ملخص
الحراك البلوشي، وعلى رغم قدرته على تحدي السلطات وإرباكها أمنياً في بعض المراحل، لكنه لم يتحول حتى الآن إلى حركة قادرة بمفردها على تهديد بنية النظام الإيراني على المستوى الوطني، وقد يتغير هذا الوضع إذا التحق به حراك كردستان، أو إذا توافرت ظروف سياسية واجتماعية مواتية، كتلك التي شهدتها إيران خلال احتجاجات "المرأة.. الحياة.. الحرية" عقب وفاة مهسا أميني عام 2022، أو إذا برز بديل سياسي يحظى بتأييد قطاعات واسعة من القوميات والقوى السياسية الإيرانية، ويستطيع توحيد مطالبها ضمن مشروع مشترك للتغيير.
تقع محافظة سيستان وبلوشستان في أقصى الجنوب الشرقي من إيران، وتُعد ثاني أكبر محافظات البلاد مساحة بعد محافظة كرمان، وتتكون من منطقتين رئيسيتين: سيستان التي يشكل الشيعة معظم سكانها، وبلوشستان التي تفوق سيستان من حيث المساحة، وتشكل الجزء الأكبر من المحافظة، ويدين معظم سكانها بالمذهب السنّي.
وإذا صنفنا المناطق التي تقطنها القوميات والإثنيات غير الفارسية، وفق انتماءاتها القومية والجغرافية، بعيداً من التقسيمات الإدارية الرسمية، أمكننا الحديث عن إقليم بلوشستان داخل إيران، وهو إقليم لا يقتصر على المناطق البلوشية الواقعة ضمن محافظة سيستان وبلوشستان، بل يشمل أيضاً أجزاء من محافظة كرمان تقطنها جماعات بلوشية.
بلوشستان والجمهورية الإسلامية: التهميش وملاحقة النشطاء
لم يشارك معظم أبناء الشعب البلوشي، خلافاً لما شهدته بعض المناطق الأخرى، في الثورة الإسلامية التي قادها آية الله الخميني عام 1979، وربما يعود ذلك لخشيتهم من قيام سلطة دينية ذات توجه مذهبي، لا تضمن حقوق أهل السنّة، وهو ما رأى كثر أن تطورات ما بعد الثورة أكدته.
واتسم جانب مهم من نضال البلوش بالنشاط المدني والثقافي السلمي، لكن السلطات الإيرانية لم تتسامح مع هذا النشاط أيضاً، بل واجهت عدداً من الناشطين بالسجن والإعدام، ومن أبرز هؤلاء الصحافي والمدوّن يعقوب مهرنهاد، (28 سنة) الذي أُعدم في الرابع من أغسطس (آب) 2008 في سجن زاهدان، ولم يُعرف عنه، وفق الرواية التي يستند إليها هذا النص، ممارسة العنف، بل كان ناشطاً اجتماعياً ومدنياً، وشغل مسؤولية مكتب صحيفة "مردم سالاري" في زاهدان، وهي صحيفة تصدر في طهران.
وتذكّر هذه القضية بما شهدته الأحواز عام 2014، حين نفذت السلطات الإيرانية حكم الإعدام بحق الناشطين العربيين الشاعر هاشم شعباني، والناشط الثقافي هادي راشدي، وكان الاثنان يعملان بالمدارس الثانوية في مدينة الخلفية الأحوازية، ولم يُعرف عنهما اللجوء إلى العنف، وإنما ارتبط نشاطهما بتأسيس تنظيم ثقافي غير حكومي حمل اسم "الحوار".
ومن وجهة نظري، تكشف القضيتان عن نمط من التعامل الأمني مع النشاط المدني والثقافي المستقل لدى العرب والبلوش، يقوم على استخدام العقوبات القصوى لردع الناشطين وإضعاف المبادرات الاجتماعية والثقافية الخارجة عن سيطرة الدولة، غير أن مسار الأحداث لم يتجه بالضرورة إلى النتيجة التي أرادتها السلطات، ففي بلوشستان برزت لاحقاً جماعات مسلحة، كان من أبرزها تنظيم "جند الله" بقيادة عبدالملك ريغي.
من النشاط المدني إلى العمل المسلح: تجربة "جند الله"
قاد عبد الملك ريغي جماعة "جند الله"، المعروفة أيضاً باسم "حركة المقاومة الشعبية في إيران" التي ركزت عملياتها المسلحة داخل إقليم بلوشستان، وطرحت نفسها مدافعة عن حقوق أهل السنّة والبلوش في إيران، وبين عامي 2003 و2011، نفذت الجماعة سلسلة من العمليات المسلحة، شملت الهجمات والتفجيرات واحتجاز الرهائن، واستهدفت القوات العسكرية والأمنية والشرطة في المحافظة ومناطق أخرى من شرق إيران، وأوقعت هذه العمليات خسائر بشرية في صفوف القوات الحكومية والأمنية، وطاولت بعض زعماء القبائل.
ومن أبرز تلك الهجمات الهجوم الذي وقع في الـ 18 من أكتوبر (تشرين الأول) 2009، وأسفر عن مقتل عشرات الأشخاص، بينهم قادة في الحرس الثوري الإيراني، من أبرزهم نائب قائد القوات البرية للحرس الثوري، الجنرال نور علي شوشتري، والجنرال رجب علي محمد زادة الذي كان يتولى قيادة الحرس الثوري في محافظة سيستان وبلوشستان، إضافة إلى عدد من القادة العسكريين وزعماء القبائل.
وفي الـ 23 من فبراير (شباط) 2010، ألقت السلطات الإيرانية القبض على عبدالملك ريغي بعد اعتراض الطائرة التي كانت تقله خلال رحلة جوية من دبي إلى قيرغيزستان، وفق الرواية المتداولة عن عملية اعتقاله، ونُفذ فيه الإعدام شنقاً في الـ20 من يونيو (حزيران) 2010 داخل سجن إيفين بطهران، لكن إعدامه لم يؤد إلى اختفاء العمل المسلح في بلوشستان، فقد ظهرت لاحقاً تنظيمات أخرى واصلت استهداف القوات الحكومية، في ظل استمرار التوترات الأمنية والسياسية في المنطقة.
"جيش العدل" وتصاعد المواجهة المسلحة
أُسس تنظيم "جيش العدل"، وهو جماعة بلوشية إيرانية معارضة تتبنى العمل المسلح، بعد إعدام عبدالملك ريغي في سياق انحسار تنظيم "جند الله"، وصعود تشكيلات مسلحة جديدة، ويقول التنظيم إنه يسعى إلى انتزاع حقوق البلوش وأهل السنّة ومواجهة إيران، ويُعد من أبرز التنظيمات المسلحة الناشطة في إيران، ولا سيما في إقليم بلوشستان، وقد استهدف في عملياته مراكز الشرطة ومواقع "الحرس الثوري" وحرس الحدود، مستخدماً أساليب عدة، من بينها الأسلحة الخفيفة والتفجيرات والهجمات على المواقع الأمنية، وارتبطت أنشطته ببيئة حدودية معقدة، تتداخل فيها التحديات الأمنية ومسارات التهريب عبر الحدود مع باكستان وأفغانستان.
ويتزعم التنظيم صلاح الدين فاروقي، ولا تتوافر إحصاءات مستقلة موثوقة تحسم عدد عناصره، إذ تتباين التقديرات الإعلامية، ويضع بعضها عدد مقاتليه بين 1000 و 2000 مسلح، وخلال الأعوام الأخيرة، استمرت الهجمات المسلحة في بلوشستان، وسقط قتلى من القوات الحكومية، بالتوازي مع حملات أمنية وأحكام إعدام طاولت مواطنين وناشطين بلوشاً، وتشير التقارير المتعلقة بالمنطقة إلى استمرار دورة العنف، إذ تقابل السلطات الهجمات المسلحة بعمليات أمنية مشددة، فيما تواصل الجماعات المسلحة استهداف مؤسسات الدولة.
وعلى رغم القيود التي تفرضها السلطات الإيرانية على التغطية الإعلامية للأحداث الأمنية، فإن وسائل الإعلام الرسمية تنشر أحياناً بيانات عن الخسائر التي تتكبدها القوات الحكومية، ويصعب، في ظل محدودية المعلومات المستقلة وتضارب الأرقام، تحديد الحصيلة الإجمالية للقتلى بدقة، أو الفصل بين ضحايا المواجهات المسلحة والعمليات الأمنية الأخرى، غير أن عدد الضحايا يصل نحو المئات من الأشخاص، معظمهم من القوات الحكومية.
"جبهة المناضلين الشعبيين" واتساع رقعة المواجهة
في عام 2025، أعلن تحالف مسلح حديث التأسيس، يُعرف باسم "جبهة المناضلين الشعبيين"، ظهوره في محافظة سيستان وبلوشستان، ووفق المعلومات الواردة عن تشكيله، فإنه يضم جماعات من بينها "جيش العدل"، وحركة "بادا بلوش" التي أٌسست عام 2017، وحركة "نصر البلوش" التي يعود تأسيسها لعام 2006، وتنظيم "محمد رسول الله"، إضافة إلى مقاتلين بلوش مستقلين.
وتقول الجبهة إنها لا تسعى إلى انفصال بلوشستان عن إيران، وإن هدفها إقامة نظام فيدرالي في البلاد، غير أن تقييم طبيعة هذا التحالف، وحجم التنسيق الفعلي بين مكوناته، ومدى قدرته على توحيد العمليات المسلحة، يظل مرتبطاً بتوافر معلومات مستقلة وموثوقة عن نشاطه وبنيته التنظيمية، ومن شأن اتساع التنسيق بين الجماعات المسلحة أن يزيد الضغوط الأمنية على السلطات الإيرانية في بلوشستان، خصوصاً إذا تمكنت تلك الجماعات من تنسيق عملياتها واستثمار الطبيعة الحدودية والجغرافية للمنطقة، وفي المقابل، قد يؤدي تصاعد المواجهة إلى تشديد الإجراءات الأمنية، مما يفاقم معاناة السكان المدنيين، ويعمق التوتر بين المجتمع المحلي والسلطات.
وهكذا، لم تعد القضية البلوشية تُختزل في مطالب دينية أو ثقافية أو اقتصادية وحسب، فقد باتت تتداخل فيها أسئلة المواطنة والمساواة والتمثيل السياسي، إضافة إلى التحديات الأمنية والنشاط المسلح، ومن هنا يبرز السؤال الذي تطرحه هذه المقالة: هل تتحول بلوشستان إلى نقطة ضعف إستراتيجية تستنزف الدولة الإيرانية؟ أم تتمكن السلطات من احتواء الأزمة عبر معالجة جذورها السياسية والاجتماعية، بدلاً من الاعتماد على المقاربة الأمنية وحدها؟
الحاضنة الشعبية والاتهامات بالتدخل الخارجي
على رغم ما تروجه وسائل الإعلام الإيرانية من أن سكان المنطقة ينبذون تنظيم "جيش العدل" ويطالبون بالقضاء عليه، فإن التنظيم يواصل بين حين وآخر شن هجمات على أهداف عسكرية وأمنية إيرانية في بلوشستان، بوتيرة متصاعدة، بحسب بعض التقارير، حتى باتت الهجمات تتكرر بصورة شبه يومية خلال بعض الفترات.
ويرى مراقبون أن قدرة عناصر التنظيم على التحرك والاختباء في المنطقة لا يمكن فهمها بمعزل عن البيئة الاجتماعية المحلية، إذ يعتقد بعضهم أن التنظيم ما كان ليواصل نشاطه لولا وجود قدر من التعاطف معه، أو التقبل له في أوساط من السكان، غير أن مدى اتساع هذه الحاضنة الشعبية يظل مسألة تحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يصح افتراض أن موقف السكان جميعاً واحد من التنظيم، أو من أساليبه المسلحة.
وتتهم إيران الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل بدعم الحركات المسلحة الناشطة في بلوشستان، لكن هذه الدول تنفي تلك الاتهامات، وفي المقابل تصنف واشنطن تنظيم "جيش العدل" جماعة إرهابية، وهو ما يضعف، في الأقل، أي تعميم في شأن وجود دعم أميركي معلن له.
الحراك السلمي: مسجد المكي وصوت أهل السنّة
لا يقتصر الصراع بين البلوش والسلطة المركزية في طهران على العمل المسلح، فهناك أيضاً حراك سلمي وسياسي وديني، تتجلى أبرز مظاهره في صلاة الجمعة التي تُقام في زاهدان، أكبر مدن الإقليم ومركزه الرئيس، وفي مدن أخرى، وقد تحولت هذه التجمعات الدينية إلى منابر للتعبير عن المظالم الاجتماعية والسياسية والمطالبة بالحقوق، وبرزت أهمية صلاة الجمعة في زاهدان خلال انتفاضة "المرأة.. الحياة.. الحرية" التي عمّت مناطق واسعة من إيران عقب وفاة الشابة الكردية مهسا أميني، وفي ذلك السياق شهدت زاهدان احتجاجات حاشدة على خلفية اتهام ضابط إيراني باغتصاب فتاة بلوشية في مدينة تشابهار.
وفي الـ 30 من سبتمبر (أيلول) 2022، أطلقت قوات الأمن النار على متظاهرين في زاهدان عقب صلاة الجمعة، في أحداث عُرفت لاحقاً باسم "الجمعة الدامية"، وتباينت حصيلة القتلى بين الروايات الرسمية ومصادر حقوقية وسياسية بلوشية، إذ تحدثت السلطات عن 35 قتيلاً، بينما تجاوزت تقديرات أخرى الـ100، وقد تركت تلك الأحداث أثراً عميقاً في الوعي السياسي لدى قطاعات واسعة من البلوش.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واستمرت الاحتجاجات في زاهدان ومدن أخرى من الإقليم أشهراً طويلة، حتى بعد تراجع زخم التظاهرات في مناطق إيرانية أخرى، وفي هذه المرحلة تحوّل مسجد المكي وخطيب الجمعة المولوي عبدالحميد إسماعيل زهي إلى رمزين للاعتراض العلني على سياسات السلطة الإيرانية، ولم تعد خطب الجمعة مقتصرة على القضايا الدينية، بل تناولت الحريات الأساسية، والتمييز المذهبي، والحقوق السياسية والاجتماعية.
وامتدت انتقادات عبدالحميد إلى ما تتعرض له القوميات غير الفارسية، ومنها العرب في الأحواز، من تهميش وانتهاكات للحقوق القومية، ومع مرور الوقت، اكتسب المولوي عبدالحميد مكانة تتجاوز حدود المجتمع البلوشي، وأصبح من أبرز الأصوات الدينية الناقدة للسلطة بين أهل السنّة في إيران، وبات خطابه محل اهتمام في النقاش السياسي المعارض.
يرى بعض المحللين أن الحراك البلوشي لم يحظ بمستوى مماثل من التضامن في بقية أنحاء إيران، ويعزون ذلك لعوامل عدة، من بينها ضعف التعاطف مع مطالب أهل السنّة في أوساط بعض القطاعات الشيعية، فضلاً عن مخاوف لدى شرائح من الإيرانيين من أن تؤدي المطالب القومية إلى تفكك الدولة، لكن هذه التفسيرات تظل قراءات سياسية لا يمكن تعميمها على المجتمع الإيراني كله.
جذور القضية البلوشية: ثلاثة عوامل متداخلة
تندرج القضية البلوشية، في جانب منها، ضمن إشكال أوسع يتعلق بحقوق القوميات غير الفارسية في إيران، وما تثيره من أسئلة حول المساواة والمشاركة السياسية والحقوق اللغوية والثقافية، غير أن لبلوشستان خصوصيات تاريخية واجتماعية وجغرافية، تميزها عن مناطق أخرى، ويمكن إبراز ثلاثة عوامل رئيسية في هذا السياق:
أولاً: التهميش الاقتصادي وضعف التنمية
على رغم أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة تطاول شرائح واسعة من المجتمع الإيراني، فإن بلوشستان تعاني مستويات مرتفعة من الفقر والحرمان، ومن ضعف البنية التحتية الصناعية ومحدودية فرص العمل والاستثمار.
وتمتد جذور هذه المشكلات لعقود سابقة، بما فيها عهد الشاه، ولم تنجح السياسات اللاحقة في إنهائها، ولا تزال محافظة سيستان وبلوشستان تُصنف ضمن أكثر محافظات إيران حرماناً، وفق عدد من مؤشرات التنمية والرفاه.
ولا يقتصر أثر هذا التهميش في الأوضاع المعيشية، إذ يمكن أن يؤدي أيضاً إلى تعميق الشعور بعدم المساواة، وتعزيز القناعة لدى قطاعات من السكان بأنهم لا يحظون بنصيب عادل من موارد البلاد وفرصها.
ثانياً: الانتماء المذهبي السنّي
يدين معظم البلوش في إيران بالمذهب السنّي الحنفي، وقد واجهوا، بحسب تقارير حقوقية وانتقادات صادرة عن شخصيات دينية وسياسية، أشكالاً من التمييز المذهبي والقيود على المشاركة في مؤسسات الدولة منذ قيام نظام الجمهورية الإسلامية عام 1979، وكان البلوش يعانون التهميش القومي في عهد الحكم البهلوي أيضاً، لكن موقعهم في الخطاب القومي الإيراني اختلف، في بعض جوانبه، عن موقع العرب.
وقد أدرجتهم بعض الأدبيات القومية الفارسية ضمن التصورات المتعلقة بالأصول الآرية، في حين صُور العرب باعتبارهم جماعة سامية غير آرية، واُستخدمت هذه التصنيفات في بعض الخطابات القومية لترتيب الشعوب، وفق تصورات عرقية وثقافية هرمية، ومن وجهة نظري فلا يمكن فهم التفاوت في تجارب القوميات الإيرانية من دون درس أثر هذه التصورات في السياسات الثقافية واللغوية، وفي التعامل مع الهويات غير الفارسية.
ثالثاً: الجغرافيا السياسية والامتداد عبر الحدود
يمتد الوجود البلوشي إلى ما وراء حدود إيران، ليشمل مناطق في باكستان وأفغانستان، وهو ما يمنح القضية البلوشية بُعداً إقليمياً، وقد وفرت الطبيعة الجغرافية للحدود، في بعض الحالات، مجالاً لتحرك جماعات مسلحة وإقامة شبكات اتصال وإمداد عابرة للحدود، وجعلت ضبط المنطقة تحدياً أمنياً مستمراً للسلطات الإيرانية.
ولا تقتصر المسألة على النشاط المسلح، فإقليم بلوشستان في باكستان يشهد بدوره حركات قومية وسياسية تطالب بمزيد من الحقوق، فيما تنشط جماعات انفصالية ومسلحة في أجزاء منه، ولذلك تتداخل القضية البلوشية في إيران مع تعقيدات السياسة الداخلية في باكستان، ومع العلاقات بين البلدين.
وقد ظهر هذا البعد الإقليمي بوضوح في يناير (كانون الثاني) 2024، عندما تصاعد التوتر بين إيران وباكستان على خلفية هجمات متبادلة، قالت طهران وإسلام آباد إنها استهدفت جماعات مسلحة، تنشط عبر الحدود، فقصف "الحرس الثوري" الإيراني مواقع داخل الأراضي الباكستانية في إقليم بلوشستان، معلناً استهداف مواقع مرتبطة بجماعة "جيش العدل"، وردت باكستان بضربات داخل الأراضي الإيرانية، قالت إنها استهدفت مواقع لجماعات مسلحة بلوشية، من بينها عناصر مرتبطة بـ "منظمة تحرير بلوشستان".
ونقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول في الاستخبارات الباكستانية أن الضربات الباكستانية استهدفت مواقع لـ "منظمة تحرير بلوشستان"، وهي حركة مسلحة انفصالية تنشط داخل إقليم بلوشستان الباكستاني، وسرعان ما تحرك البلدان لاحتواء الأزمة واستعادة العلاقات الدبلوماسية، لكن الحادثة كشفت مدى قابلية التوترات المحلية للتحول إلى أزمة إقليمية.
وهكذا، فإن الجغرافيا العابرة للحدود لا تمنح الجماعات المسلحة مجالاً للتحرك وحسب، بل تضع أيضاً العلاقات الإيرانية الباكستانية أمام تحديات متكررة، خصوصاً عندما يتبادل الطرفان الاتهامات بالتقصير في منع الجماعات المسلحة من استخدام أراضيهما، أو بتجاوز السيادة الوطنية بذريعة ملاحقتها.
محاولات تغيير التركيب القومي
تُغلف الحكومات الإيرانية عادة مخططاتها الرامية إلى تغيير التركيبة السكانية للبلوش والعرب بغطاء المشاريع الاقتصادية والتنموية، ولا يقتصر هذا التوجه، بحسب ما يراه نشطاء من القوميتين، على سياسات الدولة، بل يتقاطع أيضاً مع طروحات لدى أوساط من المعارضة القومية الفارسية المتطرفة التي لا تخفي بعض شخصياتها تأييدها لإعادة توزيع السكان باتجاه المناطق الجنوبية.
مشاريع التنمية أم إعادة تشكيل التركيبة السكانية؟
من خلال حجج تتعلق بالتنمية الاقتصادية، طالب حجت كلاشي، وهو من زعماء الحركة القومية الملكية، في أكتوبر عام 2024، بنقل ملايين البشر من المناطق الشمالية والوسطى في إيران إلى الجنوب، حيث تقطن غالبية عربية الأحواز، وغالبية بلوشية بلوشستان، ويرى المعترضون أن تنفيذ تصور بهذا الحجم، إن طُرح بوصفه سياسة لإعادة توزيع السكان، لا يمكن فصله عن الأسئلة المتعلقة بحقوق السكان الأصليين، ومشاركتهم في اتخاذ القرارات التي تمس مستقبل مناطقهم، والآثار القومية والاجتماعية المترتبة على مثل هذه التحولات.
وقد تعززت هذه الشكوك عندما تحدث الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان صيف عام 2005، عن خطة لنقل العاصمة من طهران، وتوجيه التنمية والصناعات والتجمعات السكانية نحو الساحل الجنوبي لإيران، الممتد على الخليج العربي وبحر عُمان، ووصف هذه الخطوة بأنها "ضرورة إستراتيجية وليست خياراً"، في ضوء الأزمات البيئية الحادة التي تواجهها الهضبة الإيرانية الوسطى.
ويرى بزشكيان أن اتجاهات الهجرة الداخلية في إيران تسير في مسار خاطئ، إذ يتدفق السكان نحو العاصمة والمدن الكبرى، مثل طهران وكرج وأصفهان وشيراز، بسبب تركز الثروة والمرافق والخدمات ومؤسسات الإدارة فيها، ويعتقد أن هذه المدن بلغت حدوداً حرجة من حيث التوسع العمراني والقدرة التنموية، فضلاً عن تفاقم أزمة السكن، ومن هنا يقترح عكس اتجاهات الهجرة أو إعادة توجيهها عبر إنشاء مراكز اقتصادية جديدة في الجنوب.
غير أن نشطاء بلوشاً وعرباً، ينتمي شعباهما إلى القوميات التي تقطن أجزاء واسعة من جنوب إيران، ينظرون إلى هذه الطروحات بعين الريبة، فهم يرون أن الخطاب التنموي قد يخفي وراءه تصورات إستراتيجية لدى المركز الفارسي، تهدف إلى نقل ملايين الفرس إلى عربستان وبلوشستان، مما قد يؤدي في نظرهم إلى تغيير النسيج الاجتماعي والتركيبة السكانية في المنطقتين، لمصلحة السكان الوافدين.
ماذا عن المستقبل؟
لأن البلوش يعتنقون المذهب السنّي، فلا يبدو أن النظام الإيراني يخشى بالقدر نفسه اتساع الخطاب الديني الذي تتبناه بعض الفصائل المسلحة في بلوشستان إلى سائر أنحاء البلاد، وهو يدرك، في الوقت ذاته، أن بلوشستان لم تتحول إلى كردستان ثانية، على رغم اشتراك قطاعات من سكان الإقليمين في المذهب السنّي.
ويعود ذلك، في تقديري، لعاملين رئيسين، أولهما البعد الجغرافي النسبي لبلوشستان عن مراكز الثقل السياسي في إيران، وثانيهما، وهو الأهم، اختلاف البيئة السياسية التي نشأت فيها الحركات الكردية، عن البيئة التي يتحرك فيها الفاعلون السياسيون والدينيون البلوش.
خلال العقد الأول من عمر نظام الجمهورية الإسلامية، كانت أجزاء من كردستان الإيرانية خاضعة لنفوذ أحزاب وفصائل كردية قومية ويسارية وعلمانية، وتحولت المنطقة إلى ملاذ لأحزاب ومنظمات سياسية من اتجاهات قومية ويسارية وعلمانية مختلفة، فرّت من قمع السلطات في مناطق أخرى من إيران، وقد أتاح هذا التداخل بين القوى المحلية والتنظيمات المعارضة القادمة من خارج الإقليم، قيام بيئة سياسية أوسع من الإطار القومي الكردي وحده، ومكّن الحراك هناك من اكتساب أبعاد وطنية تتجاوز حدود المنطقة.
أما الحراك البلوشي، وعلى رغم قدرته على تحدي السلطات وإرباكها أمنياً في بعض المراحل، فلم يتحول حتى الآن إلى حركة قادرة بمفردها على تهديد بنية النظام الإيراني على المستوى الوطني، وقد يتغير هذا الوضع إذا التحق به حراك كردستان، أو إذا توافرت ظروف سياسية واجتماعية مواتية، كتلك التي شهدتها إيران خلال احتجاجات "المرأة.. الحياة.. الحرية" عقب وفاة مهسا أميني عام 2022، أو إذا برز بديل سياسي يحظى بتأييد قطاعات واسعة من القوميات والقوى السياسية الإيرانية، ويستطيع توحيد مطالبها ضمن مشروع مشترك للتغيير.
وعليه، فإن مستقبل الحراك البلوشي لا يتوقف على موازين القوى داخل بلوشستان وحدها، بل يرتبط أيضاً بقدرته على التفاعل مع الحركات الاحتجاجية في سائر أنحاء إيران، ومدى استعداد القوى المعارضة لتقديم صيغة سياسية تعترف بالتعدد القومي والمذهبي، وتضمن حقوق الشعوب المختلفة، بدلاً من إعادة إنتاج مركزية الدولة وسياسات الإقصاء، في صورة جديدة.