Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الزحام المروري في عمّان... اختناق وخسارة

أصبح ثاني أكثر القضايا إلحاحاً بعد البطالة وتخسر العاصمة الأردنية بسببه ملياري دولار سنوياً

الباص السريع أسهم في تخفيف الأزمة المرورية في العاصمة لكنه لم ينهها (بترا)

ملخص

تعادل قيمة الخسائر المترتبة على الازدحام جراء التأخير وهدر الوقود في العاصمة عمّان استناداً إلى تقديرات أمانة عمّان الكبرى نحو 4.75% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2022.

تواجه العاصمة الأردنية عمّان معضلة الازدحام المروري منذ أعوام، لكنها تحولت أخيراً إلى ملف ضاغط ومؤرق للمواطن وأصحاب القرار على قدم المساواة، مما دفع منتدى الإستراتيجيات الأردني إلى إطلاق جرس الإنذار والتحذير من كلف اقتصادية باهظة إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه.

رحلة معاناة يومية

تحولت رحلة الذهاب إلى العمل صباحاً في العاصمة عمّان إلى معاناة يومية تبتلع ساعات طويلة من أعمار الموظفين والباحثين عن أرزاقهم. يقول عماد، الموظف في احدى الشركات الخاصة، إنه يغادر منزله في منطقة صويلح باتجاه مقر عمله الذي لا يبعد سوى أربعة كيلومترات، لكن هذه الرحلة تستغرق ثلاثة أرباع الساعة. بينما يتحدث محمد عن إهدار نحو ثلاث ساعات ذهاباً وإياباً يومياً خلال تنقله في وسائل النقل العام للوصول إلى جامعته.

 ويقول مراقبون إن أزمة المرور تحولت إلى ثاني أكثر القضايا إلحاحاً لدى سكان العاصمة بعد البطالة، متقدمة على الخدمات والفساد والصحة والسكن، وينبغي أن تواجه بحلول عملية غير تقليدية، وبخاصة أن كلفة هذا الملف اقتصادياً تدحرجت لتصل إلى نحو 1.5 مليار دينار سنوياً (ما يزيد على 2 مليار دولار). مما يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة حول زيادة عدد الطرق، وكثرة عدد السيارات والاعتماد على المركبات الخاصة، وكفاءة النقل العام، وإدارة حركة السير.

يشير مدير عمليات المرور في أمانة عمّان الكبرى شادي الرواشدة، إلى أن دور أمانة عمّان الكبرى يتمثل في إدارة الحركة المرورية بأقصى كفاءة ممكنة، وتحسين انسيابية السير، وتعزيز السلامة على الطرق بالتنسيق مع الجهات المعنية، مع مواصلة تنفيذ الحلول القصيرة والطويلة المدى.

يضيف الرواشدة "لا يمكن القضاء على الازدحام المروري كلياً في المدن الكبرى، لكن الجهود تركز على إدارة السير بأعلى كفاءة لتقليل أوقات التنقل، وتحسين السلامة الطرقية، وزيادة الموثوقية في الوصول إلى الوجهات".

ماذا تقول الأرقام؟

تؤكد أرقام دراسة أطلقها منتدى الإستراتيجيات الأردني، أن 61 في المئة يرون أن الازدحام أولوية ملحّة بعد ملف البطالة، وفق مؤشر المدن الذكية.

 وتعادل قيمة الخسائر المترتبة على الازدحام جراء التأخير وهدر الوقود في العاصمة عمّان استناداً إلى تقديرات أمانة عمّان الكبرى نحو 4.75 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2022.

ويظهر تحليل المنتدى لبيانات خرائط Google أن الازدحام قد يضيف نحو 40 دقيقة إلى كل رحلة طولها 12 كيلومتراً، أي أن زمن الرحلة قد يصبح ثلاثة أمثال زمنها خارج أوقات الازدحام.

والأهم هو ارتفاع عدد المركبات المسجلة في المملكة إلى 2.12 مليون مركبة في 2025، بزيادة 33.6 في المئة مقارنة بعام 2017.

يفسر مدير الأبحاث والدراسات في منتدى الإستراتيجيات الأردني غسان أومت هذه الأرقام بقوله، إن كلفة الأزمات تتمثل بالهدر في استهلاك الوقود، وزيادة التلوث البيئي، والتوتر النفسي، مشيراً إلى أرقام صادمة للكثافة المرورية في عمّان، حيث يوجد 150 مركبة لكل 1000 مواطن (بإجمال نحو 2.1 مليون مركبة لـ12 مليون نسمة). وهذا الرقم سيرتفع إلى 433 مركبة مسجلة في العاصمة لكل ألف مواطن، ليتجاوز بذلك دولاً أخرى مجاورة. في حين أن 85 في المئة من حوادث الإصابات البشرية تقع في الشوارع التي تتراوح السرعة المقررة فيها بين 40 و60 كيلومتراً في الساعة فقط.

أين يكمن الازدحام؟

تشير الدراسات إلى أن أشد المستويات تتركز في نطاق جغرافي محدود داخل العاصمة الأردنية تبلغ مساحته نحو 65 كيلومتراً مربعاً، ويضم النطاق نحو 12 طريقاً رئيساً بطول يقارب 60 كيلومتراً. ويتقاطع مع مناطق تركز إداري واقتصادي وخدمي مرتفع. هذا النطاق يضم في المتوسط نحو 125 منشأة و9200 عامل لكل كيلومتر مربع. وتقع فيه أكثر من 80 مؤسسة وجهة حكومية، من بينها 17 وزارة، مع وجود 10 وزارات ضمن مساحة أربعة كيلومترات مربعة فقط.

تتيح هذه الأرقام تفسيراً منطقياً للازدحام، فالعاصمة الأردنية لا تواجه مشكلة في عدد المركبات، وإنما مشكلة تزامن الوصول إلى وجهات محدودة. حيث يتجه موظفو الوزارات والجامعات والمستشفيات والشركات والمراجعون إلى النطاق نفسه في ساعات متقاربة، ويتقاطع ذلك مع حركة المدارس والتسوق والتوصيل والمركبات العمومية.

يعتقد متخصص المرور والنقل أحمد العمري، أن مشكلة الازدحام المروري في عمان سببها الأساس عدم التوازن بين الطلب المروري وقدرة شبكة الطرق، موضحاً أن التوسع الحضري السريع والنمو السكاني تفوقا على وتيرة تطوير البنية التحتية، مما أدى إلى زيادة أحجام المرور التي تثقل كاهل الشوارع والتقاطعات في المدينة.

يشار إلى أن عدد سكان العاصمة عمّان تضاعف كثيراً خلال العقدين الأخيرين بأكثر من مرتين، حيث ارتفع إجمال السكان من نحو 2.2 مليون نسمة إلى نحو 5 ملايين، ويتركز ما يقارب 42 في المئة من سكان الأردن في العاصمة وحدها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نتج ذلك من الهجرات القسرية وتدفق اللاجئين من دول مجاورة، ففي الأزمة العراقية عام 2003 وما بعدها استقبلت عمّان أعداداً كبيرة من العراقيين الذين انتقلوا للسكن والاستثمار في العاصمة. وفي عام 2011 نشبت الأزمة السورية فشهدت عمان تدفقاً واسعاً للاجئين السوريين، حيث فضل معظمهم الاستقرار في المدن وفي مقدمها العاصمة.

ويصف العمري شبكة الطرق في عمان بأنها تضم شوارع ضيقة ومسارب محدودة مع غياب الطرق البديلة، داعياً إلى اعتماد أنظمة النقل الذكية التي تشمل الإدارة المتقدمة للمرور، والمراقبة في الوقت الفعلي، والتحكم التكيفي في الإشارات المرورية.

ويشير مراقبون إلى تدفق مئات الآلاف من المركبات الإضافية في الصيف بفعل السياح والمغتربين، مما يؤدي إلى زيادة الطلب على البنزين وتفاقم الازدحام المروري، فضلاً عن سلوكيات القيادة لدى بعض السائقين.

وشكلت المركبات الخصوصية 89.1 في المئة من مجموع المركبات في الأردن، مقابل 5.2 في المئة للمركبات العمومية. في حين يبلغ معدل النمو السنوي للمركبات الخصوصية نحو 3.8 في المئة، مقابل 1.1 في المئة للمركبات العمومية.

لكن المشكلة الأكبر حالياً هي في التوسع باستخدام السيارات الخاصة بصورة فردية وبخاصة عندما تكون المركبة مشغولة بسائق واحد. إذ تفيد الإحصاءات بأن نحو 73 في المئة يعتمدون على سياراتهم الخاصة للوصول إلى العمل أو الدراسة، مقابل 9.7 في المئة يستخدمون الحافلات أو وسائل النقل العام.

هل النقل العام قاصر؟

يؤكد تقرير صادر عن البنك الدولي عام 2022 وجود قصور في النقل العام بالأردن، ويعزو ذلك إلى أسباب عدة، من بينها ضعف تغطية خدمات النقل العام وانخفاض ترددها وتدني موثوقية الخدمة ومخاوف السلامة لدى بعض المستخدمين، فضلاً عن محدودية إمكانية الوصول الشامل إلى خدمات النقل.

وعلى رغم إطلاق مشروع الباص سريع التردد في العاصمة منذ أعوام فإنه لم يكن حلاً كاملاً لمعضلة أزمات السير. فالتحدي هو ربط الخدمة بالمناطق السكنية والوظيفية التي لا تصل إليها مباشرة، وتحسين الانتقال بين الحافلات، وضمان انتظام التردد، وتوفير ممرات وصول آمنة للمشاة.

لكن المواصلات العامة ليست المتهم الوحيد في هذه الأزمة وفقاً لخبراء النقل، فالنمو الحضري السريع والزيادة السكانية وضغوط شبكة الطرق تسهم في تفاقم ازدحام عمّان، مع محدودية بعض الشوارع والمسارب والطرق البديلة، إضافة إلى طبيعة عمّان الطبوغرافية، وتوزع الأحياء على التلال، والتقاطع بين الطرق الرئيسة والأنشطة التجارية.

لذلك يدعو المتخصصون إلى اتخاذ سلسلة من الحلول كتوزيع ساعات الدوام والانصراف والتوسع في الحافلات المدرسية والنقل العام وتشجيع النقل المدرسي الجماعي، وتحسين انتظام الحافلات العامة، وتنظيم الوقوف والتحميل والتنزيل، والحد من الوقوف المزدوج والعشوائي، وتنظيم مواقف المركبات وتحديد مناطق للتحميل والتنزيل، مع تصميم إشارات مرورية ذكية وإدارة الحركة بالبيانات وتخفيف التركز المكاني للوظائف والخدمات.

ويمثل الباص السريع التردد أحد أبرز الخيارات التي تراهن عليها عمّان لتخفيف الضغط على شبكة الطرق، عبر نقل أعداد كبيرة من الركاب باستخدام حافلات تسير في مسارات مخصصة تقلل تأثرها بالازدحام، وتضم شبكة الباص السريع التردد في العاصمة مسارات بطول نحو 32 كيلومتراً، فيما امتد المشروع لاحقاً ليربط عمّان بالزرقاء، إلى جانب خطوط ربط أخرى مع محافظات مجاورة.

ووفق بيانات شركة رؤية عمّان للنقل تجاوز إجمال استخدام خدمات الباص السريع التردد 76.5 مليون رحلة منذ إطلاقها وحتى نهاية أغسطس (آب) الماضي.

اقرأ المزيد

المزيد من العالم العربي