقة. وأدلى يان هاسلمان، المحامي البارز في منظمة "إيرث جستس" التي تمثل هذه الجماعات، بتقييم لاذع في تصريحات لصحيفة الغارديان البريطانية، مؤكداً أن دورة النهار والليل الطبيعية أساسية للحياة على الأرض، وأن نشر مرايا مدارية على نطاق واسع قد يغير سماء الليل تغييراً جذرياً.
وأثار ناشطون بيئيون مخاوف مماثلة في شأن الطيور المهاجرة والحشرات وغيرها من الحيوانات البرية الليلية التي تعتمد على الظلام الطبيعي في الملاحة والتغذية والتكاثر، متسائلين حول الجهة التي تحدد مسار سقوط ضوء الشمس المنعكس.
وعدُّوا أن الضوء المتشتت قد يصنف أيضاً كـ"إزعاج عام"، وذلك اعتماداً على المناطق التي يسقط عليها، فإذا امتد هذا الضوء عبر الحدود الدولية، فقد تتحمل شركة "ريفلكت أوربيتال" أو حتى الولايات المتحدة ذاتها المسؤولية القانونية عن أية أضرار تلحق بدولة أخرى.