Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين الراقي الدجال والروائي الجديد

علينا بدءاً أن نقر بأن الكاتب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعاني عقدة الإطراء

 روايات المؤثرين الجدد نصوص فقيرة فلسفياً، تقرأ مرة واحدة ثم تلقى في سلة المهملات الأدبية (أ ف ب)

ملخص

ما يسمى برموز اليوم، من سلالة المؤثرات والمؤثرين، بشراً ونصوصاً، لا يمكنها أن تعمر أكثر من بضعة أشهر، ليجيء عليها المحو والنسيان والتناسي، وتظهر رموز أخرى بديلة عنها، وبهذا يمكننا أن نسميها الرموز الفقاعات، وأمام الإيقاع المتهافت لسقوط الرموز الجديدة، تواصل الرموز القديمة القادمة من عمق التاريخ حياتها داخل الذاكرة البشرية، في الآداب والسينما والموسيقى. 

شيء غريب يحدث في حقل الأدب العربي والمغاربي، وبخاصة في كتابة الرواية في أيامنا الأدبية هذه، من انقلاب في القيم والرؤية ومفهوم الامتاع.

علينا بدءاً أن نقرّ بأن الكاتب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعاني عقدة الإطراء، وهذا الأمر الخفيف الذي لا يحتمل عبئه، إذ يعيش الكاتب في منطقتنا الثقافية منذ كتابه الأول محاصراً بمجاملات مبالغ فيها تقتله بالبارد، أي القتل برصاص من حرير.

إن طغيان خطاب الإطراء الرخو في الممارسات الثقافية يفرض حالاً من تراجع الخطاب النقدي الجاد، فيصبح النقد هامشاً ومهمشاً، ولقد عظّمت المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تأخذ مكان "النقد"، من ظاهرة "الإطراء".

إن ولوج ما اصطلح على تسميتهم "صناع الأفكار" أو "المؤثرين" ميدان الكتابة الروائية فرّخ خطابات عدة من "الإطراء" الأعمى، إذ أصبحت الرواية بخاصة فضاء للتباري المحموم، ودخلت الكتابة السردية لعبة "العميان"، وجراء هذه اللعبة البهلوانية أصبح الكاتب يشبه إلى حد كبير "الراقي" توأم "المهرج"، ذاك الذي يلجأ إلى استعمال المداخل الدينية في خطابه الطبي المشبوه، وبالأساس الاعتماد بصورة واضحة على تلاوة القرآن الكريم وبعض الأحاديث النبوية، من خلال تأويل مغلوط ومقصود، تراد منه الهيمنة السيكولوجية المطلقة على المريض وجيبه، وكذلك يفعل بعض المؤثرين والمؤثرات الذين اقتحموا ميدان الكتابة الأدبية، أو أولئك الكتّاب الذين يطمحون إلى أن يكونوا بدورهم مؤثرين، وهم كُثر، من خلال الاستثمار في أمور أخرى، ففي ظل هذا الواقع الثقافي والأدبي اللاهث، لا تسمع على أفواه الكتّاب الجدد إلا عبارة "أنا أكتب رواية فنتازيا"، وكأن الفنتازيا لعبة معلّقة في الفراغ ومنفصلة عن التاريخ والمجتمع والفلسفة والقراءة، إذ أصبحت الرواية في منظورهم تتوقف فقط على خلق عوالم مثيرة، يدخل فيها السحر والعجائبية التي لا علاقة لها بفلسفة "الفانتاستيك" كما نقرأها في قصص خورخي لويس بورخيس، أو محمد ديب، أو هاروكي موراكامي وغيرهم، تلك العجائبية التي تحيل إلى الواقع، مستندة على أساليب وطرق جمالية ذكية، ومؤسسة على قراءة عميقة لكلاسيكيات الآداب العالمية، والفلسفات والديانات والثقافات الشعبية.

روايات المؤثرين الجدد هي نصوص فقيرة فلسفياً، تقرأ مرة واحدة ثم تلقى في سلة المهملات الأدبية، روايات تفتقر إلى اللغة المتينة والحبكة المقنعة والبناء المحكم الذي يثير الدهشة.

وحول رواية المؤثرين والمؤثرات التي تنتمي إلى سوق الاستهلاك السريع واللاهث، تحول المعجبون والمعجبات إلى نقاد، إذ أصبح صوت "المعجبين" بديلاً عن صوت الناقد الأدبي الذي اختفى نهائياً، بل أصبح رأيه مثيراً للسخرية!

لم تتجرأ الجامعات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبصورة جادة حتى الآن، على درس ظاهرة هذه الرواية، وتفكيك أسباب انتشارها في أوساط شباب مرتبط أكثر فأكثر بالصورة والاختصار، ولأنها عجزت عن متابعة هذا التطور، فإنها تختصر خطابها الجامعي المرتبك بالقول: هذه الرواية لا تسحق الدرس، وهذا موقف هرب من واقع ثقافي قائم، ومن سوق أدبية الاختلال فيها بيّن، سوق تفرض ذائقة متغيرة بصورة سريعة.

إن صوت الإعجاب والإطراء الذي يصدر عن فيالق المتابعين والمتابعات، وجحافل المعجبين والمعجبات، للكتّاب المؤثرين، يشبه إلى حد كبير صوت مشجعي نوادي كرة القدم في الملاعب، وفي ظل هذا اللغط الثقافي يختفي صوت الناقد العالِم، ومعه يختفي القارئ الهادئ، وتدخل المرحلة التاريخية الثقافية والذوقية برمتها نوعاً من النفاق الأدبي، القائم على المجاملات والانسياق القطيعي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تفرز "ثقافة الإطراء والإعجاب" العمياء ظاهرة خطرة، إذ إنها تزحف على بعض الميادين التي كانت إلى زمن غير بعيد محصنة بتقاليد معينة، جمالية وفلسفية وتقنية، إذ أصبحت ثقافة الإعجاب "القطيعي" التي تصنع صنماً جديداً من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، مؤثرة في السينما والإعلام التقليدي، التلفزيون والإذاعة، فبعد أن زحف المؤثرون على الرواية ها هم يزحفون على السينما، ويظهر ذلك في لجوء كثير من المخرجين إلى اختيار بعض الممثلات والممثلين من قبيلة هؤلاء المؤثرين والمؤثرات، بحجة استقطاب الجمهور وتكريس فعل التأثير والانتشار، وهو ما سيعود لاحقاً بالسلب على السينما، إذ إن التمثيل يخضع لمقاييس أخرى لا علاقة لها بالتأثير، فتأثير الممثل الناجح ناتج من جهد واجتهاد من داخل العمل السينمائي نفسه، أما تأثير المؤثر فهو تأثير قادم من خارج السينما، والأمر نفسه يعيشه الإعلام المرئي والمسموع، حين يلجأ بعض القنوات التلفزيونية والإذاعات إلى اختيار بعض المؤثرات أو المؤثرين لتقديم برامج مختلفة، من فنية ورياضية وترفيهية، وحتى الطبخ، فيبدو البرنامج مصطنعاً، والناس لا ينتظرون البرنامج، بل مقدم أو مقدمة البرنامج.

هذا الوضع الثقافي والفني والإعلامي والأدبي ينتج أيضاً ظاهرة النرجسية المرضية التي تفرّغ الأدب والفن من جمالياته وفلسفته، وفي الوقت نفسه يغرق الفضاء الثقافي في أمراض أخلاقية تصنف في باب القدح أو الحسد.

هذا العالم المريض بظاهرة المثقف "المؤثر" ينتفي فيه الرمز الذي يكرّس مفهوم الأمة، ويغرس قيماً ثقافية وفلسفية تعيش طويلاً، فإذا كانت الرموز الثقافية والأدبية العريقة قد عاشت قروناً، ولا تزال ساكنة في الذاكرة الإنسانية، بشراً ونصوصاً خالدة من أمثال سرفانتيس، أو المتنبي، أو تولستوي، أو شكسبير، أو امرؤ القيس، أو فيكتور هوغو، أو موليير، أو أم كلثوم، أو ليندا دي سوزا، أو فيروز، أو ألف ليلة وليلة، أو الأوديسا، أو الشاهنامة، أو الحمار الذهبي، أو الكوميديا الإلهية، أو رسالة الغفران، أو رباعيات الخيام، ففي المقابل نجد أن ما يسمى برموز اليوم، من سلالة المؤثرات والمؤثرين، بشراً ونصوصاً، لا يمكنها أن تعمر أكثر من بضعة أشهر، ليجيء عليها المحو والنسيان والتناسي، وتظهر رموز أخرى بديلة عنها، وبهذا يمكننا أن نسميها الرموز الفقاعات، وأمام الإيقاع المتهافت لسقوط الرموز الجديدة، تواصل الرموز القديمة القادمة من عمق التاريخ حياتها، في الذاكرة البشرية والآداب والسينما والموسيقى. 

اقرأ المزيد

المزيد من آراء