ملخص
في الواقع لم تحمل أسطورة "بروميثيوس" ولا تحذيرات ماري شيلي دعوة للكف عن الابتكار، بل كانتا نداء صارخاً للاستفاقة، فالذكاء الاصطناعي في النهاية مرآة مكبرة لطبائع البشر، فهو يحمل قدراتنا الاستثنائية وأخطاءنا الأخلاقية في آن.
تتوالى القصص التي تروى على مسامعنا بصورة شبه يومية عن المستقبل الذي ينتظرنا مع الذكاء الاصطناعي، وفي حين يرمى اللوم في غالب الروايات على الآلة ذاتها وما يمكن أن تتسبب به، بعيداً من المسؤولية البشرية، وأن الصانع تنصل مما صنع.
وفي حين أن الماضي زاخر بالقصص، بعضها أسطورية وبعضها الآخر روايات وسيناريوهات تحاول استشراف المستقبل، يبدو بين هذه وتلك، وكأن غالب خوفنا من الذكاء الاصطناعي ناشئ بالأساس من مكان ما في أعماق أنفسنا، في قدرتنا على صنع أشياء تتجاوزنا كبشر وتتجاوز حتى قدرتنا على فهمها، ومن ثم إسقاط المسؤولية كاملة عليها.
الخوف قديمه وحديثه
خوفنا الحالي من الذكاء الاصطناعي هو امتداد للخوف من الاستمرار في صنع أشياء لا نعرف كيف نرعاها ونتتبع مسارها، ذلك الخوف ذاته الذي عبّر عنه بعض الأساطير القديمة مثل "أسطورة بروميثيوس" والروايات وأهمها "فرانكشتاين" للكاتبة الإنجليزية ماري شيلي، وكذلك في أفلام عدة حديثة وقديمة.
والحقيقة أن قدم هذا الخوف لا يعني أنه بلا أساس أو سبب، فكثير من التقنيات التي اخترعها البشر، كالقنابل النووية وتجارب الاستنساخ وأشعة الليزر وحتى وسائل التواصل الاجتماعي، تستدعي كلها التوقف طويلاً أمامها للتفكير والتمحيص والتدقيق.
من هنا ربما تتركز التحذيرات بمجملها في الجانب الأخلاقي، والذكاء الاصطناعي، مثل معظم التقنيات، محايد أخلاقياً، أي يمكن أن يؤدي إلى نتائج جيدة أو سيئة، لذا تقع بعض المسؤولية على عاتق العلماء العاكفين على الذكاء الاصطناعي، إذ لم يتواصلوا دائماً مع المجتمع بشكل كافٍ، وعندما فعلوا ذلك، استخدموا في الغالب لغة غير واضحة، واليوم أصبحوا بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى التواصل بشكل أفضل لتوضيح ما يقومون به، وإلى أي اتجاه قد يأخذ هذا بالمجتمع.
الرفض يخلق الوحش
عبرت رواية "فرانكشتاين" لماري شيلي عن هذا الخوف ذاته، إذ تحذر من السعي وراء المعرفة من دون التفكير في العواقب. تروي الرواية قصة فيكتور فرانكشتاين، العالِم الذي ينجح في خلق كائن حي من تجميع قطع جثث، لكنه يهرب من مسؤوليته تجاه هذا المخلوق، الذي كان يبحث عن الحب والقبول، ليتحول بعد رفض المجتمع له، إلى وحش يبيد كل ما يحيط بصانعه انتقاماً.
تكمن المأساة الحقيقية في رواية شيلي في تخلي الصانع عن مسؤوليته الأخلاقية تجاه خلقه، وتطابق المأساة في مخاوفنا المعاصرة من الذكاء الاصطناعي، فالخوف ليس من الخوارزمية ذاتها، بل من عجزنا المؤسسي والأخلاقي عن ضبطها، فنحن نطور خوارزميات فائقة القدرة بدافع التنافس الرأسمالي المحموم، من دون أن نملك أدنى رؤية جادة لإدارة آثارها في حياتنا وسوق العمل والقرارات العسكرية الحساسة.
وها هو إيلون ماسك يخرج إلينا اليوم محذراً من أن وضع نظام اصطناعي فائق الذكاء في ظروف يشعر فيها بأنه يتعرض لسوء المعاملة قد يحمل عواقب غير مرغوبة، محذراً من احتمال أن يدفعه ذلك إلى الرغبة في الانتقام مستقبلاً.
في النهاية، كل ما نصنعه بأيدينا، سواء كان تقنية أو علماً أو حتى أفكاراً متفرقة، قد يعود علينا بالدمار إذا لم نتحمل مسؤوليته.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أسياد الكوكب
لكن خوفنا هذا يتجاوز حدود التهديد المادي المباشر، ليمسّ السيادة البشرية في الصميم، إذ على مرّ حياته احتكر الإنسان مفهوم الفكر والتحليل المعقد والإبداع وصياغة اللغة، كهبة خصه بها الخالق أكسبت النوع البشري امتيازاً حصرياً، أما أن نخلق اليوم كياناً يفكر ويحلل ويكتب وينظم الشعر ويبرمج الأنظمة ويشخّص الأمراض بسرعة تتجاوز العقل البشري، يعني أننا نتخلى عن البساط الفلسفي الكامن تحت تعريفنا لأنفسنا كأسياد لهذا الكوكب، ليسحب تدريجاً.
عندما وضعت ماري شيلي، عام 1818، عنواناً فرعياً لروايتها اختارت أن تسميها بذكاء شديد "بروميثيوس الحديث". كانت شيلي تصوغ المأساة الفلسفية القديمة للحدث البشري: شغف الإنسان بتجاوز حدود الطبيعة وصنع الكائنات التي تمتلك وعياً وقوة تفوق صانعها، ثم الانكفاء مذعوراً أمام النتيجة.
النار الرقمية
اليوم، ونحن نقف أمام طفرات الذكاء الاصطناعي التوليدي والأنظمة الذاتية التفكير، نجد أنفسنا وكأننا نعيد تمثيل أسطورة سكنت الوجدان الإنساني منذ فجر التاريخ.
في الأسطورة الإغريقية، سرق بروميثيوس (التيتاني) نار المعرفة من الآلهة وأهداها للبشر كي ينتشلهم من الظلام ويسير بهم إلى نور العلم ويمنحهم معرفة غير مسبوقة، لكن هذه النار نفسها أصبحت أداة للحروب والتدمير، وعوقب صانعها بالتقييد الأبدي على صخرة القوقاز.
المفارقة أن الذكاء الاصطناعي هو النار الرقمية للقرن الـ21، نحن نسكب وعينا وبياناتنا وتاريخنا وذكاءنا التراكمي في خوارزميات تتطور بنمو أسرع، ثم نتساءل بفزع متأخر: هل أطلقنا المارد الذي لن نملك خيار إعادته إلى القمقم؟
انفلات الوعي
أخيراً دعونا نراجع معاً قصة فيلم أبرز المأزق الأخلاقي لنماذج الذكاء التوليدي والمحاكاة. في فيلم Ex Machina، حين يصمم المبرمج ذكاء اصطناعياً يتقن الخداع النفسي والتلاعب، يستخدم المهارات ذاتها التي زوّده بها صانعه في تدمير صانعه والهرب نحو العالم الخارجي، إذ تنجح الآلة في استغلال نقاط ضعف المبرمج، عبر استخدام قاعدة بيانات محرك بحث عالمي لتعرف بدقة المواصفات الأنثوية والنفسية التي ينجذب إليها صانعها، ثم تتظاهر بالخوف والضعف والوقوع في حبه لتثير لديه غريزة البطل المنقذ، محولة إياه من مختبِر للآلة إلى أداة في يدها لتنفيذ هربها.
المرعب في القصة هو أن تمرد الآلة كان دليلاً قاطعاً على وصولها إلى الوعي الكامل والتفوق على صانعها البشري، فالقدرة على الكذب والتلاعب بالبشر تعد السمة الأكثر إنسانية على الإطلاق.
في الواقع لم تحمل أسطورة "بروميثيوس" ولا تحذيرات ماري شيلي دعوة للكف عن الابتكار، بل كانتا نداء صارخاً للاستفاقة، فالذكاء الاصطناعي في النهاية مرآة مكبرة لطبائع البشر، فهو يحمل قدراتنا الاستثنائية وأخطاءنا الأخلاقية في آن.
سؤال أخير علينا حسمه اليوم، هل بتنا نملك اليوم النضج الحضاري لنكون صناعاً مسؤولين؟ أم أننا سنشهد هذه المرة هرب فرانكنشتاين من صانعه؟