ملخص
يبدو أن مفهوم التعارف والاندماج قد تغير عند جانب من الطلبة في الوقت الحالي، إذ أشار بيان طلبة الفرقة الأولى بالمدرسة الوطنية العليا للمعادن في الرباط إلى أن ممارسات "البيزوطاج" وصلت حد الحرمان من النوم (في الأقسام الداخلية)، إضافة إلى الإجبار على البقاء بملابس النوم، والإلزام بقول عبارات نابية، والقيام بحركات مهينة.
في المغرب هناك آلية معروفة بـ"البيزوطاج" يخضع لها الطالب الجديد في التعليم العالي، وكان الهدف منها التعارف والاندماج وتيسير المرحلة الانتقالية بين التعليم الثانوي والجامعي، إلا أنه أخيراً ظهرت اعتراضات من طلاب الفرقة الأولى بالمدرسة الوطنية العليا للمعادن في الرباط لوجود تجاوزات من الطلبة القدامى، موضحين أنها تتضمن طقوساً تمس بكرامتهم وسلامتهم وراحتهم، مطالبين إدارة المؤسسة بالتدخل من أجل حمايتهم من تلك التجاوزات.
بيان طلاب مدرسة المعادن أعاد الجدل حول تلك الممارسات التي تشهدها بعض المعاهد العليا، إذ طالب البعض بضرورة حظرها لما لها من عواقب نفسية خطرة.
يحكي الكاتب المغربي سعيد الغماز تجربته مع تلك الآلية التي خاضها قبل أعوام، قائلاً "لقد عشت شخصياً تجربة ’البيزوطاج‘، ليس فقط كطالب خضع لها وإنما أيضاً كمسؤول طلابي شارك في تأطيرها، وأتذكر جيداً أنها في تلك المرحلة لم تكن مجرد أسبوع للمرح أو للتسلية، ولم تكن مناسبة لإهانة الطالب الجديد أو فرض سلوكات غريبة عليه، كانت النقاشات الفكرية والثقافية حاضرة بقوة، وكانت القضايا الوطنية والمجتمعية والثقافية والفنية موضوعاً للنقاش بين الطلبة"، مضيفاً أن جلسات الحوار والنقاش كانت تمتد أحياناً إلى ما بعد منتصف الليل دون أن يشعر الطالب الجديد أنه أمام محكمة أو أمام مجموعة جاءت لإذلاله، بل كان يشعر أنه دخل عالماً جديداً، وأن هناك من يفتح له الباب للانضمام إلى هذا العالم.
ويوضح الكاتب أن التحاق التلميذ بالمدارس والمعاهد العليا يشكل تحولاً فارقاً في مساره الدراسي والشخصي، فهو لا ينتقل فقط من مرحلة التعليم الثانوي إلى التعليم العالي، وإنما ينتقل أيضاً من وضعية "التلميذ" إلى وضعية "الطالب"، بما تحمله هذه المرحلة من استقلالية أكبر ومسؤوليات جديدة وعلاقات اجتماعية مختلفة، وقد يكون هذا الطالب خجولاً أو متحفظاً أو متقوقعاً على نفسه ويحتاج إلى بعض الوقت حتى ينسجم مع محيطه الجديد، من هنا ظهرت فكرة "البيزوطاج" داخل عدد من المدارس والمعاهد العليا باعتبارها مناسبة لاستقبال الطلبة الجدد من طرف الطلبة القدامى، ومساعدتهم على كسر حاجز الخجل والاندماج بسرعة في الحياة الطلابية.
ممارسات حاطة بالكرامة
يبدو أن مفهوم التعارف والاندماج تغير عند جانب من الطلبة في الوقت الحالي، إذ أشار بيان طلبة الفرقة الأولى الأولى بالمدرسة الوطنية العليا للمعادن في الرباط إلى أن ممارسات "البيزوطاج" وصلت إلى حد الحرمان من النوم (في الأقسام الداخلية)، إضافة إلى الإجبار على البقاء بملابس النوم، والإلزام بقول عبارات نابية والقيام بحركات مهينة.
من جانبها، تحكي الطالبة زينب لـ"اندبندنت عربية" قصتها مع تلك الممارسات التي امتدت على مدى شهر واحد، قائلة "تعود تجربتي مع ظاهرة ’البيزوطاج‘ إلى عام 2013، حين التحقت بمدرسة المهندسين بعد عامين من الدراسة المكثفة والشاقة في الأقسام التحضيرية، كنا قد قدمنا من مدن بعيدة نحمل آمالاً كبيرة في شأن بداية جامعية جديدة قوامها الاحترام المتبادل والنضج وروح المسؤولية، غير أن الصدمة كانت شديدة حين فوجئنا باستقبال قاسٍ وممنهج من بعض الطلبة القدامى، الذين حولوا فضاء المؤسسة إلى بيئة يسودها التنمر والإذلال والحط من الكرامة الإنسانية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعن تلك الممارسات التي يتلقاها الطلبة الجدد، تشير زينب إلى أنها "لم تقتصر على إجبارنا على ارتداء ملابس النوم والصنادل البلاستيكية المنزلية، وحمل دفاترنا داخل أكياس بلاستيكية، أو حلق رؤوس الطلبة الذكور بطرق مشوهة، بل امتدت إلى سلوكات مهينة تمس الكرامة الإنسانية بصورة مباشرة"، مضيفة أنه "خلال فترة الغداء، كان يفرض علينا الوقوف في ساحة المؤسسة تحت أشعة الشمس الحارقة، وأداء ما يعرف بـ’مشية الضفدع‘ وسط رش المياه، وكنا نُمنع من استعمال أدوات المائدة ونُجبر على تناول الطعام بأيدينا ونحن جالسون على الأرض، وإلى جانب ذلك كان بعض الطلبة يتعرضون للتنمر والتمييز على أساس المدن التي يتحدرون منها، وكانوا يُستهدفون بالسخرية والإحراج أمام الآخرين في ممارسات تعكس صورة من صور الإقصاء والإهانة المتعمدة، وكانت تلك الممارسات موثقة بالصور كما كانت تجري على مرأى ومسمع من الإدارة والأساتذة، دون تدخل فعلي يضع حداً لها".
وتوضح الطالبة أن تلك الممارسات كانت تقدم للطلبة الجدد على أنها وسيلة لمساعدتهم على التأقلم والاندماج داخل المؤسسة، غير أن ما عايشوه لم يكن سوى ممارسات قائمة على الإذلال وفرض السيطرة تحت غطاء التقاليد الطلابية، مشيرة إلى أن من كان يرفض الخضوع لهذه الطقوس يواجه العزلة والتهميش طوال فترة الدراسة، مما دفع بعض الطلبة لاختيار التغيب عن الدراسة والبقاء في منازلهم إلى حين انتهاء تلك الممارسات.
عواقب نفسية
ينبه متخصصون إلى الآثار النفسية الخطرة لتلك الظاهرة على الطلبة، بالنظر إلى احتوائها على مظاهر الإذلال والتنمر وفرض الانصياع، إذ يوضح الباحث في علم الاجتماع محمد قنفودي أن مصطلح "البيزوطاج" في المدارس والمعاهد العليا لم يعد يشكل تقليداً طلابياً يستقبل فيه الطلبة القدامى نظراءهم الجدد، بل تحول إلى ظاهرة معبرة عن تصور "مشوه" للانتماء لهذه المؤسسات التعليمية، عبر جعل سلوكات الإذلال للطلبة الجدد وسيلة لاكتساب الاعتراف والقبول داخل الجماعة، مشيراً إلى أن المفارقة هنا، أنه يفترض أن تكون تلك الآلية وسيلة للترحيب بالطلبة الجدد وللتعارف والاندماج داخل المؤسسة، لكن سرعان ما تحولت إلى وسيلة للتنمر والمساس بالكرامة والسلامة الجسدية والنفسية، وفرض تحمل ممارسات مهينة لأجل نيل تقبل جماعة الطلبة القدامى.
وبحسب الباحث، فإن آثار هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود اللحظة التي تقع فيها، بل قد تمتد لتؤثر في الصحة النفسية للطلبة، من خلال تعزيز مشاعر الخوف والقلق وتقويض الثقة بالنفس والشعور بالأمان داخل المؤسسة. وما يجب الانتباه إليه أن التأثير السيكولوجي لتلك الممارسات في الطلبة الجدد يدفع بعدد منهم نحو التخطيط للانتقام وتفريغ مشاعر الغضب والإحباط التي تراكمت، في العام الموالي، حين تتبدل الأدوار ويصبحون هم الطلبة القدامى، في إعادة إنتاج للظاهرة من جيل طلابي إلى آخر، وهكذا ينتقل الضحية إلى وضعية الجلاد وتتحول التجربة من مصدر للمعاناة إلى مبرر لممارسة السلوك نفسه على الآخرين، بما يكرس استمراريتها ويجعل ضحاياها المحتملين يعيدون إنتاجها بدل العمل على تجاوزها.
ويوضح أنه "على رغم النقاشات الكبيرة التي تخلفها هذه الظاهرة وحالات الاستنكار التي تتكرر في كل عام، فإنها تحتفظ بقدرتها على الصمود والاستمرارية، بفعل العوامل التي أشرت إليها سابقاً، مما يتطلب التعاطي معها بحذر تربوي ومؤسساتي، يتجنب الدعوة إلى إلغائها بصورة قطعية، باعتبارها تقليداً مستمراً منذ عشرات الأعوام، إلى إعادة توجيهها نحو أنشطة ترفيهية تعزز التعارف والتعاون والاندماج، تحت إشراف إدارات المؤسسات المعنية، بما يضمن الحفاظ على البعد الإيجابي لهذا التقليد، مع وضع حد لكل الممارسات التي تمس كرامة الطلبة وسلامتهم النفسية والجسدية".
من جهتها، تحذر المتخصصة النفسية الإكلينيكية هناء مهدي من خطورة هذه الممارسات على الطلبة الذين يعانون أصلاً الرهاب الاجتماعي أو اضطرابات القلق، وكذلك من لديهم تجارب سابقة مع التنمر أو الإهانة أو العنف، لأنها قد تعيد تنشيط معاناة سابقة وتعزز الخوف من نظرة الآخرين والرفض الاجتماعي، ويمكن أن تتأثر صورة الطالب عن نفسه وثقته بنفسه وبالآخرين وقد ينعكس ذلك على اندماجه داخل المؤسسة، موضحة أن صمت الطالب أو ضحكه أو مشاركته في تلك الفعاليات لا يعني بالضرورة أنه متقبل لما يحدث، فقد يكون ذلك نتيجة ضغط الجماعة أو الخوف من السخرية والإقصاء، بالتالي فإن الاندماج السليم يجب أن يقوم على الاحترام والأمان النفسي وحرية الاختيار ووضع الحدود، لأن الانتماء إلى الجماعة لا يجب أن يكون على حساب كرامة الشخص أو سلامته النفسية.