ملخص
في لبنان، لم تعد أزمة الكهرباء تقتصر على انقطاع التيار عن المواطنين، بل وصلت إلى مؤسسات الدولة نفسها. ديون تتجاوز 300 مليون دولار دفعت مؤسسة الكهرباء إلى قطع التغذية عن جهات رسمية، وسط مخاوف على خدمات حيوية.
في مشهد غير مسبوق في تاريخ البلاد الحديث، وضمن محاسبة لم يعتد عليها لا المواطن ولا الدولة ومؤسساتها، دخلت المرافق العامة في لبنان مرحلة جديدة من المواجهة مع أزمتها المالية، بعدما بدأت مؤسسة كهرباء لبنان قطع التيار عن الوزارات والمؤسسات والإدارات الرسمية المتخلفة عن تسديد فواتيرها.
وفيما تعيد هذه الخطوة للواجهة سؤالاً يتجاوز تحصيل الديون، وفيه "كيف تطالب الدولة المواطنين بدفع مستحقاتهم، فيما تتخلف مؤسساتها عن تسديد كلفة الخدمات التي تستهلكها؟"، تكشف الأرقام بحد ذاتها عن حجم المعضلة، إذ تتجاوز المستحقات المتراكمة لمؤسسة كهرباء لبنان 300 مليون دولار، وفق رئيس مجلس إدارتها نسيب نصر، فيما تلامس الديون المترتبة على المؤسسات والإدارات الرسمية وحدها 260 مليون دولار، بحسب مستشار وزير الطاقة والمياه جورج العاقوري. وبين الرقمين، تبرز أعباء إضافية تشمل المخيمات الفلسطينية، إلى جانب ديون مصالح المياه ومؤسسات عامة أخرى.
لكن القرار، على رغم مشروعيته من حيث المبدأ، يفتح نقاشاً حول انعكاساته على الخدمات الحيوية، ولا سيما الاتصالات والمياه، في وقت تواجه فيه المؤسسة ارتفاعاً في أسعار المحروقات وحاجة متزايدة إلى السيولة لتأمين الإنتاج. وبين إصرار وزارة الطاقة على تحصيل المستحقات، وتحذيرات من أن تؤدي البيروقراطية إلى تعطيل مرافق أساسية، تطرح تساؤلات عدة ومنها "هل يشكل قطع الكهرباء بداية إصلاح مالي فعلي، أم ينقل الأزمة من مؤسسة عامة إلى أخرى؟".
الدولة مطالبة بأن تكون "قدوة"
يؤكد العاقوري أن "قرار ملاحقة المؤسسات المتخلفة عن الدفع صدر عن مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان برئاسة المهندس نسيب نصر، بتوجيهات من الوزير ودعم كامل منه، فيما صلاحية اتخاذ القرار تعود لمجلس الإدارة، والوزير يمارس دوره بوصفه سلطة وصاية".
ويربط العاقوري "تراكم الديون بنهج تاريخي في التعاطي مع مؤسسة كهرباء لبنان، اتسم بالاستخفاف بالالتزامات المالية والاعتماد المتكرر على سلف الخزينة والاستدانة، بدلاً من انتظام تحصيل الإيرادات، وهذا النهج أسهم في تحميل الدولة أعباء مالية كبيرة على مدى السنوات الماضية"، مشدداً على أن "الدولة مطالبة بأن تكون قدوة للمواطنين في احترام التزاماتها، وما يميز المرحلة الحالية هو الإصرار على تطبيق القوانين بعيداً من المساومات السياسية".
تحصيل المستحقات قبل طلب التمويل
بدوره، يكشف عضو مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان مازن شبارو، أن "قرار قطع التيار اتخذ بالإجماع داخل المجلس، انطلاقاً من ضرورة إعادة التوازن بين الإيرادات والنفقات"، موضحاً أن "المؤسسة لا تستطيع الاستمرار في شراء الوقود وتسديد تكاليف التشغيل والصيانة إذا بقيت نفقاتها تتجاوز إيراداتها"، فيما "المجلس الجديد يسعى إلى تقليص الاعتماد على سلف الخزانة وتمكين المؤسسة من تمويل نشاطها من الأموال التي تحصلها".
ويطرح شبارو تساؤلاً عن "أسباب التساهل سابقاً مع المؤسسات العامة المتخلفة عن الدفع، في وقت كانت فيه مؤسسة كهرباء لبنان تلجأ إلى الاستدانة لتغطية نفقاتها"، معتبراً أن "معالجة هذا الخلل كان ينبغي أن تبدأ بتحصيل المستحقات قبل طلب التمويل من الدولة".
وتزداد أهمية هذه الإجراءات، وفق شبارو، مع "ارتفاع كلفة الفيول إلى نحو ضعفين ونصف إلى ثلاثة أضعاف مستوياتها السابقة قبل التصعيد العسكري واضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، مما يضاعف الحاجة إلى تأمين السيولة اللازمة لشراء المحروقات وتسديد مستحقات شركات خدمات التوزيع والتشغيل والصيانة".
بينما يرى العاقوري أن "ارتفاع أسعار المحروقات ليس العبء الوحيد، إذ تتحمل المؤسسة أيضاً تكاليف إصلاح الأضرار الناجمة عن الحرب، فضلاً عن الأعباء المرتبطة بإعفاءات الكهرباء في الجنوب التي لم تسدد الدولة كلفتها".
400 مؤسسة معنية
يكشف رئيس مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان المهندس نسيب نصر عن أن "المستحقات المتراكمة تتجاوز 300 مليون دولار، وترتفع بنحو 12 مليون دولار شهرياً"، مشيراً إلى أن "الديون تتوزع على نحو 400 مؤسسة وإدارة عامة، مع تفاوت كبير في حجم المبالغ المستحقة"، فيما أكدت تقارير صحافية نقلاً عن مصادر إدارية في مؤسسة كهرباء لبنان أن الرئاسات الثلاث، أي الجمهورية والنواب والحكومة، سدّدت متوجّباتها ومستحقاتها المالية بالكامل للمؤسسة، لتصبح فواتيرها "صفر متأخرات".
ولا تقتصر المسألة على حجم الديون المتراكمة، بل تطرح أيضاً تساؤلات حول أسباب تفاوت التزام المؤسسات العامة بالدفع، ومدى ارتباط التأخر في التسديد بنقص السيولة أو بالإجراءات الإدارية التي تحكم صرف الأموال، وتتصدر مصالح المياه قائمة المؤسسات المدينة، بمستحقات تتراوح بين 80 و90 مليون دولار، إلا أن نصر يؤكد أن "المؤسسة توصلت إلى اتفاقات خطية معها، تتضمن دفعات فورية وجدولة المتأخرات خلال فترة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر".
ويكشف عن أن "إحدى مؤسسات المياه التزمت تسديد 10 ملايين دولار كل ثلاثة أشهر، في إطار التفاهمات الهادفة إلى انتظام المدفوعات ومنع تراكم ديون جديدة".
ولا تقتصر الاستجابة على قطاع المياه، إذ يشير نصر إلى أن "مؤسسات أخرى، بينها مطار رفيق الحريري الدوليفي بيروت، قدمت التزامات خطية لتسديد مستحقاتها، فيما بدأت جهات بدفع سلف مالية فورية أو إعداد جداول تقسيط"، متوقعاً "تتراوح المبالغ التي تدخل صندوق المؤسسة خلال اليومين الأولين من حملة التحصيل بين 20 و25 مليون دولار، على أن تتضح الحصيلة الفعلية بعد استكمال الإجراءات المالية".
وفي هذا السياق، يوضح شبارو أن "بيانات المستحقات منشورة على المنصة الإلكترونية للمؤسسة وتحدث دورياً، لكن تحديد المبالغ المحصلة فعلياً يتطلب استكمال التحويلات المالية عبر مصرف لبنان. أما المستشفيات الحكومية، فتبقى الاستثناء الوحيد من إجراءات قطع التيار في المرحلة الراهنة، مراعاة للاعتبارات الإنسانية والصحية".
ويؤكد العاقوري أن "هذا الاستثناء لا يعني إعفاءها من الدفع، بل منحها فرصة لتسوية مستحقاتها، ولا سيما مستشفى رفيق الحريري الجامعي الذي تتراكم عليه ديون كبيرة".
كهرباء لبنان تتخذ خطوة غير مسبوقة... المؤسسة تقطع التيار عن إدارات ومؤسسات عامة وبلديات متخلفة عن تسديد مستحقاتها، بعد انتهاء المهلة الممنوحة لتسوية أوضاعها #نكمن_في_التفاصيل https://t.co/kVvuJwtl5u
— اندبندنت عربية (@IndyArabia) August 25, 2026
المخيمات الفلسطينية
بعيداً من ديون الإدارات الرسمية، يبرز ملف المخيمات الفلسطينية بوصفه أحد أكثر ملفات التحصيل تعقيداً.
ويكشف نصر عن أن "المستحقات المتراكمة على المخيمات تبلغ نحو 65 مليون دولاراً"، موضحاً أن "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) كانت تتولى سابقاً تسديد جزء كبير من فواتير الكهرباء، قبل أن تتوقف عن الدفع في ظل أزماتها المالية"، مشيراً إلى أن "المتأخرات تراكمت خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية، من دون التوصل إلى آلية مستدامة لتغطية الاستهلاك".
وفي محاولة لمعالجة الملف، انتدب مجلس إدارة المؤسسة عضوين لمتابعة الاجتماعات مع المسؤولين في المخيمات، بالتنسيق مع رئيس لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني، السفير رامز دمشقية.
وبحسب نصر "يفترض أن تنتهي الاجتماعات بحلول الـ20 من نوفمبر (تشرين الثاني)، لتحديد الجهة التي ستتحمل مسؤولية التسديد، سواء كانت الدولة اللبنانية أم الأونروا، أم من خلال اعتماد آلية جباية داخل المخيمات". ويعرب عن أمله في "التوصل إلى تسوية قبل نهاية الشهر"، مشدداً على أن "الهدف هو ضمان انتظام الدفع، لا الاكتفاء بممارسة الضغط".
هيئة "أوجيرو"
على الجانب الآخر من القرار، تبرز مخاوف تتعلق باستمرارية خدمات الاتصالات، بعدما طاول قطع التغذية الكهربائية بعض السنترالات التابعة لهيئة أوجيرو، وهي تعد اليد اليمنى لوزارة الاتصالات في لبنان.
ويرى المهندس عامر طبش أن "الإجراء محق من الناحيتين القانونية والمبدئية، لكن تطبيقه على مؤسسات لا تتحكم مباشرة بأموالها قد يؤدي إلى نتائج تشغيلية ومالية معاكسة".
ويوضح أن "معظم السنترالات تحصل على ساعتين إلى أربع ساعات من التغذية الكهربائية يوميا، وتعتمد بقية الوقت على مولدات المازوت. وبالتالي، فإن قطع الكهرباء عنها لن يوقف الخدمة بالضرورة، لكنه سيزيد ساعات تشغيل المولدات وكلفة المحروقات".
ويحدد طبش جوهر المشكلة في آلية صرف الأموال، مشيراً إلى أن "شركتي الاتصالات الخلوية في لبنان ’ألفا‘ و’تاتش‘ سددتا مستحقاتهما، لكونهما قادرتين على تغطية نفقاتهما التشغيلية مباشرة من الإيرادات، قبل تحويل العائدات المستحقة إلى الخزانة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما أوجيرو، بحسب الطبش، "فلا تتمتع بالمرونة المالية نفسها، إذ تخضع عمليات الصرف لإجراءات إدارية ومالية مرتبطة بوزارة المالية"، ويوضح أنه "حتى بعد استكمال التدقيق الداخلي وصدور الموافقات اللازمة من وزارة الاتصالات، قد تتأخر التحويلات المالية، مما يبقي الفواتير غير مسددة في سجلات مؤسسة كهرباء لبنان".
ويكشف هذا الإشكال عن مفارقة في إدارة المال العام، إذ تسعى مؤسسة كهرباء لبنان إلى تحصيل مستحقاتها لتأمين استمرارية الإنتاج، لكن قد تجد مؤسسات أخرى نفسها عاجزة عن تسديد فواتيرها، ليس بالضرورة بسبب نقص الموارد أو الامتناع عن الدفع، بل نتيجة تأخر تحويل الاعتمادات المالية.
ويعتبر الطبش أن "ما يجري يعكس خللاً في التنسيق بين وزارات الطاقة والاتصالات والمالية"، محذراً من "تحميل المرافق الحيوية تبعات التأخير الإداري".
وعن احتمال انقطاع الإنترنت، يلفت إلى أن "الخطر يرتبط أساساً بحدوث أعطال مفاجئة في المولدات أو تعذر تشغليها، فيما أوجيرو تقوم بأعمال الصيانة اللازمة وتملك خطط طوارئ للحد من هذه الأخطار".
الاعتمادات المرصودة للكهرباء
في المقابل، يطرح مصدر مطلع في الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء رفض الإفصاح عن اسمه، إشكالاً يتعلق بمصير الاعتمادات التي تخصصها المؤسسات العامة والوزارات والبلديات للكهرباء ضمن موازناتها السنوية.
ويتساءل المصدر عن "أسباب عدم تسديد الفواتير على رغم رصد الأموال اللازمة لها"، معتبراً أن "استمرار هذا الواقع يستدعي توضيحاً ومساءلة من الجهات المعنية"، مستشهداً "بمصالح المياه التي رفعت تعرفاتها وأصبحت تتقاضى رسوماً مرتفعة من المشتركين، في حين تعد من أكبر مستهلكي الكهرباء، متسائلة عن أسباب تخلفها عن تسديد المستحقات".
ويطرح تساؤلاً مماثلاً حول أوجيرو، التي تقطع خدمات الهاتف الثابت عن المشتركين المتخلفين عن الدفع، معتبراً أن "المبدأ نفسه يجب أن يطبق على المؤسسات العامة".
وأبعد من مسألة الجباية يعتبر أن "التساهل التاريخي في تحصيل المستحقات ارتبط باعتبارات سياسية ومسايرات حالت دون تطبيق الإجراءات اللازمة"، مشيراً إلى أن "رفع تعرفة الكهرباء منذ عام 2022 يفرض اعتماد مقاربة مختلفة، خصوصاً أن المؤسسة تحتاج إلى الإيرادات لشراء الوقود وزيادة الإنتاج".
"الهدر يتجاوز 30 في المئة والجباية وحدها لا تكفي"
بحسب المصدر نفسه "يتجاوز الهدر غير الفني في الكهرباء 30 في المئة، نتيجة التعديات على الشبكة وسرقة الكهرباء وعدم تسديد الفواتير في بعض المناطق، مما يحرم المؤسسة من إيرادات كبيرة"، محذراً من أن "استمرار هذا المستوى من الهدر يقوض أية محاولة لتحقيق التوازن المالي، حتى لو نجحت المؤسسة في تحصيل مستحقاتها من الإدارات الرسمية".
ويدعو إلى "تكثيف دوريات إزالة التعديات بصورة منتظمة، وفرض غرامات مالية رادعة تقترح أن تتراوح بين 500 وألف دولار، إلى جانب تسريع الملاحقات القضائية بحق المخالفين، بدلاً من استمرار القضايا لسنوات من دون عقوبات فعالة".
هيئة ناظمة بصلاحيات معلقة
وفي موازاة الإجراءات المالية، يبرز سؤال عن دور الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء في مراقبة أداء المؤسسة والقرارات المتعلقة بالجباية وقطع التغذية، وهذه الهيئة لا تملك حالياً صلاحية التدخل المباشر في قرارات مؤسسة كهرباء لبنان، فيما تفعيل دورها الرقابي يتطلب استكمال خطوتين تنظيميتين أساسيتين.
وتتمثل الأولى في إصدار مرسوم فصل أنشطة قطاع الكهرباء، والثانية في تحويل مؤسسة كهرباء لبنان من مؤسسة عامة إلى شركة، بما يسمح بإعادة تنظيم العلاقة بين الجهات المعنية بالإنتاج والنقل والتوزيع وتفعيل الرقابة التنظيمية.
فيما تعد هذه الإصلاحات ضرورية، للانتقال من معالجة الأزمات المالية المتكررة إلى بناء قطاع قادر على جذب الاستثمارات وتحسين الخدمات.
هل تعيد الجباية الكهرباء للبنانيين؟
بالنسبة إلى مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، يشكل تحصيل المستحقات مدخلاً لاستعادة التوازن المالي وزيادة القدرة على الإنتاج، خصوصاً أن الكهرباء التي توفرها المؤسسة تبقى أقل كلفة من تلك التي تقدمها المولدات الخاصة، وفق نصر وشبارو.
ويرى شبارو أن "انتظام الإيرادات سيسمح بتغطية نفقات الوقود والتشغيل والصيانة"، فيما يؤكد العاقوري أن "الهدف النهائي من الإجراءات هو تحسين ساعات التغذية وتخفيف اعتماد المواطنين على المولدات".
لكن بين إصرار المؤسسة على تطبيق القرار، وتحذيرات طبش من انعكاساته على المرافق الحيوية، والدعوة إلى معالجة الهدر وإصلاح التوزيع، تتضح حدود المقاربة المالية وحدها. فقطع الكهرباء قد يدفع المؤسسات إلى تسديد فواتيرها، لكنه لا يعالج تلقائياً البيروقراطية التي تعطل التحويلات، ولا التعديات التي تستنزف الشبكة، ولا النقص في الإنتاج.
ويبقى الاختبار الفعلي في قدرة الدولة على تحويل حملة التحصيل من إجراء استثنائي إلى نظام دائم للمساءلة المالية، لا يقتصر على مطالبة المؤسسات العامة بتسديد مستحقاتها، بل يشمل أيضاً مساءلة الجهات المسؤولة عن تأخير التحويلات، وضمان انتظام الفوترة والجباية، ومعالجة الهدر الذي يستنزف القطاع.