ملخص
مسعد بولس، كبير مستشاري رئيس الولايات المتحدة للشؤون الأفريقية، أكد بعد لقائه وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح أنهما بحثا سبل تعزيز التعاون في مجالات التنمية الاقتصادية الإقليمية والتجارة والأمن، وأشار إلى ضرورة "العمل معاً بصورة بناءة لمعالجة النزاعات الإقليمية، وتعزيز السلام الدائم والاستقرار والازدهار في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي".
أثارت افتتاحية مجلة "ADF"، التابعة للقيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، حول تزايد القيمة الإستراتيجية لإريتريا، واعتبارها واحدة من الدول القليلة المستقرة في منطقة القرن الأفريقي المضطربة، اهتمام الأوساط السياسية والعسكرية المهتمة بتحليل التوجهات الأميركية المرتبطة بالترتيبات الأمنية والإستراتيجية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، في ظل تأثير النزاعات في حركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر، بخاصة بعد أزمة إغلاق مضيق هرمز على إثر الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وتداعيات ذلك على التطورات في مضيق باب المندب.
وقال تقرير المجلة العسكرية الأميركية الصادر في الـ27 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري أن إريتريا تشهد تزايداً في قيمتها الإستراتيجية بالنسبة إلى الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي، في ظل تأثير النزاعات في حركة الملاحة في البحر الأحمر، فقد أدت هجمات المتمردين "الحوثيين" على السفن التجارية إلى تعطيل حركة الشحن في مضيق هرمز، مما وجه الأنظار نحو الساحل الإريتري الذي يمتد لنحو 1234 كيلومتراً.
وأضاف التقرير أن البحر الأحمر يعد أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، إذ يمر عبره سنوياً ما يصل إلى 15 في المئة من حركة التجارة البحرية العالمية، بقيمة تتجاوز تريليون دولار، ويمتد هذا الممر المائي من قناة السويس شمالاً وصولاً إلى مضيق باب المندب جنوباً.
وأشار التقرير الأميركي إلى أن مناقشات دبلوماسية جرت في القاهرة، بمشاركة مصر وإريتريا والصومال والولايات المتحدة في يوليو (تموز) الماضي، سلطت الضوء على الدور المتنامي لإريتريا في تنسيق الجهود الرامية لتسهيل التجارة ومواجهة التحديات الأمنية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وأضاف التقرير أن مسعد بولس، كبير مستشاري رئيس الولايات المتحدة للشؤون الأفريقية، أكد بعد لقائه وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح أنهما بحثا سبل تعزيز التعاون في مجالات التنمية الاقتصادية الإقليمية والتجارة والأمن، وأشار إلى ضرورة "العمل معاً بصورة بناءة لمعالجة النزاعات الإقليمية، وتعزيز السلام الدائم والاستقرار والازدهار في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي".
ويقدر محللون أن استمرار الاضطرابات في البحر الأحمر قد يؤدي إلى تأخيرات جسيمة في سلاسل التوريد، ورفع أسعار الطاقة، وزيادة زعزعة استقرار التجارة العالمية، مما يعزز من أهمية الساحل الإريتري الذي تفصله مسافة تبلغ نحو 37 كيلومتراً فقط عن اليمن عند مضيق باب المندب، الذي يمثل نقطة اختناق استراتيجية.
ارتكاز استراتيجي
من جهته يرى الخبير في العلاقات الدولية محمد السيد علي أن تقرير "أفريكوم" يسلط الضوء على الاهتمام الأميركي المتزايد تجاه الاستفادة من السواحل الإريترية، بخاصة في ظل التوترات القائمة في جنوب البحر الأحمر، لا سيما بعد سيطرة "مجموعة الحوثي" على جزر متحكمة في مضيق باب المندب، مشيراً إلى أن إريتريا وجيبوتي يعدان البلدين الأفريقيين المشرفين على المضيق، ومن ثم فإن الترتيبات الأمنية الأميركية تستهدفهما بصورة أساسية، لتوفير مساحة ارتكازات استراتيجية، بجانب الاستفادة من السواحل كممرات آمنة للملاحة الدولية.
ويضيف علي "ما يجعل الأمر مختلفاً، هو التنسيق مع الطرف الإريتري، ففي حين ظلت جيبوتي تستضيف قاعدة عسكرية أميركية دائمة، بجانب قواعد نحو ست دول أخرى، ظلت إريتريا ترفض فتح سواحلها للحضور العسكري الأجنبي، كما شهدت علاقاتها مع واشنطن توتراً متصاعداً خلال العقدين الماضيين أدى إلى فرض عقوبات أميركية مشددة ضدها، مما عرضها للعزلة الدولية".
ضرورات إقليمية
ويقرأ خبير العلاقات الدولية التحركات الأميركية الأخيرة تجاه إريتريا، بما في ذلك جملة من اللقاءات التي جمعت مسؤولين أميركيين مع نظرائهم الإريتريين، جزءاً من الاستحقاقات المتعلقة بضمان السير الآمن للملاحة في البحر الأحمر، وتأمين المصالح الأميركية عبر مضيق باب المندب، مضيفاً أن التقارب فرضته الظروف الإقليمية الراهنة بخاصة تداعيات الحرب في إيران، فيما تسعى أسمرة إلى بناء شراكات دولية تشكل ثقلاً موازناً لتحركات أديس أبابا، فيما يعرف بمشروع النفاذ للبحر الأحمر عبر السواحل الإريترية.
ويلاحظ علي أن ثمة تقاطعاً للمصالح بين أسمرة وواشنطن، فرضته الضرورة الأمنية والإستراتيجية على مستوى الإقليم، ذلك على رغم بعض التحفظات الأميركية تجاه الواقع السياسي الإريتري.
من العزلة إلى الاحتواء
من جهته يرى المتخصص في شؤون منطقة القرن الأفريقي بيهون غيداون أن المشروع الأميركي الهادف إلى إخراج أسمرة من حال العزلة إلى خطط الاحتواء، بدأ في وقت مبكر، عندما أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في عهدتها الأولى تقريراً إستراتيجياً مفصلاً، أوصى بضرورة جر إريتريا إلى منطقة الدفء عوض العزلة، وقد ظهرت حينها مؤشرات لإمكان تطبيع العلاقات.
إلا أن الأمور لم تتقدم كثيراً، بخاصة أن ولاية ترمب كانت قد أشرفت على الانتهاء، كما أن انخراط الجيش الإريتري في حرب تيغراي 2020- 2022 قد دفع الإدارة الديمقراطية برئاسة جو بايدن إلى فرض عقوبات مضافة على المسؤولين الإريتريين، وعزز من فرص العزلة، بحسب وصف غيداون.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى غيداون أن الظروف الحالية تبدو مختلفة إلى حد ما، لجهة ارتباطها بالمصالح الأميركية المباشرة في البحر الأحمر، كما أن أسمرة تواجه مخاوف كبيرة حول تأمين سواحلها، بخاصة بعد الهزيمة الكبيرة التي تعرضت لها "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" من الجيش الإثيوبي، الذي يرابط الآن بالقرب من الحدود الإريترية، مما وضع القوتين في خط تماس واحد، وهو ما ينذر بتضاعف فرص المواجهة المباشرة، ومن ثم يدفع أسمرة إلى ضرورة تعزيز تحالفاتها الدولية والإقليمية.
مصالح متبادلة
ويضيف المحلل الإثيوبي أن أخطار نشوب الحرب بين الطرفين لن تقتصر على خطط الاستيلاء على الموانئ فحسب، بل قد تذهب أديس أبابا إلى تبني إستراتيجية لإسقاط النظام الإريتري، عبر وكلاء إريتريين متحالفين معها، كما هو الحال بالنسبة إلى "قوات سلام تيغراي" المتحالفة مع الجيش النظامي في تيغراي، فإن حرص أسمرة يبدو واضحاً في تبني خطط جديدة، تعنى بتوسيع فرص الحوار وتعزيز المنافع مع الطرف الأميركي، مستفيدة من موقعها الإستراتيجي.
في حين يغض الطرف الأميركي العين مرحلياً عن المطالب المتعلقة بالإصلاح السياسي والاقتصادي في إريتريا، بما في ذلك ملفات حقوق الإنسان، والتداول السلمي للسلطة، التي ظلت واشنطن تشهرها أمام النظام الإريتري خلال العقود الثلاثة الماضية، بحسب غيداون الذي يرى أن الخاسر الأكبر في هذه المعادلة يعد الطرف الإريتري المعارض الذي راهن على دعم المجتمع الدولي، في نضاله من أجل الديمقراطية والحريات.
فرص تجنب الحرب
من جهة أخرى يرى محمد السيد علي أن التقارب الأميركي - الإريتري، بما في ذلك الإشارات الإيجابية الصادرة من الطرف الأميركي حول دور أسمرة في ضمان الاستقرار الإقليمي، له دلالات سياسية مهمة، قد تسهم في تجنيب المنطقة حرباً جديدة، مرجحاً أن أديس أبابا لن تجرؤ على شن حرب خارج حدودها بغرض الاستيلاء على موانئ في السواحل الإريترية من دون الحصول على الدعم الأميركي، بخاصة في ظل الظروف الإقليمية الراهنة، والسعي الأميركي الحثيث إلى تأمين الملاحة الدولية عبر البحر الأحمر.
وتابع المتحدث "صحيح أن ثمة دولاً إقليمية تدفع إثيوبيا للمضي قدماً في مطالب النفاذ إلى البحر الأحمر لأهداف إستراتيجية مشتركة، إلا أن ذلك لا يعد كافياً لأديس أبابا لشن حرب الموانئ، في الأقل خلال الوقت الحالي.
ويتوقع علي أن المطالب الإثيوبية، الخاصة بالوصول إلى البحر الأحمر، قد تستمر لفترة أطول، على المستويين السياسي والدبلوماسي من دون أن تتحول إلى حرب فعلية في الوقت الراهن، مما يخدم التوجه الأميركي العام الهادف إلى ضمان الاستقرار الإقليمي في هذه المنطقة المضطربة والمهمة لمصالحها الإستراتيجية.
ويخلص الخبير في العلاقات الدولية إلى أن القوى الدولية الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، ترى أن المنطقة لم تعد تحتمل صراعات أكثر نطاقاً، لا سيما في ظل التوترات الأمنية الراهنة في البحر الأحمر، ومن ثم فإن الإشارات التي تضمنتها افتتاحية مجلة "أفريكوم" تأتي في هذا السياق الذي يعزز دور إريتريا كطرف مستقر في منطقة مضطربة.