ملخص
يفتح فوز الديمقراطيين بغالبية مجلسي الكونغرس مرحلة من الانقسام السياسي في واشنطن، تهدد بعرقلة أجزاء من أجندة ترمب الاقتصادية، وتزيد الضغوط على ملفات الضرائب والإنفاق والتجارة.
لا تقتصر تداعيات فوز الحزب الديمقراطي بغالبية مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي الأميركية على إعادة ترتيب موازين القوى داخل واشنطن، بل تمتد إلى مستقبل السياسات الاقتصادية للرئيس دونالد ترمب، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة ضغوطاً تتعلق بكلف المعيشة والتضخم وأسعار الطاقة والإنفاق الحكومي.
وجاءت النتيجة بمثابة رفض شعبي واضح لأداء الإدارة الجمهورية، إذ أظهرت استطلاعات الخروج أن قرابة تسعة من كل 10 ناخبين اعتبروا كلفة المعيشة عاملاً مهماً أو حاسماً في اختيارهم، فيما برزت تداعيات الحرب مع إيران ضمن العوامل المؤثرة في التصويت.
ويضع هذا التحول الاقتصادي الأميركي أمام مرحلة جديدة من التوازنات السياسية، إذ سيواجه ترمب كونغرس تسيطر عليه المعارضة خلال العامين الأخيرين من ولايته، بما قد يحد من قدرته على تمرير تشريعات جديدة، ويفتح الباب أمام مراجعة أكثر تشدداً لقرارات إدارته.
لكن التأثير لن يكون فورياً أو شاملاً، فالرئيس لا يزال يمتلك صلاحيات تنفيذية واسعة، كذلك فإن الكونغرس الجديد لن يبدأ ممارسة مهامه قبل يناير (كانون الثاني) 2027، ولذلك، فإن انعكاس الانتخابات على الاقتصاد سيتوقف على طبيعة المواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس، ومدى قدرة الطرفين على التوصل إلى تسويات.
جمود تشريعي يهدد أجندة ترمب
يمثل انتقال السيطرة على المجلسين إلى الديمقراطيين تحولاً كبيراً في قدرة الإدارة على تنفيذ برنامجها الاقتصادي من خلال التشريعات.
فبعدما كان الجمهوريون يملكون الغالبية في المجلسين، ستصبح الإدارة مضطرة إلى التعامل مع معارضة قادرة على تعطيل مشروعات القوانين، وفرض شروط تفاوضية على الملفات المالية والاقتصادية.
ومن المرجح أن ينعكس ذلك على خطط الإنفاق والضرائب والمساعدات الحكومية، فضلاً عن مشروعات البنية التحتية والطاقة والبرامج الاجتماعية، ذلك قد تصبح المفاوضات في شأن تمويل الحكومة الفيدرالية أكثر تعقيداً، مع ارتفاع احتمالات الخلاف حول سقف الدين والإنفاق الدفاعي.
وتشير تقديرات محللين إلى أن تغيير السيطرة على الكونغرس لا يعني بالضرورة تحولاً جذرياً في السياسات الاقتصادية، لأن كثيراً من توجهات الإدارة في التجارة وإلغاء القيود التنظيمية والهجرة والسياسة الخارجية يمكن تنفيذها عبر السلطة التنفيذية والوكالات الحكومية، من دون الحاجة إلى تشريع جديد.
ومن ثم قد يكون الأثر الأبرز للنتائج هو زيادة صعوبة تمرير مبادرات جديدة، بدلاً من إلغاء السياسات القائمة بالفعل.
الرسوم الجمركية والتجارة تحت الرقابة
تأتي الرسوم الجمركية في مقدمة الملفات المرشحة للمواجهة بين الديمقراطيين والإدارة الأميركية، بعدما أصبحت أحد أبرز أدوات ترمب في إدارة العلاقات التجارية مع الشركاء والمنافسين.
ومن المتوقع أن يسعى الديمقراطيون إلى زيادة الرقابة على آثار هذه الرسوم في الشركات والمستهلكين، خصوصاً في ظل الجدل في شأن انعكاسها على أسعار السلع وكلف الإنتاج وسلاسل الإمداد.
وقد يؤدي تصاعد الضغوط التشريعية إلى زيادة حال عدم اليقين لدى الشركات التي تعتمد على الاستيراد والتصدير، ولا سيما قطاعات السيارات والإلكترونيات والآلات والسلع الاستهلاكية، فالشركات تحتاج إلى وضوح في شأن كلفة المدخلات والأسواق المستهدفة قبل اتخاذ قرارات التوسع والاستثمار.
ومع ذلك، لا يعني فوز الديمقراطيين أن الرسوم الجمركية ستلغى تلقائياً، إذ تستطيع الإدارة الاستمرار في استخدام عدد من الصلاحيات التنفيذية والتجارية، لكن الرقابة والتحقيقات والضغوط السياسية قد ترفع كلفة استمرار بعض الإجراءات، وتدفع البيت الأبيض إلى إعادة النظر في نطاقها أو توقيتها.
وتشير تحليلات الأسواق إلى أن التحول في السيطرة على الكونغرس قد يغير اتجاه بعض السياسات التجارية أو يفتح المجال لمحاولات تعديلها، لكن حجم التغيير يظل رهناً بالصلاحيات التنفيذية والتوازنات القانونية والسياسية.
الضرائب والإنفاق والدين العام
يمثل ملف الضرائب أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن الإدارة الجمهورية حققت خلال الفترة الماضية مكاسب تشريعية في هذا المجال، من بينها قانون خفض الضرائب والإنفاق المعروف باسم "القانون الكبير الجميل الواحد".
وقد يحاول الديمقراطيون استخدام غالبيتهم الجديدة للضغط من أجل تعديل بعض الأولويات الضريبية والإنفاقية، أو إعادة فتح النقاش في شأن توزيع الأعباء المالية بين الشركات والأفراد والشرائح المختلفة من المجتمع.
لكن تمرير تغييرات كبيرة قد يكون صعباً في ظل امتلاك ترمب حق النقض الرئاسي، فضلاً عن القيود الإجرائية داخل مجلس الشيوخ.
ومن ثم، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً قد يتمثل في مواجهة تشريعية طويلة، ومفاوضات متكررة حول تمويل الحكومة والإنفاق العام، بدلاً من تحول سريع في السياسة المالية.
وتزداد أهمية هذا الملف مع تجاوز الدين الأميركي مستوى 40 تريليون دولار خلال أغسطس (آب) الماضي، وفق تحليل سابق لمؤسسة "مورغان ستانلي"، التي رجحت أن يؤدي تغير السيطرة على الكونغرس إلى زيادة الخلافات في شأن تمويل الحكومة وسقف الدين والإنفاق الدفاعي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحولاً فورياً في المسار المالي العام.
ويمثل استمرار ارتفاع الدين العام تحدياً طويل الأجل للاقتصاد الأميركي، إذ يزيد أعباء خدمة الدين ويحد من المساحة المتاحة أمام الحكومة للتعامل مع الأزمات الاقتصادية أو تمويل برامج جديدة.
الأسواق المالية بين الارتياح والحذر
استقبلت الأسواق المالية النتائج بمزيج من ردود الفعل، إذ تراجعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية خلال التداولات الأولية قبل أن تستعيد جانباً من خسائرها، بينما تراجع الدولار وانخفض عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 أعوام إلى نحو 4.92 في المئة، وفق بيانات أوردتها "رويترز".
وتعكس هذه التحركات محاولة المستثمرين تقييم ما إذا كان الانقسام السياسي سيؤدي إلى استقرار السياسات الاقتصادية أو إلى مزيد من عدم اليقين في شأن القرارات المالية والتجارية.
وشهدت الأسواق العالمية تحركات متباينة، مع تقدم الأسهم الأوروبية، في حين سجلت الأسواق الآسيوية أداء مختلطاً، وتراجعت أسعار النفط في التعاملات الأولية قبل أن تظل تحركات الطاقة مرتبطة بتطورات الإمدادات والتوترات الجيوسياسية.
ولا تعني هذه التحركات بالضرورة أن المستثمرين يراهنون على تراجع اقتصادي، إذ قد ينظر بعضهم إلى وجود كونغرس معارض باعتباره عاملاً يحد من القرارات المفاجئة أو التغييرات الواسعة في السياسات.
في المقابل، يخشى آخرون أن يؤدي الصدام السياسي إلى تأخير القرارات المتعلقة بالإنفاق والضرائب والتمويل الحكومي.
وتظل أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من أبرز القطاعات التي ستراقب انعكاسات المرحلة الجديدة، خصوصاً أن الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية باتت مرتبطة بقرارات الطاقة والتنظيم والتمويل على المستويين الفيدرالي والمحلي.
الشركات والاستثمارات تحت رقابة أكبر
من المتوقع أن تتوسع الرقابة التي يمارسها الكونغرس على الشركات والقطاعات الاقتصادية، مع احتمال زيادة جلسات الاستماع والتحقيقات المتعلقة بقرارات الإدارة وعلاقاتها مع بعض الشركات.
وتشمل الملفات المحتملة شركات الأدوية والطاقة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الشركات التي ترتبط أعمالها بسياسات الإدارة أو تحظى بدعمها، وقد يؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط التنظيمية والإعلامية على بعض الشركات، ويدفع المستثمرين إلى إدخال الأخطار السياسية في حساباتهم بصورة أكبر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن زيادة الرقابة لا تعني بالضرورة فرض قيود جديدة على الشركات أو إقرار تشريعات أكثر تشدداً، فذلك يحتاج إلى توافق سياسي وتشريعي، وقد يصطدم بحق النقض الرئاسي، والأرجح أن يظهر التأثير الأول في صورة مزيد من التدقيق والشفافية والضغوط على الإدارة والقطاعات محل الجدل.
وفي قطاع الذكاء الاصطناعي قد تزداد أهمية دور الولايات والسلطات المحلية في تنظيم إنشاء مراكز البيانات، وتحديد متطلبات الطاقة والمياه والبنية التحتية اللازمة لتشغيلها، وتشير تقديرات "مورغان ستانلي" إلى أن توسع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي مرشح للاستمرار، لكنه قد يصبح أكثر ارتباطاً بالشروط التنظيمية المحلية، بدلاً من الاعتماد على مسار توسع مفتوح بلا قيود.
"الاحتياطي الفيدرالي" وأسعار الفائدة
يمتد تأثير نتائج الانتخابات إلى البيئة التي يعمل فيها "الاحتياطي الفيدرالي"، وإن كان البنك المركزي يتمتع باستقلالية في تحديد السياسة النقدية، ولا تتغير قرارات أسعار الفائدة بصورة مباشرة نتيجة تبدل الغالبية البرلمانية، لكن مجلس الشيوخ يؤدي دوراً مهماً في المصادقة على التعيينات الرئاسية، بما في ذلك المناصب المرتبطة بـ"الاحتياطي الفيدرالي".
ومن ثم، فإن سيطرة الديمقراطيين قد تجعل تمرير بعض التعيينات أكثر صعوبة، وتزيد التدقيق السياسي في اختيارات الإدارة للمناصب الاقتصادية والمالية.
أما مسار الفائدة نفسه فسيظل مرتبطاً بالبيانات الاقتصادية، وفي مقدمها التضخم وسوق العمل والنمو، وليس بنتائج الانتخابات وحدها، ومع ذلك فإن أي تصعيد سياسي يؤثر في توقعات الإنفاق أو الرسوم الجمركية أو أسعار الطاقة قد ينعكس بصورة غير مباشرة على تقديرات المستثمرين لمسار التضخم والفائدة.
المستهلك الأميركي في قلب المعادلة
تكشف نتائج الانتخابات عن أن القدرة الشرائية وكلف المعيشة أصبحتا من أبرز محددات المزاج السياسي الأميركي.
وقد يشكل ذلك ضغطاً على الحزبين لإيجاد حلول تتعلق بأسعار الغذاء والسكن والطاقة والرعاية الصحية، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2028.
وسيحاول الديمقراطيون تقديم أنفسهم باعتبارهم أكثر استجابة لمخاوف الأسر الأميركية، من خلال الدفع نحو إجراءات تتعلق بكلف الرعاية الصحية والإسكان والإنفاق الاجتماعي، لكن قدرتهم على تحويل هذه الوعود إلى قوانين ستظل محدودة ما لم يتمكنوا من التوصل إلى تفاهمات مع البيت الأبيض.
وتكتسب أسعار الوقود أهمية خاصة في هذا السياق، في ظل ارتباطها بتطورات سوق النفط والحرب مع إيران، وقد أشار الرئيس ترمب إلى دور الحرب في خسارة الجمهوريين، بينما أظهرت تغطية الانتخابات أن ارتفاع الأسعار كان من أبرز دوافع الناخبين.
ثلاثة سيناريوهات للاقتصاد الأميركي
يمكن تلخيص المسارات المحتملة خلال العامين المقبلين في ثلاثة سيناريوهات:
أولاً، جمود سياسي من دون تغيير اقتصادي جذري: يستمر ترمب في تنفيذ أجزاء واسعة من أجندته عبر الصلاحيات التنفيذية، بينما يعطل الكونغرس المعارض المبادرات التشريعية الجديدة، وقد يكون هذا السيناريو الأقرب إذا تعذر التوصل إلى تسويات واسعة.
ثانياً، تفاهمات محدودة في الملفات الاقتصادية: ينجح الطرفان في التوصل إلى اتفاقات في شأن تمويل الحكومة أو بعض ملفات الضرائب والإنفاق والإسكان، بما يقلل أخطار المواجهة ويمنح الشركات قدراً أكبر من الوضوح.
ثالثاً، تصعيد سياسي ومالي: تتفاقم الخلافات في شأن الموازنة وسقف الدين والرسوم الجمركية، بما يزيد أخطار تعطل التمويل الحكومي ويؤثر في ثقة المستثمرين وكلفة الاقتراض.
ولا يمكن الجزم الآن بأي من هذه السيناريوهات، لكن الأسواق ستراقب بصورة خاصة قدرة الإدارة والكونغرس على تجنب أزمة تمويل حكومي جديدة، ومدى تأثير الخلافات في قرارات الشركات والاستثمارات.
هل تتغير خريطة الاقتصاد الأميركي؟
في المحصلة، لا تعني خسارة الجمهوريين الكونغرس أن السياسة الاقتصادية الأميركية ستشهد انقلاباً فورياً، لكنها تمثل نهاية مرحلة التوافق التشريعي بين البيت الأبيض والكونغرس، وبداية فترة أكثر تعقيداً في إدارة الملفات المالية والتجارية.
وسيكون الاختبار الحقيقي في قدرة الإدارة على الحفاظ على زخم الاستثمار والنمو، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الأسر بسبب كلفة المعيشة، وتواجه الشركات حالاً من عدم اليقين في شأن الرسوم الجمركية والتنظيم والإنفاق الحكومي.
وبالنسبة إلى المستثمرين قد لا تكون المسألة هي هوية الحزب المسيطر على الكونغرس بقدر ما تتعلق بمدى قدرة واشنطن على اتخاذ قرارات اقتصادية مستقرة وقابلة للتوقع، فاستمرار الانقسام قد يحد من التغييرات التشريعية الكبرى، لكنه قد يرفع في المقابل كلفة الخلافات السياسية على الاقتصاد.
خلاصة الأمر فوز الديمقراطيين لا يغير قواعد الاقتصاد الأميركي بين ليلة وضحاها، لكنه يضع أجندة ترمب أمام اختبار تشريعي ورقابي صعب، ويجعل الضرائب والإنفاق والدين والتجارة ملفات مرشحة لتكون محور المواجهة الاقتصادية في المرحلة المقبلة.