ملخص
تتزايد الأدلة التي تربط بين المبيدات الحشرية ومرض "باركنسون"، ومع ذلك لا تزال هناك أسئلة عدة حول كيفية تسبب هذا التعرض في حدوث الضرر، إذ يرتبط التعرض طويل الأمد أو بمستويات عالية لبعض المبيدات الحشرية مثل الباراكوات والروتينون بزيادة خطر الإصابة بمرض "باركنسون"، فيؤدي إلى تلف الخلايا العصبية الدوبامينية من خلال الإجهاد التأكسدي والالتهاب واختلال وظائف الميتوكوندريا.
عندما تسمع عالمة الأعصاب كيلسي بيكر أزيز الطائرات الخافت فوق منزلها في وادي ريو غراندي، تمسك بكلبها وتدخل مسرعة إلى الداخل، لأن هذا يعني عودة طائرات رش المبيدات التي ترش حمولتها على الحمضيات والبطيخ والمحاصيل الأخرى المحيطة بمجمعها السكني المخطط له.
بيكر الأستاذة والعميدة المساعدة في "جامعة تكساس ريو غراندي فالي" التي تقع في مدينة ماكالين حيث تقيم، تعمل في مدينة إدنبرغ المجاورة، وهي واحدة من أكثر المناطق الزراعية إنتاجية في الولاية وتغطي مساحة تزيد على 4000 ميل مربع وتتغذى من نهر "ريو غراندي".
وانتقلت إلى هذه المدينة عام 2018، متوقعة مواصلة أبحاثها حول السكتة الدماغية وإصابات الحبل الشوكي، ولكن أثناء مراجعتها للسجلات الطبية، صُدمت من كثرة المصابين بمرض "باركنسون"، وهو مرض عصبي متفاقم يرتبط بالمبيدات الحشرية وغيرها من السموم البيئية منذ 30 عاماً في الأقل.
سامة للأعصاب
تشير الأبحاث إلى أن أكثر من 80 في المئة من حالات "باركنسون" لا ترتبط بعوامل وراثية، ويرجح أن تكون أسبابها بيئية، وأظهرت الدراسات أيضاً أن الأشخاص المعرضين للمبيدات الحشرية أكثر عرضة للإصابة بهذا المرض. فعلى مدى عقود، قام العلماء بمحاكاة مرض "باركنسون" في المختبر عن طريق حقن الحيوانات مباشرة بمواد كيماوية مثل الباراكوات ومبيد الحشرات الروتينون، مما أوضح أن هذه المواد الكيماوية ربما تكون سامة للأعصاب.
وأظهرت دراسة حديثة نشرت عام 2025 في مجلة الجمعية الطبية الأميركية (JAMA) أن الأشخاص الذين يعيشون قرب ملاعب الغولف، على بعد ميل إلى ثلاثة أميال، أكثر عرضة للإصابة بمرض "باركنسون"، إذ تشير هذه الدراسة، على رغم ارتباطها بالمرض، إلى أن التعرض غير المباشر للهواء أو التراب أو الماء قد يقوم بدور أيضاً في تطور هذا المرض. كذلك، تورد الأبحاث أن التعرض المزمن لمستويات منخفضة من الإشعاع على مدى أعوام عدة قد يكون ضاراً تماماً كالتعرض المكثف لفترات أقصر. ومن المحتمل أن يكون لتوقيت التعرض أهمية، إذ يهيّئ التعرض خلال المراحل المبكرة أو المتوسطة من العمر الظروف لحدوث تنكس عصبي لاحق، ولا سيما لدى الأشخاص الذين يحملون عوامل خطر وراثية.
نسبة التعرض
وتتزايد الأدلة التي تربط بين المبيدات الحشرية ومرض باركنسون، ومع ذلك لا تزال هناك أسئلة عدة حول كيفية تسبب هذا التعرض في حدوث الضرر، إذ يرتبط التعرض طويل الأمد أو بمستويات عالية لبعض المبيدات الحشرية مثل الباراكوات والروتينون بزيادة خطر الإصابة بمرض "باركنسون"، فيؤدي إلى تلف الخلايا العصبية الدوبامينية من خلال الإجهاد التأكسدي والالتهاب واختلال وظائف الميتوكوندريا.
إضافة إلى ذلك، يسهم التعرض المهني والبيئي في زيادة الأخطار، حتى قبل ظهور الأعراض بأعوام في بعض الأحيان. ويمكن للعوامل الوراثية أن تزيد من قابلية التأثر بالأضرار المرتبطة بالمبيدات الحشرية. لذا يُعد تقليل التعرض خطوة عملية واستباقية للتخفيف من الأخطار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأظهر تحليل حديث أجرته وكالة حماية البيئة الأميركية لمادة الباراكوات، وهي مبيد أعشاب يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمرض "باركنسون"، أنها قد تنتشر في الهواء لمسافات بعيدة جداً، مما قد يعرض أي شخص ضمن مساحة 20 ميل مربع من منطقة رشها لمستويات غير آمنة. وعلى رغم حظر الباراكوات أو التخلص التدريجي منه أو سحبه من الأسواق في 74 دولة في الأقل، فإن استخدامه ازداد في الولايات المتحدة، ويعود ذلك جزئياً لمقاومة كثير من الأعشاب الضارة لمبيدات الأعشاب الأخرى.
"خطة باركنسون"
ومنذ عام 2017، رفع مرضى "باركنسون" وعائلاتهم أكثر من 8000 دعوى قضائية ضد شركتي "سينجنتا" و"شيفرون" اللتين وزعتا مبيد الباراكوات في الولايات المتحدة لمدة 20 عاماً تقريباً. وتشير وثائق المحكمة إلى أن الشركتين كانتا على علم منذ ستينيات القرن الماضي بأن مبيد الأعشاب هذا يسبب رعشة ومشكلات في الحركة لدى القوارض والأرانب، ويلحق الضرر بأدمغة الثدييات الأخرى.
ويرى الدكتور راي دورسي وهو مدير مركز الدماغ والبيئة في معهد "أتريا للصحة والأبحاث" في نيويورك الذي شارك في تأليف كتاب "خطة باركنسون" مع الدكتور مايكل أوكون، المستشار الطبي الوطني لـ"مؤسسة باركنسون"، أن ما يحدث هو "معاناة يمكن الوقاية منها ولا داعي لها، إذ يُحرم الناس من قضاء الوقت مع أحفادهم وأطفالهم بسبب تعرضهم لمواد كيماوية معينة في طعامهم ومياههم وهوائهم، مما يسهم في انتشار المرض".
وجاء كلامهما عبر كتابهما الذي يطرح فكرة أن "باركنسون" مرض من صنع الإنسان إلى حد كبير، وناجم عن عوامل يمكن للمجتمع اتخاذ خطوات لعكس آثارها، كما يقارن دورسي بين الأبحاث التي تربط "باركنسون" بالسموم البيئية والأبحاث المبكرة التي تربط السجائر بالسرطان، وقال إن "الأدلة العلمية التي تربط أحدهما بالآخر قوية للغاية لدرجة أنه يجب اتخاذ إجراء".
العوامل الوراثية والبيئية
وتحفز هذه المواد الكيماوية في الدماغ، عبر الإجهاد التأكسدي الذي يتسبب في تلف الخلايا العصبية بفعل الجذور الحرة الضارة وخلل الميتوكوندريا الذي يضعف قدرة الخلية على إنتاج الطاقة، إضافة إلى الالتهاب الذي يؤدي إلى إصابة الخلايا العصبية المستمرة وموتها.
لذا يرى العلماء أنه من المهم الإشارة إلى أن ليس كل من يتعرض لهذه المواد الكيماوية سيصاب بمرض "باركنسون"، وأن خطر الإصابة يختلف باختلاف شدة التعرض وتوقيته. فهناك كثير من العوامل البيئية التي لا يعرف ارتباطها بمرض "باركنسون"، بما في ذلك عوامل قد تقلل من خطر الإصابة. ولا تزال هناك حاجة ماسة لإجراء بحوث لفهم الآليات الجزيئية التي تؤثر بها هذه المواد الكيماوية وغيرها في خطر الإصابة بمرض "باركنسون". ومن المهم إدراك أن العوامل الوراثية والبيئية يمكن أن تعمل معاً للتأثير في خطر الإصابة بمرض "باركنسون"، فإن خطر الإصابة بهذا المرض غالباً ما ينشأ من تفاعل معقد بين الاستعداد الوراثي والمحفزات البيئية، إذ يرث بعض الأشخاص طفرات جينية مثل تلك الموجودة في جينَي GBA1 أو LRRK2، تجعل الخلايا العصبية أكثر عرضة للإجهاد والسموم. وعندما يتعرض هؤلاء الأفراد للمبيدات الحشرية، يمكن أن يؤدي التأثير المشترك إلى زيادة خطر إصابتهم بمرض "باركنسون" بصورة كبيرة على مدى حياتهم. ويشهد هذا المجال البحثي، المعروف باسم التفاعل بين الجينات والبيئة، نمواً سريعاً. فيستخدم الباحثون أنظمة نمذجة معقدة لفهم سبب اختلاف النتائج على نحو كبير بين شخصين لهما نفس تاريخ التعرض، أحدهما يصاب بمرض "باركنسون" والآخر لا، وقد تكون هذه الاختلافات مرتبطة بالخلفية الجينية لكل شخص.