Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"لوميير الفرنسي" يستعيد أعمال مخرجين في الذاكرة

150 فيلماً عالميا داخل صالات ليون وفي الخارج تظاهرات وشغب

من فيلم "يوم خاص" لإيتوري سكولا (ملف الفيلم)

ملخص

أحياناً، يكفي أن يعرض فيلم قديم في صالة، لتظهر المسافة بين مشاهدة العمل على شاشة منزلية واختباره في المكان الذي أُنجز من أجله. هذا ما يتيحه مهرجان لوميير في ليون، المدينة التي ولد فيها الفن السابع، وقد خصص دورته الـ18 لإعادتنا إلى بعض من أهم لحظات تاريخ السينما، من خلال أكثر من 150 فيلماً ومئات العروض واللقاءات التي وزعتها المدينة على صالاتها الصغيرة وقاعاتها الضخمة ومسارحها الباهرة، وجمهورها المتعطش للمشاهدة.

فتح البرنامج المجال أمام أعمال غابت طويلاً، وسينمائيين تراجعت أسماؤهم في الذاكرة، ونسخ مرممة أعادت إلى الشاشة تفاصيل ما كان ممكناً رؤيتها في طبعاتها القديمة. وهو الشأن الذي يتولاه أصلاً معهد لوميير (الجهة المنظمة للمهرجان) على مدار العام، ومن بين أبرز الأمثلة في الدورة الأخيرة فيلم "الشياطين" للبريطاني الراحل كن راسل الذي عاد بنسخة استعادت أجزاء حذفتها الرقابة عندما أبصر النور في السبعينيات، أو "رقص مع الذئاب" (1990) للأميركي كافن كوستنر، تحفة الوسترن الذي غير طريقة النظر إلى السكان الأصليين في أميركا، أو "37 درجة مئوية، صباحاً" (1986)، فيلم الفرنسي جان جاك بينيكس الشهير الذي يجمع بين جمال المشاعر وعنفها، في حكاية حب مدمرة تجسد اضطرابات الثمانينيات.

يعرف القائمون على مهرجان لوميير أن تاريخ السينما لا يقرأ من خلال الأفلام وحدها، فطريقة استقبالها والأحكام التي رافقتها والظروف التي سمحت بعرضها أو حجبها كلها تدخل في تكوين صورتها، ولعل من وظائف مهرجان كهذا إعادة النظر في الأحكام عبر إعطاء فرصة ثانية للأفلام أمام جمهور مختلف، وفي سياق زمني ما عاد يشبه لحظة إنتاجها.

من هنا تأتي أهمية الاستعادة المخصصة لأفلام الإيطالي إتوريه سكولا، السينمائي الراحل الذي دشن الدورة بفيلمه "يوم خاص" (1977) داخل قاعة توني غارنييه التي تتحول مثل كل عام في مناسبة الافتتاح إلى لقاء صاخب بين سكان المدينة، وهي الثانية من حيث الحجم في فرنسا. القصة: في روما، يوم زيارة هتلر لموسوليني، يلتقي شخصان خارج الاحتفال الرسمي: امرأة حاصرتها الحياة المنزلية، ورجل مثلي يواجه الإقصاء. تؤدي صوفيا لورين ومارتشيللو ماستروياني الدورين، فيما تتسلل خطابات الزعيمين عبر المذياع إلى تفاصيل يومهما. لا يحتاج سكولا إلى مشاهد مواجهة مباشرة كي يرسم أثر الفاشية، يكفي أن يضع شخصياته على هامش الحماسة الجماعية، إذ تظهر العلاقة بين الاستبداد السياسي والقهر الاجتماعي. وبعد نحو نصف قرن على عرضه، تبدو حكاية الفيلم أكثر من مجرد استعادة تاريخية، في قارة أوروبية تعود فيها تيارات اليمين المتطرف إلى الواجهة.

أفلام مرممة

طوال الأيام التسعة التي استغرقها المهرجان، وعكرت صفوها أعمال التخريب والنهب التي طالت المحال في وسط ليون، اتسعت دائرة الاكتشاف لتشمل المخرج الأميركي تود هاينز أحد ضيوف المهرجان، الذي عرض فيلمان من أفلامه المرممة حديثاً وهما "سم" و"آمان"، إلى جانب لقاءات سينمائية مع المخرج الهونغكونغي تسوي هارك والممثلة الصينية زانغ زيي والمخرجة اللبنانية نادين لبكي، التي حظيت باستعادة لأفلامها الثلاثة. واستضاف المهرجان المخرج الأميركي روبرت إيغرز سيد الرعب الحديث، فغصت الصالة التي قدم فيها ندوته بالمعجبين والمعجبات الشباب بفنه. في هذه اللقاءات، بدا المهرجان مساحة للنقاش حول خيارات المخرجين وتجاربهم، لا مجرد منصة لأعمالهم.

الدورة الغنية والمتنوعة وجهت أيضاً تحية للسينما اليونانية وتحديداً إلى عصرها الذهبي (خمسينيات القرن الماضي)، سينما شهدت في هاتيك الحقبة ازدهاراً للإنتاج وتجدداً للأساليب، بعدما استلهمت الفولكلور والأدب والواقعية الجديدة والفيلم "النوار". من خلال سينمائيين مثل نيكوس كوندوروس وجول داسان وميكايل كاكويانيس، وممثلات على غرار إيرين باباس وميلينا ميركوري، عكست هذه السينما مجتمعاً مثقلاً بآثار الحرب والديكتاتورية، مستشرفة التحولات السياسية المقبلة. 

للسينما الصامتة في كل دورة حصة معتبرة، إذ يدرك المبرمجون أنها المنبع والوسيط بين الحقب، وينبغي بالتالي العودة إليها باستمرار. وفي هذا السياق شهدت قاعة أوركسترا ليون الوطنية عرضاً لفيلم "متروبوليس" لفريتس لانغ مع موسيقى حية، في مناسبة مئوية الفيلم في يناير (كانون الثاني) من العام المقبل. يأتي لانغ في هذا العمل الخالد برؤية مستقبلية قاتمة لمدينة تحكمها الفوارق الطبقية، إذ تتحول التكنولوجيا إلى أداة لاستعباد الإنسان. مزج الفيلم بين التعبيرية الألمانية والخيال العلمي، مستشرفاً أخطار الحداثة والذكاء الاصطناعي، في عمل سبق زمنه وظل حاضراً براهنيته، حتى غدا إحدى العلامات الكبرى في تاريخ السينما.

هواة السينما السبعينياتية التي كانت إنتاجاتها عديدة في هذه الدورة، كانت لهم محطة مع "صائد الغزلان" لمايكل تشيمينو. مشاهدة هذه الرائعة على شاشة كبيرة أعادت تأكيد روعته البصرية، ومنحت تفاصيله الصوتية والإيقاعية حضوراً يصعب أن تحتفظ به المشاهدة المنزلية. يبدأ العمل بحياة مجموعة من الأصدقاء قبل انتقالهم إلى حرب فيتنام، ثم يقلب عالمهم رأساً على عقب، تاركاً آثار المعارك ممتدة إلى ما بعد عودتهم.

في استعادة أخرى من خلال 12 فيلماً، أضاء المهرجان على المخرج الكندي نورمان جويسون. من "في حرارة الليل" مع سيدني بواتييه، إلى "قضية توماس كراون" مع ستيف ماكوين وفاي داناواي، كشفت هذه الأفلام عن فنان شامل تنقل بين الكوميديا والأفلام الموسيقية وأعمال تناولت قضايا اجتماعية وسياسية، وكانت فرصة لإعادة تقييم مخرج لا تحظى مكانته اليوم بما يتناسب مع تنوع تجربته وتأثير بعض أعماله.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بلغت الدورة ذروتها مع منح جائزة "لوميير" لعام 2026 للأخوين الأميركيين جويل وإيثان كووين، خلفاً لعدد من قامات كبيرة أسندت إليها الجائزة نفسها مذ تأسيس المهرجان عام 2009، من مثل كلينت إيستوود وفرنسيس فورد كوبولا وميلوش فورمان. مجموعة من أفلامهما عادت إلى الشاشة، من "ذا بيغ ليبوسكي" إلى "لا بلاد للعجائز"، لتستعيد عالماً أميركياً يختلط فيه العنف بالسخرية. وخصصت لهما في قاعة توني غارنييه، ليلة عرض متتابع لأربعة من أفلامهما، في احتفاء بتجربتهما.

ولم تخل الدورة من أسئلة تتصل بحاضر المهرجان، بعدما أثار نقل "قرية السينما" من محيط معهد لوميير إلى "أوتيل ديو" التاريخي في وسط المدينة اعتراضات من بعض الرواد، الذين يخشون أن يؤدي تغيير المكان إلى إضعاف العلاقة الحميمية التي نشأت بين التظاهرة وحيها الأصلي. لا يتعلق الأمر بالحنين وحده، وإنما بطبيعة مهرجان اكتسب جزءاً من هويته من قرب الصالات والمقاهي والجمهور، ومن شعور بأن السينما هنا نشاط تشارك فيه المدينة، وليس حدثاً منفصلاً عنها. 

اقرأ المزيد

المزيد من سينما