ملخص
صناع مسلسل "لوكربي" لم يدعوا أنهم يريدون تقديم عمل سياسي، حتى وإن اتسم العمل ببعد إنساني لا يخلو من سجالية يعبر عنها من خلال أسئلة شائكة حقاً، تملأ الحلقات وتعطيها تلك النكهة الإنجليزية الجذابة، إنما في تمازج مع تلك البطولة الفردية التي طويلاً ما ميزت السينما الأميركية.
إذا كان الشاعر الفرنسي لوتريامون ترك للخلف تلك العبارة التي أوصلها إلى ذروة شهرتها وقد نقلها عنه أسلافه من بعده، وتفيد بأن كل ما يحدث في عالمنا يبدو وكأنه يحدث كي ينتهي أمره في كتاب، فإن النصف الثاني من القرن الـ20 أتى ليحدث تعديلاً، تقنياً بالأحرى على ذلك القول المأثور، فحواه أن كل الأحداث والسير وما شابهها تبدو اليوم وكأنها ما قامت إلا لينتهي أمرها على شاشة تلفزيونية، سواء كان ذلك في أعمال توثيقية تقوم على رصد الواقع، أو على أفلمة هذا الواقع روائياً.
والحال أن أهل التلفزة الإنجليز يبدون لنا اليوم في مصاف السادة بين المبدعين الذين تمكنوا من الجمع بين البعدين على شاشاتهم بحيث تبدو إنجازاتهم في هذا السياق، وفي معظم الأحيان، كافية ووافية ورائعة "لا يشق لها غبار"، كما يقول التعبير التراثي.
ولعل أحدث إنجازات الإنجليز في هذا السياق، إنما بأموال أميركية هذه المرة كالعادة السائدة منذ زمن، مسلسل من خمس حلقات يصل إجمال زمن عرضه إلى ما يقارب خمس ساعات ونصف الساعة، قد يبدو عليه أنه يقول كل ما يريد قوله، منذ عنونه المؤلف من كلمة واحدة هي "لوكربي".
ولوكربي، لمن غمرهم النسيان، وفي الأقل منذ مقتل الرئيس الليبي السابق معمر القذافي وسقوط نظامه، فاختفت الكلمة من قاموسهم، هو اسم لمنطقة نائية في اسكتلندا كانت مجهولة تماماً وغير موعودة بأية شهرة حتى أواخر الأسبوع الثالث من ديسمبر (كانون الأول) عام 1988 حين سقطت في لوكربي طائرة كانت تنقل عدداً لا بأس به من الركاب في رحلة عادية من لندن إلى نيويورك فقتلوا جميعاً ومعهم عدد من سكان المنطقة على الفور.
الإرهاب يضرب
لقد سقطت الطائرة يومها بعد 38 دقيقة من إقلاعها في رحلة كان ينبغي أن تكون شديدة العادية، بل كان حتى في إمكان السقوط ألا يلفت نظر أحد خارج بعده التقني لولا أنه كان كما تبين لاحقاً، وعلى الفور أيضاً، أنه لم يكن إلا نتيجة لعمل إرهابي موصوف تم بفعل انفجار قنبلة كانت نقلت إلى الطائرة عمداً.
وهنا تكمن الحكاية والحقيقية التي ستجعل من لوكربي طوال ثلث قرن تال من الزمن رمزاً للإرهاب المجاني يدخل فيه اسم معمر القذافي وأفعال نظامه، ناهيك بلعبة ابتزاز وكم من المناورات أحاط بالمسألة كلها، وانتهى بدعاوى قضائية وإدانات سياسية وحتى بأنواع المؤامرات التي كادت تفوق في حدتها وتركيبيتها كل ما أحاط بجريمة تفجيرات نيويورك الكبرى بعد ذلك بعقد من الزمان ونيف.
ومع ذلك يمكن اليوم أن نقول بعدما عرضت الحلقات التلفزيونية الخمس التي تتناول تلك الحادثة الكارثية، أن المتفرج الذي كان يتطلع لأن تقول له الحلقات كل ما فاته أن يعرفه حول تلك المأساة الإنسانية ومجانيتها، سيعود من ساعات العرض بخفي حنين. لماذا؟
على الطريقة السينمائية
بكل بساطة لأن صناع هذا المسلسل لم يدعوا منذ البداية أنهم يريدون تقديم عمل سياسي، حتى وإن اتسم العمل ببعد إنساني لا يخلو من سجالية يعبر عنها من خلال أسئلة شائكة حقاً، تملأ الحلقات وتعطيها تلك النكهة الإنجليزية الجذابة، إنما في تمازج مع تلك البطولة الفردية التي طويلاً ما ميزت السينما الأميركية.
صحيح هنا أن السلسلة، الروائية على أية حال، قد صنعت لتعيد ذكرى لوكربي وما حدث فيها إلى واجهة الأحداث، لكنها فعلت ذلك من خلال حكاية فرد واجه الكارثة بمفرده عنيداً جباراً، ولكن ليس لدوافع سياسية بل لأن ابنته فلورا سواير التي كانت في عز شبابها وإقبالها على الحياة، كانت في عداد الضحايا الذين أسفرت عنهم تلك العملية الإرهابية الكأداء التي سيتهم القذافي ونظامه باقترافها.
غير أن هذا الاتهام، حتى ولو أنه بدا مقنعاً لبطل المسلسل المدعو جيم سواير، ليس أهم ما في الأمر بالنسبة إليه. فهذا السيد النيويوركي الذي كان وحتى مقتل ابنته في حادثة لوكربي أثناء عودتها إلى الوطن من جولتها الإنجليزية على متن تلك الطائرة نفسها، لم يكن غائصاً في اهتمامه بالسياسات ودورها في فقدانه ابنته فلورا... جيم هنا هو والد تلك الصبية التي أفجعه فقدانها على تلك الصورة المجانية. كل ما كان يهمه من الشأن السياسي هو أن يقول له أحد، لماذا قتلت ابنته التي لم تكن هي الأخرى، أكثر اهتماماً منه بالسياسة.
بعد روائي، ولكن...
إذاً نحن هنا في هذا المسلسل أمام حكاية أب قرر أن يبحث عن إجابات توضح له، إن كان ذلك ممكناً، حقيقة وأسباب فقدانه ابنته.
وكما أسلفنا تشكل الحكاية الحقيقية فصلاً من فصول تاريخ الإرهاب المقيت، لكن المسلسل روائي حقق على الطريقة الهوليوودية، بل قام فيه بدور الأب المنكوب واحد من كبار الهوليووديين من أصل إنجليزي، كولن فيرث الذي كان سبق له أن أبدع في أدوار روائية مستقاة من الحياة الحقيقية (فيلم "خطاب الملك" على سبيل المثال). وها هو هنا يجسد دور جيم سواير المواطن العادي والبسيط الذي يجد نفسه، وعلى غير توقع، في لجة لعبة الإستراتيجيات الجيوسياسية وأمام شؤون سيعترف في بعض لحظات المسلسل، أنها لم تثر لديه أي اهتمام قبل تضافرها لقتل ابنته: فلسطين، القذافي، الإرهاب، إيران... وغيرها من كلمات كانت نادراً ما تستوقفه حين تعبر حياته في نشرات الأخبار، لكنها اليوم باتت تشكل جوهر حياته ومبرر وجوده لأن علاقة مقتل ابنته بها، باتت مباشرة.
وهكذا، بدلاً من أن يضعنا هذا العمل، المتقن على الطريقة الإنجليزية كما أشرنا، في قلب السياسة وما تشعب منها، يضعنا في صلب الإنسان الذي كان يعتقد نفسه بريئاً وغير معني حتى اللحظة التي تتكشف له فيها تلك الحقيقة التي كانت تقول له طوال سنوات حياته السابقة إن ثمة في الدنيا أموراً لا تحدث إلا للآخرين، وإذا به يكتشف أنه بات بدوره في صفوف الآخرين. وها هي تلك الأمور تحدث له من دون أن يكون له فيها ناقة أو جمل. وتقتل فلذة كبده حتى دون أن تدرك تلك "المغدورة بأي ذنب قُتلت"، كما يقول له صديق مسلم ذات لحظة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقيناً، إن هذا العمل التلفزيوني، حتى وإن بدت إنجليزيته فاقعة، يدين بقوته وعمق أسئلته، حتى وإن اتخذت في المسلسل بعداً روائي أكيداً، إلى كونه في الأصل مقتبساً عن كتاب وضعه الأب الحقيقي بعد سنوات من جهود بذلها وهو واثق أنها لن تعيد إليه ابنته، لكنها "في الأقل يمكن أن تقول لي بعض ما يوضح لي لماذا قتلت تلك الابنة التي لا شأن لها لا بفلسطين ولا بليبيا ولا بإيران، بل لم تسمع في حياتها بمقاطعة لوكربي التي سقطت فيها طائرتها مجهزة عليها وعلى نحو 275 شخصاً في لحظات... على أشخاص لم يكن معظمهم خلال حياته يبالي بنشرات الأخبار التي تتحدث عن ضحايا سبقوهم في السيناريو نفسه".