Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكايات "فرانكنشتاين" لماري شيلي المتعددة

الرواية التي ولدت في لحظة سأم فأرعبت أجيالاً من القراء ونقلت مرات على الشاشة وطرحت السؤال عن مصير البشرية

ماري شيلي (1797 - 1850) بريشة صامويل جون ستامب (الموسوعة البريطانية)

ملخص

رواية "فرانكشتاين" ولدت منها روايات، وأن كاتبتها ليست سوى ماري غودوين ابنة الكاتب ويليام غودوين والمناضلة في سبيل حقوق النساء ماري وولستونكرافت، وسوف تشتهر باسم ماري شيلي، منذ اقترنت بخطيبها الشاعر بيرسي شيلي، وأنها بعد النجاح المدوي لـ"فرانكنشتاين" ستحاول إعادة الكرة، ولكن من دون تحقيق أي نجاح يذكر

المكان: جنيف، والزمان: عام 1816، وأبطال الحكاية كاتبان إنجليزيان تعجبهما فتاة حسناء دائمة الإحساس بالسأم. كانت الفتاة صديقة لأولهما وهو الشاعر بايرون، وخطيبة الثاني، وهو أيضاً شاعر بدوره لا يقل أهمية عن الأول، بيرسي شيلي.

كان الطقس بارداً والشاعران يمضيان وقتهما في مناقشات حول السياسة والشعر ضاق بها صدر الفتاة، وزاد سأمها ضراوة، فجأة التفتت إلى رفيقيها وقد خطرت في بالها فكرة، وعرضت عليهما المراهنة على أن في إمكانها أن تكتب، وفي سرعة عجيبة، رواية مسلية تقوم على أحداث وظواهر ذات بعد خارج الطبيعة.

كانت الفتاة في الـ19، ولم يسبق للشاعرين أن عهدا لديها اهتماماً بالكتابة، لذلك راهناها، ثم انطلقا ضاحكين صاخبين للتزلج فوق الثلوج القريبة، أما هي فانكبت على أوراقها وبدأت تكتب، استغرقتها الكتابة يومها نحو 14 شهراً. وظهرت النتيجة عند نهاية العام التالي 1817. وكانت عبارة عن رواية ضخمة الحجم ما إن قرأها الصديقان الشاعران حتى ذهلا، ولسوف يحذو حذوهما ألوف القراء حين تنشر الرواية في العام التالي بعنوان "فرانكنشتاين أو برومثيوس المعاصر".

ولعل الفترة الزمنية هي نفسها التي احتاجت إليها بعد ذلك بقرنين من الزمن، السينمائية السعودية هيفاء المنصور كي تحقق واحداً من أفضل أفلامها، وواحداً من أفضل ما حققت سينمائية عربية اقتباساً عن رواية عالمية، أي الفيلم المعنون "ماري شيلي" عام 2017 تحديداً، وإذ سبق لنا أن تناولنا هذا الفيلم نكتفي هنا بالحديث عن الرواية التي أخذ عنها.

كثر سيحاولون محاكاتها

هذه الرواية التي ولدت على ذلك النحو، من رحم ضجر فتاة شابة في مدينة باردة، قيض لها أن تعيش إلى الآن، خصوصاً أن السينما عادت واستولت عليها في القرن الـ20 وحولتها إلى أفلام مرات ومرات وبنجاحات متفاوتة قبل سينمائيتنا السعودية الخلاقة.

ونعرف بالطبع أن تلك الرواية ولدت روايات، وأن كاتبتها ليست سوى ماري غودوين ابنة الكاتب ويليام غودوين والمناضلة في سبيل حقوق النساء ماري وولستونكرافت، وسوف تشتهر باسم ماري شيلي، منذ اقترنت بخطيبها الشاعر الكبير، وأنها بعد النجاح المدوي لـ"فرانكنشتاين" ستحاول إعادة الكرة، ولكن من دون تحقيق أي نجاح يذكر.

سوف تبقى "فرانكنشتاين" عملها الأكبر، العمل الذي بفضله ستعتبر ماري رائدة في كتابة نوع من الروايات سيكثر في القرن الـ20، ويتمحور حول موضوعة خلق العلم للحياة، بفعل جهود وجنون عالم، فقد عقله. ولسنا في حاجة إلى التذكير مطولاً هنا بأن النصف الثاني من القرن الـ20 بتطوره التقني ولا سيما في مجال الهندسة الجينية ونظريات الاستنساخ، جعل لماري شيلي موقع الريادة في هذا المجال أيضاً، ولو نظرياً.

اعتقاد خاطئ

مهما يكن من الأمر، لا بد من أن نذكر هنا أنه لئن كان معظم القراء، ومتفرجي الأفلام في ما بعد، يعتقدون أن فرانكنشتاين هو الاسم الذي أطلقته المؤلفة على الوحش، فإن هذا الاعتقاد خاطئ لأن ماري شيلي لم تطلق على وحشها أي اسم، هي لم تجرؤ على ذلك فأبقته خارج التسمية، أما الاسم الذي أطلقه عليه الحس الشعبي، فإنه في الحقيقة اسم العالم الشاب الذي "صنع الوحش" ثم خاض ضده صراعاً عنيفاً انتهى بمقتل العالم، إذ عجز عن الوصول في لعبته إلى منتهاها.

وفرانكنشتاين، في رواية ماري شيلي، شاب مهووس بالعلم والتقدم لا يكف عن أن يحلم بما يمكن للبشرية تحقيقه بواسطة هذا العلم، ناهيك بأنه إذ عاصر بداية ولادة الكهرباء، لم يفته إمكان الربط بين وسيلة إنتاج الطاقة الجديدة هذه وبين العلم.

وفرانكنشتاين ينبئنا في أول فصول الرواية بأنه، بعد أيام وليال من الجهود التي "بذلتها، تمكنت من أن أحقق ثمرة التعب المذهل الذي أصابني: إذ اكتشفت سر ولادة الحياة، بل بالأحرى اكتشفت أن في إمكاني أن أنفخ الحياة في المواد الجامدة".

وبالفعل تمكن صاحبنا من أن يخلق وحشاً، ذات ليلة ممطرة، صنع جسده من قطع أجساد ناس ميتين أتى بها من المقبرة ومن المشرحة، وإذ رأى فرانكنشتاين الحياة تدب فعلاً في جسد الوحش الذي صنعه، أصيب بالهلع وهرب. والوحش بدوره ترك مختبر خالقه وراح يطارده وقد آل على نفسه أن ينتقم منه. ذلك، بكل بساطة، لأن صورة الوحش أتت في منتهى القبح وتثير نفور كل من يراه، ناهيك بأن الوحش سرعان ما راح يشعر بالسأم وبأنه في حاجة إلى امرأة وحشة مثله، تؤنس وحدته.

حين يفكر الوحش

وكان الوحش قد أدرك أن العالم الشاب هو وحده القادر على ذلك، ولهذا، في انتظار القبض عليه وإجباره على معاودة التجربة، راح ينتقم منه بقتل أصحابه وجماعته بمن فيهم خطيبته، لكن العالم ظل على هربه، من ناحية بسبب خوفه، ومن ناحية ثانية لأنه أدرك أنه إذا ما أطاع الوحش وصنع له أنثاه، فإنه يجازف بأن يملأ الأرض بوحوش تنتج من زواج المخلوقين.

وعلى هذا النحو ازدادت المطاردة حدة بين الكائنين، وصار مسرحها قارة أوروبا كلها ثم قارة آسيا وصولاً إلى منطقة المحيط المتجمد الشمالي. وفي لحظة من لحظات المطاردة لم يعد هم فكتور فرانكنشتاين، العالم، محصوراً، في الهرب، بل صار همه أيضاً أن يقتل مخلوقه، لكن الأمر ينتهي به إلى أن يقتل هو، على يدي الوحش، فيما يغوص هذا مختفياً في منطقة الجليد الشمالي، وفي وحدته في انتظار فرص أخرى.

ونعرف أن والتر سكوت، مبدع الروايات التاريخية الإنجليزي، كان كما قالت الحكاية من حول الحكاية، من أوائل الذين قرأوا رواية ماري شيلي وفتن بها إلى درجة أنه كتب عنها يقول: "إن مؤلفة هذه الرواية تبدو ممتلكة لمخيلة شاعرية لا يضاهيها فيها أحد. ومن الواضح أن هذا الكتاب يعطينا فكرة طيبة عن عبقريتها الأصيلة وعن قوة التعبير التي تتمتع بها"، أما الكاتب الإنجليزي الآخر شريدان فكتب عن الرواية نفسها يقول: "إن هذه الرواية تفتح أبواباً كان يجب أن تبقى مغلقة إلى الأبد".

ومهما يكن من الأمر، مؤكد أن ماري شيلي إنما عبرت في هذه الرواية، التي كتبتها في لحظة سأم كما أشرنا، عن حلم كثيراً ما داعب الإنسان منذ وعيه لذاته: حلم خلق حياة من العدم، ومن ثم جعل هذه الحياة تتمرد على خالقها أو تطالبه بمزيد إذ تكتشف حاجات عاطفية أو جسدية لديها، لم تكن لتخطر في بال ذلك الخالق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

السؤال الخطر

ولئن كانت هذه الرواية، وما تلاها في المجال نفسه، قد أرعبت أجيالاً بأسرها من القراء، فإن هذا الرعب إنما نتج من السؤال الأساس: ماذا لو تحول هذا الحلم إلى حقيقة؟ والحال أن السينما في القرن الـ20 حولت السؤال إلى هاجس، وليس فقط في الأفلام الكثيرة المقتبسة من "فرانكنشتاين" أو المقلدة لها، وصولاً إلى هيفاء المنصور قبل أن يحقق المكسيكي الهوليوودي غييرمو ديل تورو لأعوام قليلة خلت، تحفة لا تضاهى عن الشخصية (علماً أن فيلم المنصور كان عن ماري شيلي نفسها)، ومن ثم يمكن القول إن ماري شيلي لم تكتب رواية فحسب، بل طرحت على الإنسانية سؤالاً أساساً، لعله هو السؤال الجوهري الذي ما برحت الإنسانية تطرحه على ذاتها منذ البدايات.

ومع هذا لم يكن ثمة ما يشي بأن ماري، ابنة الـ19، ستكون قادرة على طرح ذلك السؤال وتحويله إلى عمل أدبي فذ ورائد، كذلك فإن كتاباتها التالية لم تأت لتعزز مكانتها، لذلك ظلت صاحبة ذلك العمل الفريد، إذ يكاد يكون متفرداً في مسيرتها. وماري ولدت عام 1797، وماتت أمها بعد أيام من تلك الولادة، وهي بارحت إنجلترا عام 1814 مع الشاعر بيرسي شيلي لتتزوجه بعد رحيل زوجته، وعادت إلى وطنها عام 1823 بعد رحيل زوجها الشاعر، وعاشت حتى عام 1851، ومن أعمالها الأخرى "الرجل الأخير" و"فالبرغا".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة