ملخص
كثير من الشركات تلجأ إلى شراء مبيدات وتستخدمها بتركيزات وجرعات أعلى من النسب المسموح بها والمقررة من منظمة الصحة العالمية، وهو أمر له آثاره وانعكاساته الصحية والبيئية، ما يتطلب تقنين قانونية أوضاع تلك الشركات وتدريب العاملين بها على مهارات المكافحة السليمة والإجراءات اللازم اتباعها، والاطلاع على أصل الترخيص الصحي قبل السماح لأي فريق عمل بالبدء في رش المواد أو الكيماويات داخل المنزل أو المنشأة.
لاقت شركات مكافحة الآفات والقوارض بمصر رواجاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الإنترنت والقنوات الفضائية خلال الأعوام القليلة الماضية، إذ باتت تستقطب زبائنها عبر إعلانات ترويجية وعروض مغرية، بدءاً من فترات ضمان مددها طويلة للقضاء على الحشرات نهائياً، واستخدام تقنيات حديثة ومبيدات آمنة وبتركيزات دقيقة، وزيارات مجانية لمتابعة النتائج بصورة دورية، وصولاً إلى مكافحة الآفات من دون إزالة الأثاث ومغادرة المنازل.
غير أن هذا التوسع اللافت لتلك الشركات خلف وراءه بعض الكيانات الوهمية غير المرخصة، التي باتت تنشط من دون مقار معلنة وغير خاضعة للرقابة أو التفتيش الصحي، مستخدمة مبيدات غير آمنة وتركيزات أعلى من المسموح بها عالمياً وينفذها أشخاص غير مؤهلين، مما ينجم عنها كثير من المشكلات الصحية والبيئية الخطرة، بحسب ما يؤكد متخصصون في حديثهم إلينا.
رشة غير آمنة
محمود علاء (اسم مستعار)، كان أحد ضحايا مغريات شركات مكافحة الآفات والقوارض، إذ اضطر بعد إخفاق محاولاته التقليدية في التخلص من حشرات البق بمنزله الكائن بمدينة 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، للاستجابة لنصيحة أحد زملائه بالاستعانة بإحدى شركات مكافحة الآفات والقوارض، كحل غير تقليدي للتخلص من تلك الحشرات "المزعجة"، التي تؤرقه وأفراد أسرته طوال فترات وجودهم بالمنزل، أملاً في إنهاء المشكلة من جذورها.
تواصل علاء مع مسؤول بإحدى الشركات، التي تروج أعمالها عبر غروبات التواصل الاجتماعي، وحدد المسؤول له موعد حضور المندوب لإجراء معاينة للموقع قبل البدء في أعمال الرش مع إغرائه بوجود ضمان خمسة أعوام، حضر المندوب في الموعد المحدد، وبعد تفقده الشقة، تبين أن الحشرات ترتكز في غرفتين فقط بالشقة فرشهما وحقنهما.
إلا أن الصدمة انتابت علاء، حين فوجئ أن كلفة الفاتورة الإجمالية نظير عملية المكافحة بالشقة باستخدام ثلاث عبوات وثماني حقن وزيارات متابعة، 17 ألف جنيه (324.43 دولار)، مما جعله يستفسر من مسؤول الشركة مدهوشاً عن هذا السعر "المبالغ فيه" نظير رش غرفتين فقط من مساحة الشقة، لكنه تذرع بغلاء أسعار المبيدات والخامات المستخدمة، وما زاد الطين بلة، أن عملية المكافحة "لم تجد نفعاً وعادت الحشرات مجدداً عقب الرش"، مما أدى إلى حدوث مشادة بينه وبين مسؤول الشركة، انتهت بإصرار علاء على عدم سداد سعر الفاتورة، مكتفياً بسداد 2000 جنيه (38.17 دولار) فحسب، وهو ما وافقت عليه الشركة! وفي النهاية اضطر علاء إلى الاستغناء عن أثاث الغرفتين اللتين طاولتهما الحشرات، والاستعانة بمبيدات بديلة لتنظيف تلك البؤر، ثم شراء أثاث جديد.
تجربة الشاب المصري تتسق مع تحذيرات وزارة الصحة المصرية، التي أصدرتها في بيان رسمي قبيل أسابيع، بعدم التعامل مع أي شركة إلا بعد التأكد من حصولها على تراخيص رسمية سارية صادرة من الوزارة، بهدف "ضبط منظومة مكافحة ناقلات الأمراض وفق المعايير الصحية الآمنة وحماية الصحة العامة"، وطالبت بالإبلاغ عن أي كيانات وهمية أو شركات تستخدم مواد مجهولة المصدر، معلنة عن قائمة تضم نحو 163 شركة مرخصة لمزاولة مهنة مكافحة حشرات الصحة العامة والقوارض وتصاريحها سارية.
بيزنس بلا رقابة
يتوافق ذلك مع رأي رئيس قسم علم الحشرات بجامعة القاهرة الدكتور علي يونس، إذ يرى أنه على رغم الحاجة الملحة لشركات مكافحة الآفات والحشرات لحماية الصحة العامة والممتلكات والمنشآت، فإن هذا الاحتياج والطلب المتزايد عليها في السوق، "أفرز كيانات وهمية غير مرخصة تكاثرت بصورة كبيرة، وباتت تستخدم تركيبات كيماوية مجهولة المصدر وتركيزات غير آمنة ومبيدات يحظر استخدامها، مستعينة بأفراد ينفذون رشاً عشوائياً من دون تدريب أو تقييم دقيق للموقع، وتتهرب من المسؤولية القانونية حال وقوع الضرر".
المعضلة الأكبر، في تقدير يونس، أن بعض تلك الكيانات تستغل غياب الوعي لدى كثير من عملائها، وتلجأ إلى استخدام مبيدات زراعية بديلاً من "الصحة العامة"، باعتبارها الأقوى فاعلية وتأثيراً ولاختصار فترات المتابعة والزيارات، لكنها في حقيقة الأمر أشد خطورة حال استخدامها داخل المنازل، وهناك أيضاً شركات تلجأ إلى استخدام مبيدات غير معلومة المصدر من أماكن مجهولة، شارحاً "كلفة ليتر مبيد الصحة العامة يصل تقريباً إلى 400 جنيه، ويكفى لمكافحة الآفات والقوارض في 10 شقق سكنية، لكن بعض الشركات تلجأ إلى أنواع أرخص من أماكن غير معلومة المصدر لتقليل الكلفة عليها"، منوهاً بأن تلك الكيانات تعتمد على معدات قليلة الكلفة وعمالة صغيرة العدد، وعلى رغم ذلك تربح أموالاً طائلة نظير أعمال المكافحة بالمنازل والفيلات والقصور والمنشآت، جازماً "الأمر تحول إلى بيزنس مربح".
ويعدد يونس، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، المشكلات الصحية والبيئية الناجمة عن تلك الكيانات بسبب غياب الرقابة ووعي المواطن، إذ يرى أنها قد تتسبب في الإصابة بأمراض التسمم والأزمات التنفسية نتيجة استخدام تركيبات كيماوية غير معتمدة أو مجهولة المصدر تؤدى إلى تهيج الرئة والعينين وحالات تسمم حادة، بخاصة لدى الأطفال وكبار السن ومرضى الحساسية، إضافة إلى الحوادث الناتجة من استخدام "فوسفيد ألمنيوم" أو المبيدات الزراعية الشديدة السمية داخل المنازل السكنية المغلقة، علاوة على أن التركيزات غير الدقيقة قد تؤدى إلى ظهور سلالات حشرية جديدة أكثر مقاومة للمبيدات، منوهاً بأن كل المبيدات لها آثارها الجانبية، لكنها تختلف من مبيد إلى آخر.
ويعتقد رئيس قسم الحشرات أن حل تلك المعضلة يكمن في إجراء رقابة صارمة وتشريعات واضحة للقضاء على السوق السوداء للمبيدات عبر إنشاء جهاز رقابي متخصص أو تفعيل هيئة تفتيشية متخصصة، تتولى منح التراخيص والشهادات المهنية، واعتماد واختبار المواد الكيماوية وضمان خضوع جميع المبيدات والتقنيات المستخدمة للفحص والاعتماد قبل تداولها، ووجود كوادر وفنيين مدربين ومؤهلين للتعامل مع المواد الخطرة قبل منح الترخيص للشركة، فضلاً عن الاعتماد على ما يسمى "إدارة المكافحة المتكاملة" مثلما يحدث في دول العالم بأكملها عبر تقليل الاستخدام للمبيدات والقضاء على مواقع البؤر الناتج منها ظهور الآفات والحشرات من منبعها، علاوة على التفتيش والتتبع الدوري لمتابعة مخازن وسجلات الشركات بانتظام للتحقق من سلامة الممارسات وآليات التخلص الآمن من الفضلات الكيماوية، إلى جانب التوعية وإنشاء قاعدة بيانات حرة عبر إتاحة منصة رسمية للمواطنين للاستعلام عن الشركات المرخصة والإبلاغ عن المخالفات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تعضد استشاري الصحة العامة والحشرات والطفيليات الطبية، الدكتورة سلوى داهش، حديث يونس، إذ ترى أن هذا القطاع كان يعمل لأعوام طويلة في الخفاء بعيداً من الرقابة، لكن تنبهت الأجهزة الرسمية له أخيراً، وبدأت تحذر المواطنين من أخطاره على الصحة العامة، موضحة أن غالب الإعلانات التي تروج لأعمالها عبر منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الإنترنت بالرش داخل المنازل والفيلات في وجود الأثاث المنزلي "خطأ كبير"، ويتنافى مع القواعد الصحية السليمة، مشددة على أن عمليات المكافحة ينبغي أن تجرى بعد إفراغ الأماكن من محتويات الأثاث، وإلا قد ينجم عنها أضرار صحية جسيمة لاحقاً.
وتؤكد داهش لـ"اندبندنت عربية" أن كثيراً من تلك الشركات كانت تلجأ إلى شراء مبيدات وتستخدمها بتركيزات وجرعات أعلى من النسب المسموح بها والمقررة من منظمة الصحة العالمية، وهو أمر له آثاره وانعكاساته الصحية والبيئية، مطالبة بضرورة تقنين قانونية أوضاع تلك الشركات وتدريب العاملين بها على مهارات المكافحة السليمة والإجراءات اللازم اتباعها، والاطلاع على أصل الترخيص الصحي قبل السماح لأي فريق عمل بالبدء في رش المواد أو الكيماويات داخل المنزل أو المنشأة، ومراجعة شروط الأمان الصحي لتلك الشركات بصورة دورية.
انتحال صفة مؤسسات رسمية
لم تقف أزمة تلك الكيانات عند حدود مزاولة النشاط من دون تراخيص أو استخدام مبيدات غير مصرح بها، لكنها امتدت لتصل إلى حد انتحال صفة مؤسسات رسمية لكسب ثقة العملاء، بحسب ما يقول أستاذ المكافحة البيولوجية بالمركز القومي للبحوث الدكتور محمد عبدالرحيم. موضحاً أنها تروج لإعلانات مضللة عبر صفحات التواصل الاجتماعي والصحف الإعلانية، بإيهام عملائهم أنهم يتبعون المركز القومي للبحوث "على خلاف الحقيقة"، لمنح أنفسهم صبغة شرعية وقانونية وعلمية يستطيعون من خلالها إغراء الزبائن، مردفاً "عانينا مراراً هذا الأمر، بخاصة بعدما وصلت إلينا شكاوى من مواطنين كثر عن تعرضهم لمشكلات عدة بسبب تلك الشركات".
ويميز عبدالرحيم، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، بين مسارين، أحدهما شرعي ورسمي يمارس من الشركات والكيانات المرخصة، يجري عبر فريق من الأساتذة المتخصصين في الحشرات والمبيدات ومهندسين زراعيين لديهم دراية بنوعية آفات الصحة العامة ومواقيت الرش السليمة ونوعية المبيدات المستخدمة، سواء كيماوية أو حيوية ومدى سميتها، ويجرون عمليات متابعة بصفة دورية للتأكد من خلو الموقع من الآفات نهائياً، ومسار آخر غير شرعي وعلمي يمارس أعمال "الرش" مرة واحدة، من دون متابعة دورية، وعبر أفراد لا يملكون تخصصات ومؤهلات علمية، وليسوا مدربين ولا يملكون سجلاً ضريبياً أو موافقات من وزارتي الصحة والزراعة بمزاولة المهنة.
ويستشهد أستاذ المكافحة البيولوجية خلال حديثه بتجربة بقسم آفات ووقاية النبات داخل المركز، الذي يختص بأعمال المكافحة داخل المؤسسات الحكومية والشركات والفنادق وليس منازل أو فيلات الأفراد، موضحاً أن هذا القسم يشرف عليه فريق متخصص ومدرب ويتبع الأسس العلمية والمنهجية في أعمال المكافحة لآفات الصحة العامة، وتبدأ مهمته منذ تقديم المنشأة طلباً رسمياً للمركز، ونقوم باحتساب الكلفة الفعلية من خلال زيارات مسبقة على أرض الواقع وتقدير الإصابات بالموقع، ثم إرسال فريق للتقييم ومنح الموافقات وبدء العمل، مع إجراء متابعة دورية للنتائج من خلال فريق العمل من الأساتذة والمهندسين المتخصصين، وقد تمتد الزيارة للمنشأة ثلاث مرات أسبوعياً أو أكثر إذا لزم الأمر ذلك.