Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مطبخ الجدة" يخسر معركته مع "الفاست فود"

فقدت الطبخات التقليدية جاذبيتها أمام المطبخ المعولم وضيق الوقت

يمتلك الجيل الجديدة ميزة شديدة الوضوح، في أنهم يعبرون بصراحة عن أهوائهم وتفضيلاتهم، ولا يخفي هؤلاء موقفهم من الطعام والأطباق التقليدية (بيكسلز)

ملخص

دخل المطبخ التقليدي مرحلة حرجة في ظل التحولات التي فرضتها العولمة وانفتاح الثقافات، وبات "الحنين إلى مطبخ الجدة" هو الدافع الوحيد للحفاظ على عدد كبير من الوصفات من الزوال. فيما يشهد المطبخ التقليدي تحولات بفضل إبداعات عدد كبير من الطباخين ومؤثري السوشال ميديا، ومن يقدمون الأطباق التقليدية بقوالب حديثة.

تغيرت النظرة إلى مطبخ الأم والجدة، وما كان ينظر إليه بوصفه مصدراً للحب والحنين، بات يشكل موضوعاً لصراع الأجيال. لا بل بات بعض المراهقين يتعاطون بسلبية مع الأكلات الشعبية المتوارثة، فهم اعتادوا على "الفاست فود" (الأطعمة السريعة)، وتناول "الشعيرية السريعة التحضير" (Noodles) في ساعات متأخرة من الليل، بعد أن قطعوا جسور العلاقة مع مفاهيم سادت لعقود عن "غرفة المونة" و"مراطبين" (جرار) المربيات والكشك والزعتر. وهو ما نقرأه بين سطور حديث الشابة نايا (15 سنة)، "لا أحب الطبخ القديم، ولا أتقبل نظريات والدتي عن الطعام الصحي والمفيد، إنه أشبه بالعقاب"، مضيفة "قد أتناول بعض الأكلات مثل الدجاج على رز أو الكباب، ولكن أشعر بالغثيان تجاه البامية والسليق أو البازيلا والمجدرة وشوربة العدس"، و"في حال شممت رائحة البصل أو الثوم أشعر بالاشمئزاز وقد أغادر المنزل على الفور".

في المقابل تقارب شريحة شبابية المسألة من زاوية عقلانية، انطلاقاً من علاقة المطبخ بالزمن، إذ يقول صادق "لا يشدني المطبخ التقليدي لأن أكلاته محدودة، ومكوناته جامدة، فيما المطاعم الشبابية أصبحت تؤمن مئات الأطباق من أنحاء العالم كافة"، مشيراً إلى أنه على المستوى الشخصي، يستقل عن عائلته في مسألة الأكل، لا بل يقوم بإعداد أطباق مبتكرة و"متمردة" على الوصفات، إذ يدمج مكونات من الشرق والغرب، لا بل يدعو رفاقه إلى تناولها وتذوقها والحكم عليها. ولا يخفي بعض منهم استخدام "الابتزاز العاطفي" تجاه الأهل، ورفض تناول الأكل المحضر منزلياً، واشتراط طلب ساندويش عبر تطبيقات التوصيل المختلفة.

أذواق معاصرة

يمتلك الجيل الجديدة ميزة شديدة الوضوح، في أنهم يعبرون بصراحة عن أهوائهم وتفضيلاتهم، ولا يخفي هؤلاء موقفهم من الطعام والأطباق التقليدية. وتواصل معد هذا التقرير مع عينة من هؤلاء الشبان، يمثلون الشريحة التي تتراوح بين 14 و 22 سنة، وأظهر هؤلاء تنوعاً وأحياناً تبايناً في المواقف تجاه "المطبخ التقليدي".
وتراوحت الآراء بين الرفض التام لمجموعة من الأطباق، فيما قرن بعضهم بين بعض الأطباق والأجواء الاحتفالية أو الأجواء العائلية. كما كان لافتاً ما أشار إليه الشاب عبدالوهاب، عندما قال عند بعض الأكباق التقليدية، "لا يمكن أن أتناولها إلا من عند جدتي، لأن طعمها خرافي ولا يشبه أحد".

في المقابل، بات واضحاً ميل بعض الشبان إلى تحضير الأطباق، ودور وسائل التواصل الإجتماعي والمنصات الرقمية، على مستوى إعداد الأطباق أو "عولمة الأذواق".

وتعكس تلك الشهادات الرغبات المختلفة، يقول شربل (17 سنة) من زغرتا في شمال لبنان، "لا يعنيني المطبخ التقليدي، ولا يستهويني منه إلا الكبة الزغرتاوية، وأكلة الهريسة. فيما أنفر بوضوح من أكلات كـ’الرشتا‘، و’المخبوصة‘، وصينية الخضار، وهي أكلات قديمة كان يعتمد عليها أهالي القرى في غذائهم، في المقابل تعرفت على كثير من الأكلات الشهية عبر السوشال ميديا".

ويشترط مراهقون لتناول الأكلات التقليدية أن تكون "من صنع يدي الوالدة، ويدخل فيها الرز واللحم والدجاج". ويقر الشاب أحمد بأنه لا يأكل كل شيء وبالتالي يلجأ إلى طلب "الدليفري" (الأكل عبر خدمة التوصيل) بمعدل ثلاث مرات أسبوعياً، فيما يربط آخرون تناوال الأكلات التقليدية بـ"الجمعة العائلية" والأجواء الاحتفالية، ويفضل أيضاً أن تكون "من صنع الأم أو الجدة حصراً، لأن ذلك يمنح شعور بالدفء" بحسب جوانا، التي توضح أن "طبخات مثل ورق العنب، والكفتة مع البطاطا، هي من اختصاص الأم والجدة حصراً"، إذ تشدد على دور وسائل التواصل "في تعريفنا على أكلات جديدة وجذابة وعصرية"، متحدثة عن "رفض مطلق لتناول بعض الأكلات على غرار الكروش والمصارين"، في إشارة إلى أكلة تقليدية تعد من أمعاء الخروف.

من جهتها، تعبر لارا عن استغرابها لأن "الأهل يصرون على طبخ أطباق لا نحبها ولا نرغبها، وتحديداً تلك التي يكثر فيها استخدام الحمص والبروكولي والباذنجان والنباتات الأرضية والحشائش، وفي هكذا حال يبقى الأندومي (نوع من الشعيرية سريعة التحضير) المهرب الأخير".

"مطبخ الأصدقاء"

في أوساط شبابية، يبرز مصطلح "مطبخ البيستيز" بوصفه آلية لتجديد المطبخ، وإعداد وصفات مبتكرة. وهو ما يشير إليه شبان مختلفون، إذ يتحول المطبخ إلى مساحة لتلاقي الأفكار وميداناً لاختلافها.

ويقول الشاب "عبد"، "نحن نعد أطباقاً مختلفة، ونستخدم المكونات المتاحة في المنزل"، موضحاً أنها "تبقى أفضل من الأكل السريع غير المتاح في الأوقات كافة، أو سندويشة الزعتر التي تقترحها الأم في كل مرة كبديل عندما لا تروقنا الطبخة".
من جهته، يشير سامر إلى تأثر الأذواق بفيديوهات التواصل الاجتماعي، والتحذيرات الصحية، إذ امتنع عن تناول الكبة المشوية والمحاشي بسبب أضرارها على الجهاز الهضمي، فيما باتت "تونا باستا سالاد" (سلطة التونا مع نوع من المعكرونة) طبقه المفضل، ويعدها في كل مرة لا يعجبه الطبخ المنزلي.
في المقابل، قادت الحشرية وأوقات الفراغ، بعض اليافعين إلى دخول المطبخ وإعداد المونة التقليدية، تحديداً تلك التي تتصل بإعداد "دبس الرمان" أو المربيات، إذ لعب بعض مؤثري المطبخ التقليدي العربي وفيديوهات اليوتيوب دوراً إيجابياً في تعليمهم كيفية تحضيرها بطريقة سهلة وبسيطة، إذ يمكن مشاهدة طباخين كبار من لبنان والأردن وسوريا وأنحاء العالم كافة، بحسب جانين التي لم تنتظر كبار السن في العائلة لكي يعلمونها أصول الطبخ القديم.

مطبخ معاصر

ارتبط المطبخ تقليدياً بهوية الشعوب وشكل جزءاً من الهوية الحضارية، إلا أنها شهدت تحولات كبيرة خلال العقدين الماضيين وتحديداً في المجتمعات المنفتحة. وترى الدكتورة مهى كيال الباحثة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، أن "الظاهرة ترتبط بجملة عوامل في مقدمها عمل المرأة وقصر الوقت المتاح للأم في المطبخ. ولكن على رغم ذلك لا بد من الأخذ في الاعتبار وجود خضار جاهزة للطبخ، إذ تزدهم ثلاجات السوبرماركت بالكوسا الجاهزة والمحفورة وورق العنب والخضار المثلجة. وهو ما يدفع إلى التفكير في عامل أساس آخر، وهو عدم تفرغ العائلة لتمضية وقت مشترك حول المائدة، وتوجه كثيرين نحو تناول الطعام في الخارج، وتحول الـ"فاست فود" ليصبح الخيار الأول لهؤلاء، وفرض نكهاته على أذواقهم، وهو ما يؤدي إلى تعود الأطفال على الأكلات الغربية وما يترتب على ذلك من آثار صحية، وتصبح الأكلات على غرار الهمبرغر والبيتزا جزءاً من الروتين اليومي لمختلف سكان المدن".

كما تنه الدكتورة كيال إلى أن "بعضهم ينظر إلى الانغماس في ثقافة طلب المأكولات الجاهزة بوصفها جزءاً من التحضر، وهنا يبرز دور المطبخ المعولم، وإسهام مواقع التواصل الاجتماعي في انتشاره"، موضحة أنه "قد يجتمع تحت سقف مطبخ البيت عينه عدد كبير من المطابخ العالمية بفعل تعلم السيدات للوصفات الأجنبية عبر المنصات الرقمية، وهو ما أدى إلى تراجع الطعام التقليدي وإعادة النظر فيه. وهو ما لم تعد تخفيه السيدات، لا بل أنهن يتباهين بإعداد طبق أجنبي من هنا وآخر آسيوي من هناك".

وتتطرق كيال إلى "النيو كويزين" (المطبخ الجديد)، وهي تشير مباشرة إلى التغييرات والتعديلات التي طرأت على المطبخ التقليدي، وبروز توجه نحو "تقديم وصفات جديدة، فعلى سبيل المثال قام الطباخون بتحويل الحمص بالطحينة من طبق تقليدي، إلى عدد كبير من الأطباق، إذ نجد الحمص بالفستق، والحمص بالشمندر، والحمص بالنكهات، والأمر نفسه ينطبق على الفلافل والفتة، وهو ما يغني حاسة التذوق ويثير الفضول نحو تقبل التغيير، بسبب ضياع الخيط الرفيع بين المطبخ التقليدي والمطبخ الحديث وبروز التوجه نحو الابتكار وانتشار إبداعات صانعي المحتوى".

كما ترى كيال أن "ثمة بعد سياسي – اقتصادي وإعلامي للتغييرات الطارئة على المطبخ، وبالتالي لا يتوقف الأمر عند حدود السوسيولوجيا والأذواق والفن، إذ تلعب الأبواب المفتوحة أمام حركة الاستيراد والتصدير دوراً في طغيان نمط محدد من المطبخ. بالفعل نحن أمام موضوع كبير وغاية في الأهمية، وهو يعكس صورة عن تحولات اجتماعية عميقة، وبروز مفهوم الترند (Trend)، فعلى سبيل المثال، كان تناول السوشي معياراً لتحضر أو تخلف الشخص". وتعتبر المتحدثة أن "العولمة فتحت الأبواب في أكثر من اتجاه، إذ بتنا نجد المطبخ اللبناني منتشراً في أنحاء العالم كافة، جنباً إلى جنب مع المطبخ الصيني والفاست فود، وبالتالي أصبحنا أمام معادلة: كل شيء متوفر في كل مكان ضمن حركة تثاقف واسعة".  

فائض في الخيارات والوصفات

أعادت العولمة رسم حدود المطبخ التقليدي، ولعب الطباخون دوراً بارزاً في تطوير الوصفات. ويرى "الشيف" أنطوان الحاج، مقدم برنامج الطبخ في قنوات لبنانية عدة، أن "سكان المناطق الجبلية ما زالوا متمسكين بالمطبخ التقليدي، ولكن أهميته تراجعت في المدن حيث تنتشر مطاعم الأكل السريع. كما جاءت مواقع التواصل الاجتماعي لتؤثر في الخيارات، وتبعد الناس من الأكلات القديمة". ويستدرك أن "الأكلات القديمة ما زالت ترتبط بالعائلة، والاجتماع الأسري، والأم الحنونة الحاضنة لجميع أولادها".

ويلفت الحاج إلى أن كلفة المعيشة، والوقت الطويل لإعداد الأطباق، عوامل أثرت سلباً في الحماسة للتحضير من النساء العاملات اللاتي يجهدن لتأمين نفقات التعليم والرعاية. وبالتالي أصبح خيار الأكل الجاهز والدليفري هو المفضل لتوفير الوقت، و"بسبب تعود الناس على الفاست فود ونكهته ووفرته وما يرافقه من صلصات ومشروبات غازية، أصبح الطبخ التقليدي بمثابة العقوبة على رغم قيمته الصحية، إذ ينفر الأولاد من المحشي كوسا والمجدرة، ويخنة السبانخ باللحم، وغيرها من الطبخات التي تأتي من خيرات الأرض".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وينصح "الشيف أنطوان" الأمهات "باتباع أساليب الطبخ الصحيح وتقنيات الفن الأصلي، والاستفادة من فرص التعليم المنتشرة لإعادة نظر الأطفال بأكلاتها". كما يلفت إلى تراجع مكانة "المونة" التي كانت توجد في كل بيت، على غرار الكشك وأنواع المربى. ففي الماضي، كانت العائلة تحضرها لتكفيهم في كل أوقات العام، ولكنها مع الوفرة وانتشار الـ"كورن فليكس" (رقائق الذرة) تراجعت، مشيراً إلى القيمة الصحية للزعتر، والأكلات البيتية. ويدعو الأهل لإعداد وصفات البيرغر التي يحبها الأطفال منزلياً، واستخدام اللحم الصحي، والتقليل من الصلصات والمنكهات والزيوت والدهون الضارة.

يجزم "الشيف أنطوان" بعدم إمكان "موت المطبخ الشرقي القديم"، فهو "يحضر باستمرار في الاحتفالات الكبرى والولائم والأعياد، "فلا غنى عن الكبسة، والخاروف المحشي، والدجاج على الطريقة الشرقية، أو الكبة الأرنبية، والورق بطحينة، والمقبلات كالحمص والمتبل، والسلطات اللبنانية، التي تعد أساسية لتكريم الضيف والاجتماع العائلي"، معتبراً أنه "لا مشكلة في طلب المساعدة واستحضار المواد الجاهزة من المطابخ المنتشرة".

إلى جانب العائلة

خلال السنوات الماضية، انتشرت مطابخ لتحضير الأطباق التقليدية الشهيرة على غرار المحاشي، والمصارين، والكبب، وورق العنب، والشيش برك، وأنواع الدبس المختلفة، والحلويات الشعبية.

وتشير الشيف سميرة حموي، ابنة محافظة عكار في شمال لبنان، إلى أنها بدأت مسيرتها قبل 10 سنوات، بعد أن تعلمت الطبخ من حماتها، وتابعت دورات متعددة.

بدأت بأطباق بسيطة، ولكن دائرة زبائنها انتشرت وتوسعت، و"غالبهم من كبار السن". وشهد عملها تحولاً مع "انتشار ترند الأكل الصحي". وتلفت سميرة إلى أن "الشعب يحب أن يتبع الموضة، وهو لحق البيرغر والبيتزا والفاست فود. كما أن الجيل الجديد ليس لديه الوقت والشغف لإعداد الأطباق التي تستغرق وقتاً طويلاً وتحتاج إلى جهد كبير على غرار ورق العنب، أو القمحية والفوارغ والكبة، التي يستغرق إعدادها أربع ساعات وما فوق، وبالتالي فهم يفضلون تحضير المعكرونة أو المشاوي". وتستدرك سميرة "إلا أننا نلاحظ وجود شريحة تحن إلى أكلات الجدة، التي تثير الذكريات والحنين، ونجدهم يبحثون عن خبراء لإعدادها بجودة عالية".

توضح سميرة حموي أن "موضوع الأكل إشكالي بسبب ارتباطه بالأذواق والقدرة على تجهيز الطبخة"، متحدثة عن "طلب كبير على الأكلات الصعبة على غرار الكبة والمصارين والفوارغ وورق العنب، وهو الأعلى مقارنة بالأكلات البسيطة التي تجيدها أكثرية النساء مثل اللوبياء أو البامية والفاصوليا". وتضيف "كما نشهد توسعاً لدائرة الطلب على الأكل الصحي التي تتألف من السلطات وصدور الدجاج المشوية، وهو ترند"، معتبرة أن "الخبرة والعمل بضمير هما الأساس للاستمرارية".    

من جهتها، تؤكد سنا، وهي صاحبة مطبخ، أنها "تعد الأطباق التقليدية للنساء العاملات"، مؤكدة أنها "داخل المطبخ، تجاوزت كثيراً من مواقفها السابقة وآراءها حيال الطبخ، إذ كانت ترفض على المستوى الشخصي تناول كثير من الأكلات أو حتى النظر فيها على غرار الفوارغ. ولكن مع ارتفاع الطلب عليها، قررت خوض التجربة وتحضيرها وفق معايير عالية في النظافة والجودة". وتلفت إلى أن "اهتمامها بصحة أبنائها كان الدافع نحو تغيير بعض وصفات الفاست فود، واستعمال مكونات صحية، وإعدادها من دون زيوت مهدرجة أو دهون"، مشددة على "استخدام أفضل المواد المتاحة في السوق لأن صحة الناس ليست حقل تجارب"، وتنصح الجيل الجديد "بكسر حاجز الخوف، والبدء بالطبخ والتجربة".

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات