ملخص
كانت الحكومة الفيدرالية الصومالية وإدارة جنوب غربي البلاد اتهمتا ميليشيات لفتاغرين بالتعاون مع حركة الشباب المتطرفة، التي تخوض نزاعاً مسلحاً مع الحكومة. واتهم مسؤولون أمنيون صوماليون أيضاً إثيوبيا وكينيا بتقويض سيادة الصومال وتدريب ميليشيات في مناطق قريبة من حدودهما مع الصومال، وجاءت هذه الاتهامات في ظل تصاعد التوترات بين مقديشو وبعض الدول المجاورة.
فيما يبدو تجدداً للخلافات بين كل من إثيوبيا والصومال، بعد استقرار نسبي كانت قد شهدته العلاقات بين البلدين إثر توقيع اتفاق أنقرة في ديسمبر (كانون الأول) 2024، برعاية تركية.
إذ شكك رئيس البرلمان الصومالي عبدالقادر محمد نور، في دور القوات الإثيوبية الموجودة في مهمة حفظ السلام في الصومال، إثر سيطرة ميليشيات موالية للرئيس السابق لولاية جنوب غربي البلاد، عبدالعزيز لفتاغرين، على مناطق توجد فيها القوات الإثيوبية ضمن بعثة حفظ السلام الأفريقية.
وقال نور "لا يمكننا قبول سيطرة المتمردين على مناطق تعمل فيها قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي"، متهماً القوات الإثيوبية بالتقصير في مهماتها أو التواطؤ مع المتمردين، فيما وجه لوماً شديداً إلى كينيا لتوفيرها المأوى والحماية الأمنية لرئيس ولاية جنوب الغرب السابق عبدالعزيز لفتاغرين، على رغم إدراج الحكومة الفيدرالية اسمه على القائمة السوداء، ودعا الحكومة الصومالية إلى اتخاذ إجراءات ملموسة تجاه ما سماه "التقصير الإثيوبي والاحتضان الكيني لجماعات مصنفة في الصومال كجماعة متمردة تمارس أعمالاً إرهابية تجاه الدولة ومواطنيها".
وكانت الحكومة الفيدرالية الصومالية وإدارة جنوب غربي البلاد اتهمتا ميليشيات لفتاغرين بالتعاون مع حركة الشباب المتطرفة، التي تخوض نزاعاً مسلحاً مع الحكومة. واتهم مسؤولون أمنيون صوماليون أيضاً إثيوبيا وكينيا بتقويض سيادة الصومال وتدريب ميليشيات في مناطق قريبة من حدودهما مع الصومال، وجاءت هذه الاتهامات في ظل تصاعد التوترات بين مقديشو وبعض الدول المجاورة.
تتزامن الاتهامات مع حدثين مهمين: الأول مشاركة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في القمة الرباعية التي ضمت رؤساء مصر وإريتريا والسودان، بمدينة العلمين المصرية، والتي أصدرت بياناً شديد اللهجة دان أي انتهاك لحدود وسلامة دول القرن الأفريقي، وبخاصة الصومال الذي قال البيان إنه يتعرض لتهديد في سيادته ووحدة أراضيه من خلال دعم مثالي الانفصاليين في إقليم صوماليلاند، حسب نص البيان، مما عُد رسالة تحذير مباشرة لإثيوبيا في شأن مشروعها للنفاذ إلى البحر الأحمر، عبر صوماليلاند أو السواحل الإريترية.
أما الحدث الثاني فيتعلق باستعداد الحكومة المصرية لنشر قواتها العسكرية في الصومال، حيث يعمل ضباط ومدربون ومستشارون عسكريون مصريون على هذه العملية، إذ يُتوقع أن تصل وحدات من الجيش المصري إلى الصومال في إطار التعاون العسكري المباشر بين حكومتي مقديشو والقاهرة، بينما ستنضم وحدات أخرى إلى بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أوصوم)، بموجب اتفاق دفاعي وُقع بين البلدين عام 2024.
وحسب مصادر صومالية، فإن القوات المصرية ستتمركز في منطقة "عيل عدي"، شمال مقديشو، وتحديداً حول مطار "عسلي"، قرب الحدود بين منطقتي بنادر وشبيلي الوسطى.
وكانت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية قد نشرت تقريراً تحليلياً إثر انعقاد قمة العلمين الرباعية، هاجمت فيه الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، متهمة إياه بوضع يده مع من سمتهم "أعداء إثيوبيا التاريخيين"، قبل أن تحذف التقرير من منصاتها لاحقاً، بعد إثارته جدلاً واسعاً.
تحولات جيوسياسية
تمثل هذه التطورات، حسب مراقبين لشؤون منطقة القرن الأفريقي، جزءاً من التوترات الناتجة من محاولات إعادة رسم تحولات جيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر، لا سيما بعد الاعتراف الإسرائيلي باستقلال إقليم صوماليلاند، وسعي تل أبيب إلى إقامة قواعد عسكرية في ميناء بربرة الصومالي، وهو المسار ذاته الذي بدأته إثيوبيا عام 2024، عندما وقعت مذكرة تفاهم مع حكومة صوماليلاند نصت على اعتراف إثيوبيا باستقلال الإقليم مقابل حصولها على منفذ بحري سيادي في خليج عدن، بغرض إقامة قواعد عسكرية ومقرات للقوات البحرية الإثيوبية المنشأة حديثاً.
ويرى مراقبون أن الخلافات الصومالية الإثيوبية الأخيرة تكشف عن تجذر الأزمة التي انفجرت بعد توقيع مذكرة التفاهم بين أديس أبابا وهرجيسا، والتي احتويت بصورة جزئية في مفاوضات تركيا، بوساطة الرئيس رجب طيب أردوغان، والتي أدت إلى توقيع اتفاق أنقرة عام 2025. إلا أن الاتفاق، حسب المراقبين، لم ينجح في حلحلة جذور الأزمة، مما ينذر بتجدد التوترات، مشيرين إلى أن مشاركة الرئيس الصومالي في رباعية العلمين أتت في هذا الإطار.
توتر بعد دفء
من جهته، يرى المختص في الشأن الصومالي محمد عبدي أن العلاقات الصومالية-الإثيوبية شهدت نوعاً من الدفء بعد اتفاق أنقرة الموقع في ديسمبر 2024، إلا أن ذلك التقارب لم يسهم في تغيير جوهري في نقاط الخلاف الأساسية، إذ استغلت أديس أبابا التقارب مع مقديشو كحيلة مرحلية، فيما مضت في اتجاه الاعتراف باستقلال صوماليلاند رغم التزامها، وفق نص الاتفاق، باحترام سيادة ووحدة الأراضي الصومالية، إذ عينت دبلوماسياً برتبة قائم بأعمال بعثتها الدبلوماسية في هرجيسا، عاصمة إقليم صوماليلاند، ونظمت زيارة رسمية لرئيس الإقليم عبدالرحمن عبدالله عرو، إلى أديس أبابا في سبتمبر 2025، ووقعت معه اتفاقات تشمل التجارة ونقل البضائع والأمن والتنمية المستدامة.
ويرى عبدي أن هذا النهج يتنافى مع روح ونص إعلان أنقرة، إلا أن مقديشو آثرت العمل بجدية على تضييق فرص الخلاف مع جارتها، من خلال تعميق علاقات التعاون عوضاً عن الاعتراض على الخطوات الإثيوبية المندفعة نحو التعامل مع حكومة هرجيسا كدولة مستقلة.
ويتابع أن الحكمة التي تعاطت وفقها حكومة شيخ محمود تُرجمت باعتبارها قبولاً بـ"الأمر الواقع" من قبل أديس أبابا. وعززت التوترات القائمة في البحر الأحمر والاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند مواقف أديس أبابا، فتجدد خطاب المسؤولين الإثيوبيين حول المنافذ البحرية، بما في ذلك أطماعهم في السواحل الشمالية الصومالية، مما وفر المناخ لإعادة تجدد الخلافات، وبخاصة بعد مشاركة الرئيس الصومالي في القمة الرباعية بمدينة العلمين، مما تم التعاطي معه إثيوبياً بحملات إعلامية وسياسية على نطاق واسع.
ويقدر عبدي أن الحكومة الصومالية تشعر بنوع من التواطؤ أو التقصير من قبل القوات الإثيوبية الموجودة ضمن مهمات بعثة حفظ السلام الأفريقية، في شأن تمكين ميليشيات موالية للرئيس السابق لولاية جنوب غربي البلاد، عبدالعزيز لفتاغرين، من السيطرة على مناطق ارتكاز القوات الإثيوبية في الصومال.
توزيع أدوار
يقرأ المحلل الصومالي أن الانتقادات الشديدة التي وجهها رئيس البرلمان الصومالي تأتي بصورة مدروسة لتصعيد الموقف الشعبي والمؤسساتي تجاه الدور الإثيوبي، عوضاً عن التصعيد الحكومي، موضحاً أن سياسات الرئيس الصومالي قائمة على إستراتيجية "الحفاظ على شعرة معاوية" مع الجهات الرسمية الإثيوبية، وهي سياسات موازية للحملات الإعلامية الإثيوبية ضد الصومال، التي انطلقت من منصات شبه رسمية، بما في ذلك التقارير المنشورة في وكالة الأنباء الإثيوبية.
ويتابع: شيخ محمود يتبنى تدابير مرنة تجاه إثيوبيا، فهو يدرك حجم التدخل الإثيوبي، وبخاصة أنها تملك قوات مقاتلة داخل الأراضي الصومالية، والحدود الإثيوبية الصومالية تمتد لنحو 1500 كيلومتر، وفي ظل الاختلالات البنيوية التي تعانيها المؤسسة العسكرية الصومالية، فإن تجنب المواجهات المباشرة مع إثيوبيا يعد هدفاً إستراتيجياً للقيادة الصومالية، التي تعمل على تنويع تحالفاتها الأمنية والعسكرية، سواء مع تركيا أو مصر، فضلاً عن القوات الأفريقية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مواجهة القاهرة
يضيف عبدي أن تزامن الأحداث الأخيرة المتعلقة بتمكين الميليشيات المتمردة من السيطرة على مناطق خاضعة لارتكازات القوات الإثيوبية، مع قرب انتشار القوات المصرية في الصومال، يعد مؤشراً مهماً تنبغي قراءته ضمن سياقات النفوذ الإقليمي، ومحاولة عرقلة مهمات البعثة المصرية المأمول قدومها في غضون الشهر المقبل.
وأشار إلى أن أديس أبابا ظلت تعترض بصورة ثنائية أو عبر الاتحاد الأفريقي على انتشار القوات المصرية في الصومال، وقد مارست ضغوطاً مضاعفة على القيادة الصومالية للتراجع عن نشر نحو 3 آلاف من القوات المصرية في الصومال، التي أتت كنتاج لاتفاق التعاون الدفاعي الموقع مع القاهرة، فضلاً عن سعيها إلى تقليص المشاركة المصرية في بعثة الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في الصومال.
أزمة مختلقة
بدوره، يرى المختص في الشأن الإثيوبي، بيهون غيداون، أن الانتقادات التي وجهها رئيس البرلمان الصومالي "تعد أزمة مختلقة" لخدمة مصالح أطراف أخرى، حسب وصفه، مشيراً إلى أن الصومال أضحى جزءاً من تحالف إقليمي يسعى إلى مد نفوذه في البحر الأحمر.
ويقدر المحلل الإثيوبي أن ملامح التحول في السياسة الصومالية تبدت في مقررات القمة الرباعية المنعقدة في العلمين، موضحاً أن الرئيس الصومالي كان قد قدم عرضاً لإثيوبيا خلال حوار تلفزيوني مع قناة الجزيرة القطرية، للاستفادة من المنافذ البحرية الصومالية، إلا أنه نقض عرضه بتوقيع بيان العلمين الذي يعزل إثيوبيا عن البحر الأحمر.
ويضيف غيداون أن إثيوبيا قد سددت أثماناً باهظة من أجل حماية الوحدة الترابية الصومالية منذ عام 1996، من خلال ابتعاث قواتها لحفظ السلام، موضحاً أن المطلب الإثيوبي في شأن الاعتراف بأرض الصومال مقابل الحصول على منفذ بحري في بربرة قد تم التراجع عنه وفق إعلان أنقرة 2024، ومن ثم ليست هناك أطماع إثيوبية تجاه الأراضي الصومالية.
تآكل الشرعية
ويوضح المحلل الإثيوبي أن تمدد الجماعات المتمردة في جنوب غربي البلاد جاء نتيجة عاملين رئيسيين: الأول يتعلق بالنقص اللوجيستي الحاد الذي تعانيه قوات حفظ السلام الأفريقية، وبخاصة بعد تمنع الولايات المتحدة عن تقديم الدعم المالي لمكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال، الذي تبلغ موازنته الإجمالية نحو 500 مليون، وهي الموازنة التي تعتمد عليها البعثة الأفريقية بصورة أساسية.
أما العامل الثاني فيتعلق باستمرار حال الاستقطاب الحاد بين القوى السياسية الصومالية وتقلص شرعية الحكومة الفيدرالية مقابل التململ الشعبي الكبير لدى الحواضن الاجتماعية لها، وبخاصة بعد تمديد الرئيس حسن شيخ محمود ولايته الرئاسية لعام آخر، بما يخالف نصوص الدستور الفيدرالي، مما عزز حجم التمرد شكلاً ومضموناً. ومن ثم، يرى غيداون عدم وجاهة اللوم الموجه للقوات الإثيوبية العاملة في الصومال، في حين تسهم مقديشو في تسعير الأزمات السياسية مع المعارضة.