Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف غيّر الاقتراع السري قواعد شراء الأصوات في أميركا؟

مورس هذا السلوك منذ القدم من خلال أساليب مختلفة بدأت بحيلة توزيع النبيذ والشراب خلال تجمعات الناخبين مروراً بعرض الأموال عليهم لاستمالتهم

كان الناخبون الأميركيون قديماً يعلنون خياراتهم إما شفوياً أو بوضع بطاقة ملونة زاهية تمثل حزباً معيناً في وعاء (أ ف ب)

ملخص

مع إعادة توزيع الثروة وتأسيس الولايات المتحدة لدولة الرفاه ونظام ضرائب أكثر تعقيداً، اتهم السياسيون خصومهم بمحاولة رشوة الناخبين بمنحهم أموالاً بصورة غير مسؤولة.

ما يقوم به السياسيون الأميركيون حديثاً من تقديم مكافآت للناخبين ليس جديداً في أميركا، إذ مورس هذا السلوك منذ القدم عبر أساليب مختلفة، إذ بدأت مكافآت الناخبين بحيلة "توزيع النبيذ والشراب" خلال تجمعات الناخبين، مروراً بأسلوب "عرض الأموال" عليهم لشراء أصواتهم، وصولاً إلى فكرة "مكافأة ترمب" في يومنا هذا. أيضاً هناك أساليب كثيرة حديثة توضع تحت الفكرة ذاتها، فيما يَعدّها كثر تحايلاً وتلاعباً على نزاهة الانتخابات. فالمكافأة الانتخابية بجميع أنواعها وأساليبها بالنسبة إلى كثر ما هي إلا سلوك غير قانوني صريح، عدا عن أنه سلوك غير أخلاقي، إذ يمثل بالنسبة إلى معارضيه انقضاضاً مباشراً على "حجر الزاوية" في هذه الانتخابات وهو قانون النزاهة، أو ما يُعرف رسمياً بـ"قانون الاقتراع السري" الذي أقر في جميع الولايات الأميركية رسمياً منذ عام 1900، وطبق منذ ذلك الوقت، ولا يزال العمل به سارياً حتى الآن.

مكافأة الناخب

تسمى فكرة مكافأة الناخب أخلاقياً وقانونياً بما فيها التلاعبات المالية والهدايا الانتخابية "الرشوة"، والرشوة الانتخابية وفق الموسوعة العلمية الأوروبية تعني "شراء الأصوات، أو التأثير في اختيار الناخب مقابل منفعة خاصة". وعلى رغم ذلك، تحايل أهل السياسة على هذه التسمية، إذ يطلقون عليها اسماً مختلفاً تماماً، وهو "وسائل أو طرق الانتصار" في الانتخابات. وفي هذا السياق أكد المؤرخ والأكاديمي أندرو غوثورب أن "للرشوة تاريخاً طويلاً في السياسة الأميركية"، مع الإشارة إلى أنها كانت في الماضي، تحديداً خلال الفترة ما بين 1758 -1920 أكثر وضوحاً من أي وقت آخر.

وعام 1888 ظهرت مسودة قانون الاقتراع السري الأميركي، وكان هناك نوعان من الرشوة الانتخابية التي تقدم على شكل مكافأة للناخبين وقتها، هما "استخدام النبيذ خلال التجمعات الانتخابية وعرض المال على الناخبين". ويؤكد غوثورب، وهو محاضر في التاريخ والدراسات الدولية في "جامعة لايدن" الهولندية أن هذين النوعين من المكافآت الانتخابية اختفيا بصورة شبه تامة بعد فترة زمنية وجيزة من ظهور وإقرار قانون الاقتراع السري في أميركا.

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي من العام الحالي أعيد إحياء هذه الفكرة، عقب الإعلان عن "مكافأة ترمب" التي بلغت قيمتها 5000 دولار لكل ناخب أميركي، إذ كانت المكافأة مشروطة بفوز الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي. وبناء عليه، أكد غوثورب أن "حقبة نزاهة الانتخابات الأميركية الحقيقية التي استمرت لفترة زمنية طويلة، تعرضت أخيراً لاختبار نزاهة جديد". وفي هذا السياق أكد موقع "كونفرسيشن يو كي" أن "السياسيين الأميركيين الحديثين الذين يمارسون المكافأة الانتخابية يستندون إلى حادثتين معينتين من تاريخ أميركا، الأولى وهي الأشهر كانت استخدام أول رئيس للولايات المتحدة جورج واشنطن حيلة النبيذ عام 1758، عندما ترشح لعضوية المجلس التشريعي الاستعماري لولاية فرجينيا للمرة الأولى". وأما الحادثة الثانية، فتمثلت في عرض المال على الناخبين مقابل التصويت لهم في ما يسمى "حقبة المال والفساد" التي ظهرت خلال عشرينيات القرن الماضي.

في العصر الاستعماري

أثناء العصر الاستعماري الأميركي، هناك حكايات عدة تُحكى عن كيفية تشكل العلاقة أولاً بين الخمر والانتخابات. والمقصود بالعصر الاستعماري الأميركي، الفترة التي كانت فيها أراضي الولايات المتحدة مستعمرات أوروبية، إذ كانت الانتخابات في ذلك الوقت وفي بدايات تاريخ الجمهورية، من المناسبات النادرة التي يجتمع فيها الذكور البالغون في المجتمع في مكان واحد، ولم يكُن لأحد غيرهم حينها حق التصويت. لذلك، "غالباً ما كانت هذه التجمعات تتحول إلى مهرجانات صاخبة، مما أوحى للمرشحين الطموحين بفكرة، ربما يستطيعون التأثير في خيارات الناخبين عبر تقديم المشروبات الكحولية لهم، ثم حثّهم على التصويت لمصلحتهم".

وفي هذا السياق، أكد غوثورب أن "جورج واشنطن نفسه استخدم هذه الحيلة عندما ترشح لعضوية المجلس التشريعي الاستعماري لولاية فرجينيا عام 1758"، إذ تشير بعض السجلات التاريخية إلى أنه "قدم للناخبين 35 غالوناً من النبيذ، و43 غالوناً من البيرة القوية وعصير التفاح، وكمية مذهلة بلغت 95 غالوناً من مشروب البانش الكحولي". والطريف أنه، على رغم ذلك، كتب إلى مدير حملته الانتخابية معرباً عن قلقه من عدم كفاية ما قدم، لكن المصادر ذاتها أكدت أنه حقق فوزاً ساحقاً.

مصير ماديسون؟

بعد كل ما قدمه إلى الناخبين من هدايا ومكافآت، كان جورج واشنطن الذي لم يكُن جمهورياً ولا ديمقراطياً حينها، لا يزال خائفاً من التعثر أمام منافسه جيمس ماديسون، إذ ركز ماديسون بدوره على ضرورة التزام المرشحين الجانب الأخلاقي من المعركة الانتخابية. وفي هذا السياق، يقول غوثورب "كان رفض المشاركة في هذه الحيلة بالنسبة إلى جورج واشنطن يعني الخسارة المؤكدة. فعام 1777، عندما ترشح جيمس ماديسون لعضوية المجلس نفسه في فرجينيا، أعلن أن المنافسة الانتخابية يجب أن تعكس نقاء المبادئ الأخلاقية والجمهورية بدلاً من أن تكون فوضى عارمة تغذيها الكحول"، ولكن في النهاية خسر جيمس ماديسون الانتخابات، أمام فكرة "فتح صنابير الكحول مجاناً للجميع". وربما يكون هذا هو الدرس الذي تعلم منه السياسيون الأميركيون حديثاً، وهو أن المكافأة الانتخابية، حتى لو كانت مثيرة للشبهات، فإنها تظل أفضل محاولة لتجنب مصير المرشحين الملتزمين أخلاقيات الانتخاب الديمقراطي.

حقبة المال والفساد

وفي بداية عشرينيات القرن الماضي، لم يعُد الأمر يقتصر على الكحول فقط، بل عرض المرشحون على الناخبين المال أيضاً، وقال غوثورب عن ذلك "شجعت على هذه العملية حقيقة أن التصويت، على مدى جزء كبير من التاريخ الأميركي، لم يكُن شأناً خاصاً كما هو عليه اليوم. ولفترة طويلة، كان الناخبون يعلنون خياراتهم إما شفوياً أو بوضع بطاقة ملونة زاهية تمثل حزباً معيناً في وعاء. وكان هذا يحصل على مرأى من الجميع، مما مكّن مشتري الأصوات من ضمان حصولهم على مقابل لاستثمارهم". ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الممارسة "مؤسسية" على نطاق واسع في بعض المناطق، إذ كشف تحقيق أجري في مقاطعة آدامز بولاية أوهايو خلال عشرينيات القرن الـ20 عن أن بيع الأصوات كان منتشراً في بعض المناطق، أكد ذلك التحقيق أن "ناخباً ذكياً" تمكّن من بيع صوته إلى ثلاثة مرشحين مختلفين في الانتخابات ذاتها.

هل يواصلها ترمب؟

وأوردت المقالة التي نشرت في موقع "كونفرسيشن يو كي" توضيحاً لأصول فكرة المكافأة الانتخابية، وبيّنت المقالة أنها تعود لفترة زمنية قديمة من تاريخ أميركا، مما يعني أن "مكافأة ترمب" ليست بدعة ابتدعها الرئيس الحالي للولايات المتحدة، إذ يشير الموقع تحديداً إلى تلك الفترة الزمنية الأولى من تاريخ الانتخابات الأميركية التي ظهر فيها هذا النوع من مكافآت الناخبين، وهي فترة طويلة من تاريخ أميركا امتدت من عام 1758 حتى عام 1920. وجاء ضمن المقالة التي نشرت في الـ11 من سبتمبر (أيلول) الماضي بعنوان "للرشوة تاريخ طويل في السياسة الأميركية - فهل يواصلها دونالد ترمب؟"، وهي للمؤرخ أندرو غوثورب، "هذا الأسبوع، قدم دونالد ترمب عرضاً للناخبين الأميركيين، يأمل في ألا يرفضوه. إذا فاز حزبه الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، فسيحصل كل مواطن بالغ على مكافأة ترمب بقيمة 5000 دولار أميركي".

وأوضح غوثورب مبررات عرض هذه المكافأة السخية التي تعادل مبلغ 3700 جنيه إسترليني لكل ناخب "تتراجع شعبية الحزب الجمهوري مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ومن الواضح أن الرئيس الأميركي يأمل في أن يكون المال هو الحل. لكن هذا العرض أثار على الفور اتهامات بأنه يحاول رشوة الناخبين لدعم حزبه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هل هذا صحيح؟

ويسأل غوثورب عن السبب الذي قد يحول الوعود الانتخابية إلى رشوة، وهو يقرّ ضمنياً بأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون معقدة، ولكنه يفسر ذلك الرأي بالقول "غالباً ما يَعِد المرشحون بإجراء تغييرات في الضرائب والإنفاق تعود بالنفع المالي على الناخبين. وقد وعد ترمب بمكافأة لكل مواطن بالغ، وليس فقط لمن صوتوا له". ويلفت إلى أن خطاب ترمب بدا وكأنه يصور هذه المكافأة على أنها مكافأة سيمنحها للبلاد على تصويتها الصحيح، إذ لم يربط الرئيس وعده بأي هدف سياسي محدد سوى فوز حزبه. ثم يضيف "لا تملك الإدارة خطة واقعية لتمويل ذلك، ولا تملك الصلاحية القانونية لوضع خطة من دون موافقة الكونغرس". وفي نهاية الشرح يرى غوثورب أن "كل هذه العوامل مجتمعة تجعل الأمر يبدو أقرب إلى رشوة منه إلى وعد انتخابي عادي".

فترة دعاة الإصلاح

من جهة ثانية، أكد غوثورب أنه طوال القرن الـ19 "سعى دعاة الإصلاح الانتخابي إلى إدخال الاقتراع السري الذي يُعد اليوم حجر الزاوية في الديمقراطية الأميركية". لكن التقدم في تطبيق القانون ظل بطيئاً للغاية خلال الفترة الانتقالية بين مرحلة النزاهة الانتخابية وحتى مرحلة عودة "المكافأة" للانتخابات الحالية. ويرجع ذلك أيضاً إلى أن معظم الولايات الأميركية اعتمدت قانون الاقتراع السري بحلول عام 1900، إلا ولايات تأخرت في قبول القانون، فولاية كارولاينا الجنوبية لم تقرّ القانون إلا بعد مرور نصف قرن على تطبيقه في ولايات أخرى، إذ بدأ العمل بالقانون هناك عام 1950، لتتشكل بعد ذلك سياسة جديدة وحقيقية للتصويت في الانتخابات الأميركية.

سياسة للأصوات؟

من المؤكد أن الاقتراع السري جعل عمليات شراء الأصوات "الموثوقة" أمراً صعباً للغاية، لذا تلاشت الممارسات القديمة، غير أنها ظهرت حديثاً ضمن صورة جديدة، بعد "إعادة توزيع الثروة، وتأسيس دولة الرفاه مع نظام ضرائب أكثر تعقيداً"، إذ اتهم السياسيون الأميركيون الجدد خصومهم بمحاولة رشوة الناخبين ومنحهم أموالاً بطريقة "غير مسؤولة" مقابل التصويت لهم. وعلى سبيل المثال عزا المرشح الجمهوري للرئاسة عام 2012 ميت رومني خسارته أمام باراك أوباما إلى نوع من "هدايا" موعودة، قدمها الأخير إلى الأقليات. لكن مؤيدين لأوباما ردّوا على ذلك الاتهام موضحين أن الوعد بتغيير المعاشات التقاعدية الحكومية أو معدلات ضريبة الدخل يختلف تماماً عن منح الناخبين "غالوناً من الروم أو 10 دولارات أميركية" مقابل ما يسمونه "تصويتاً صحيحاً".

المزيد من تقارير