ملخص
أدت حرب أوكرانيا والعقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الروسي، ثم حرب إيران والمشكلات التي تواجه الصادرات من الخليج عبر مضيق هرمز إلى تغييرات كبيرة في مسارات الطاقة العالمية.
قبل عام أو أكثر تقريباً، كان قطاع الطاقة في قارة أفريقيا يعاني ضعف الاستثمارات أو انعدامها في مجال استكشاف النفط والغاز والتنقيب عنهما، في ظل تراجع إنتاج الآبار الموجودة.
وكانت شركات الطاقة الكبرى في العالم تتردد في دخول قطاع الطاقة في أفريقيا لأسباب عدة، لا تتعلق فقط بشكل عقود المشاركة في الإنتاج، لكن أيضاً بالجدوى الاقتصادية، في ظل سياسات بيئية عالمية تستهدف التقليل من استخدام الوقود الأحفوري.
وإلى جانب سياسات مكافحة التغيرات المناخية والتحول إلى الطاقة المستدامة من مصادر أخرى، لم تكن الشركات العالمية تجد جدوى اقتصادية مهمة من الدخول في قطاعات النفط والغاز بالدول الأفريقية، في الوقت الذي تركز فيه على الاستثمار في الطاقة المتجددة. ويضاف إلى ذلك التحليلات التي بدأت تتحدث عن وصول الطلب على النفط إلى ذروته، وبدء منحنى نموه في التراجع.
لكن مع التغيرات التي شهدها قطاع الطاقة العالمي في الأعوام الأخيرة، من تباطؤ التحول في مجال الطاقة بعيداً من الوقود الأحفوري، واستمرار نمو الطلب العالمي على النفط والغاز، بدأت الشركات العالمية تعديل سياساتها.
أدت حرب أوكرانيا والعقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الروسي، ثم حرب إيران والمشكلات التي تواجه الصادرات من الخليج عبر مضيق هرمز، إلى تغييرات كبيرة في مسارات الطاقة العالمية.
وأعاد كل ذلك الاهتمام إلى أفريقيا، بخاصة مع اتجاه مستوردين في آسيا إلى الاعتماد على النفط القادم من غرب أفريقيا بديلاً عن الإمدادات التي غابت من الخليج، لا سيما مع استمرار نمو الطلب العالمي على النفط والغاز، على عكس توقعات البعض بوصوله إلى ذروته.
صورة جديدة للتعاقدات
شهد العام الأخير، حتى الآن، عودة قوية لشركات الطاقة العالمية الكبرى إلى أفريقيا، من خلال عقود استكشاف أضافت إلى سجلات تلك الشركات مساحات واسعة من مناطق الامتياز البحرية والبرية، بحسب ما أشار إليه تقرير لشركة "أس أند بي غلوبال".
وظهر ذلك جلياً في مؤتمر "أسبوع الطاقة الأفريقي"، الذي عُقد في كيب تاون بجنوب أفريقيا هذا الأسبوع.
وتميز المؤتمر بعرض الدول الأفريقية فرصاً أمام شركات الطاقة العالمية الكبرى للاستكشاف في أراضيها ومياهها الإقليمية.
وقدم الوزراء والمسؤولون عن الطاقة، من السنغال والجزائر إلى ناميبيا وأوغندا، إغراءات استثمارية للشركات النفطية لدخول قطاعات الطاقة في بلدانهم.
ومن أبرز هذه الإغراءات عرض شكل جديد من التعاقدات مع الشركات العالمية، يتمثل في مذكرات تفاهم تتضمن التزامات أقل بكثير، وتتيح فحص البيانات الجيولوجية في مناطق الامتياز البحرية المعروضة. وبدأت الشركات الكبرى الاستفادة من هذا الشكل الجديد للتعاقدات لمسح مساحات واسعة من القارة الأفريقية ضمن مشروعات استكشاف النفط والغاز.
وتعني تلك التعاقدات أن الدول الأفريقية تمنح الشركات حق إجراء المسح وتحليل البيانات المتاحة، أي الاستكشاف، من دون فرض التزامات صارمة بالاستثمار في التنقيب والإنتاج وتقاسم العائدات مع الدول، وفق الطريقة التقليدية لعقود منح الامتيازات.
وأدى ذلك إلى ما وصفه مراقبون لقطاع الطاقة في أفريقيا بأنه "نهضة استكشافية"، بعد أعوام من ابتعاد الشركات العالمية عن القارة السمراء، بخاصة في أعقاب الحملات التي شنتها جماعات بيئية على مشروعات الطاقة في أفريقيا، مثل مشروع شركة "توتال إنرجي" لمد خط أنابيب "إيكوب" في شرق أفريقيا.
عودة صفقات الاستكشاف
شجعت العقود الجديدة الشركات العالمية الكبرى على عقد صفقات مع الدول الأفريقية للاستكشاف، ما دام ذلك لن يلزمها بالاستثمار في التنقيب والاستخراجـ فعلى سبيل المثال، وقعت شركة "إكسون موبيل"، منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مذكرة تفاهم مع الغابون لفحص فرص الاستكشاف في مناطق امتياز بحرية، ووقعت شركة "شل" مذكرة للبحث والفحص مع سيراليون.
كذلك نشطت شركة "إيني" الإيطالية في عقد صفقات مماثلة، إذ وقعت الشركة مذكرات تفاهم مع سيراليون وغينيا كوناكري وغينيا الاستوائية.
وقعت شركتا "توتال إنرجي" و"شيفرون" صفقات مع ليبيريا وغينيا الاستوائية. ووقعت أيضاً شركتا "بتروبراس" و"بي بي"، وغيرهما، صفقات مماثلة في شأن مناطق امتياز واسعة في أفريقيا.
وتستفيد الشركات من ميزة التعاقدات الجديدة التي لا تتضمن أي التزامات بالتنقيب، على عكس الشكل السابق للاتفاقات التي تتضمن منذ البداية تقاسم الإنتاج والعائدات مع الدول. لكن الدول تستفيد أيضاً من احتمالات زيادة إنتاجها بعد نضوب الآبار القديمة وتراجع الإنتاج.
تعد تلك الصفقات مهمة لدولة مثل غينيا الاستوائية، التي تراجع إنتاجها من النفط الخام من ذروته في عام 2005، عندما بلغ 380 ألف برميل يومياً، إلى 50 ألف برميل يومياً فقط حالياً، بسبب ضعف الاستثمارات في قطاع النفط ونضوب الآبار ومحدودية عمليات الاستكشاف.
وعلى هامش مؤتمر كيب تاون، تحدث وزير الطاقة في غينيا الاستوائية، أنطونيو أوبورو أوندو، إلى الصحافيين، مشيراً إلى أن صفقات الاستكشاف الجديدة تستند أساساً إلى بيانات جيدة. وأضاف أن تلك الاتفاقات "أداة لتركيز الشركات على فحص الوضع الجيولوجي وتدقيقه... وبالنسبة إليّ، فهي أداة مهمة جداً لأنها تحقق ما تريده الشركات".
تسمح تلك الصفقات للشركات بتقييم مساحات بحرية واسعة من دون أي التزام في شأن ما تحويه تلك المساحات من نفط أو غاز. وأضاف الوزير الغيني أن "الالتزام بالتنقيب يحتاج إلى الاعتماد على المعلومات. لذا، بدلاً من إثقال كاهل الشركات بالمزيد من الالتزامات التي يمكن أن تعوق عملها، أزلنا كل تلك العقبات حتى يكون الطريق إلى التنقيب والاستخراج ممهداً".
واتفق فاداي مانسراي، وهو أكبر مسؤول نفطي في سيراليون، مع هذا الطرح، مضيفاً أنه "لا حاجة إلى وضع بند في شأن التنقيب في العقود إذا كان ذلك سيؤثر سلباً في المستثمرين وعلينا، فلا أحد يريد التنقيب في منطقة خالية".
مدى استفادة الدول
لا يتفق الجميع في أفريقيا مع أهمية عقود فحص البيانات تمهيداً للاستكشاف، إذ يرى بعض المسؤولين في شركات النفط الوطنية أن مثل تلك الصفقات مفيدة لشركات الطاقة العالمية الكبرى أكثر منها للدول، لأنها لا تضمن أي استثمارات من جانب الشركات العالمية في القطاع.
وفي مقابلة مع موقع الطاقة العالمي "بلاتس"، على هامش أسبوع الطاقة الأفريقي في كيب تاون، قال الأمين العام لمنظمة منتجي النفط في أفريقيا، فريد غزالي، إنه عازم على دعم شركات النفط الوطنية وتقوية موقفها التفاوضي مع شركات الطاقة العالمية الكبرى، لضمان استفادة الدول المعنية من تطوير الموارد الهيدروكربونية.
وأعلن غزالي أن منظمته ستطرح "استراتيجية جديدة في شأن طريقة الشراكة مع شركات النفط العالمية. إننا بحاجة إلى مزيد من الالتزام"، مشيراً إلى أن الشركات العالمية لم تلتزم في السابق بتعهدات اتفاقات التنقيب وحفر الآبار.
وتأتي هذه الانتقادات في ظل مخاوف من أن تكون الاتفاقات الجديدة أكثر فائدة للشركات العالمية منها للدول المعنية، وفقاً لما ذكره مصدر في شركة نفط أفريقية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع أزمات قطاع الطاقة المتكررة، من حرب أوكرانيا إلى حرب إيران، تسعى شركات الطاقة العالمية إلى استغلال موارد جديدة للطاقة، تختلف عن المصادر التقليدية في الشرق الأوسط وغيره.
وذكر رئيس قطاع النفط البحري في شركة "شيفرون"، برنت غروس، في حديثه إلى الصحافيين على هامش مؤتمر كيب تاون، أن الاتفاقات الجديدة "تمثل بالنسبة إلينا جوانب إيجابية، مثل تنويع حيازتنا من امتيازات المناطق. وتعمل شركتنا في أنحاء العالم، وهناك 5 في المئة من إنتاجنا في الشرق الأوسط... وهذا ما يجعل الإنتاج من بقية العالم في غاية الأهمية لنا".
وأضاف غروس أن "أفريقيا تتمتع بميزة تصديرية مهمة، كما أنها غنية بالموارد، وشهدنا تحسناً ملحوظاً في المناخ الاستثماري والمالي. وعلى مدى العامين الأخيرين، أضفنا نسبة 70 في المئة من مساحات الاستكشاف إلى حيازتنا في أفريقيا".
وتأمل الدول الأفريقية أن تؤدي الإغراءات التي تقدمها لشركات الطاقة العالمية الكبرى إلى مزيد من الاستثمارات الخارجية في قطاع الطاقة. ويلتقي ذلك مع سعي تلك الشركات إلى توسيع حيازتها من مناطق الاستكشاف في القارة السمراء، من دون أي التزامات من جانبها بالاستثمار في التنقيب والإنتاج.
ويبقى من غير الواضح ما إذا كانت استفادة الدول الأفريقية من تداعيات حرب إيران ستتجاوز مجرد لجوء مصافي النفط في آسيا، بخاصة في الصين، إلى الاستيراد من دول غرب أفريقيا، بعد توقف بعض إمداداتها من الخليج.