ملخص
حذر صندوق النقد الدولي من أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة وكلفة الاقتراض قد يفاقمان التضخم ويضعفان النمو العالمي، داعياً الحكومات إلى خفض العجز وإعادة بناء احتياطاتها المالية لمواجهة الصدمات المستقبلية.
حذر صندوق النقد الدولي من أن إطالة أمد الحرب في الشرق الأوسط، وما قد يرافقها من ارتفاع إضافي في أسعار السلع الأولية وكلفة الاقتراض، سيؤديان إلى تراجع أكبر في النمو العالمي وارتفاع أشد في التضخم.
وأشار الصندوق إلى أن الأخطار المحيطة بآفاق الاقتصاد العالمي لا تزال تميل إلى الجانب السلبي، مع احتمال أن يؤدي استمرار الصراع في المنطقة أو تصاعده إلى إبقاء أسعار الطاقة والغذاء عند مستويات مرتفعة، وتجدد الضغوط التضخمية، وتفاقم أوضاع المالية العامة.
وحذر من أن إعادة تقييم حادة للعوائد المتوقعة من الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى تراجع الاستثمار وتشديد الأوضاع المالية.
وتكتسب هذه الأخطار أهمية خاصة في ظل اعتماد بعض الاقتصادات على الاستثمارات التكنولوجية لدعم النمو، في وقت يمكن أن تؤدي أي خيبة في توقعات العوائد إلى تقليص الإنفاق الاستثماري والتأثير في الأسواق المالية.
ارتفاع الدين العام وكلفة الاقتراض
وحذر الصندوق من أن الاقتصادات الكبرى تواجه ضغوطاً متزايدة لكبح العجز المالي وإعادة بناء احتياطاتها المالية، في ظل ارتفاع الدين العام وكلفة الاقتراض، مما يحد من قدرتها على الاستجابة للصدمات المستقبلية.
وقالت كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي سيلفانا تينرييرو، إن كلفة الاقتراض ارتفعت بصورة حادة في الاقتصادات المتقدمة، فيما بلغ الدين العام مستويات قياسية، وتراجعت الهوامش المالية التي يمكن للحكومات الاستعانة بها لمواجهة الأزمات بعد سلسلة من الصدمات.
وأضافت أن الاقتصاد العالمي قد يقترب قريباً من اختبار حدود قدرته على الصمود.
وإذا تزامن تراجع الثقة في السياسات المالية والنقدية في الاقتصادات الكبرى مع ارتفاع أسعار السلع الأولية، يتوقع الصندوق أن يتراجع النمو العالمي بمقدار 0.2 نقطة مئوية خلال العام الحالي و0.5 نقطة مئوية عام 2027.
وأوضحت أن نحو ثلثي هذا التأثير يعود إلى الاضطرابات المستمرة في أسواق النفط والغاز، إذ تؤدي فواتير الطاقة المرتفعة إلى تآكل القوة الشرائية للأسر وتقليص استثمارات الشركات.
وستشكل زيادة كلفة الطاقة معظم الارتفاع المتوقع في التضخم، الذي قد يتجاوز التقديرات الأساس بمقدار 1.1 نقطة مئوية في عام 2027.
تحذيرات من الديون وضيق الهوامش المالية
ودعت تينرييرو إلى إعادة الدين العام إلى مسار مستدام على المدى الطويل، لتجنب سيناريو التباطؤ الحاد وارتفاع التضخم.
وأكد صندوق النقد الدولي ضرورة أن يعمل صناع السياسات على احتواء الأخطار الفورية المرتبطة بالتضخم والديون والهشاشة المالية، مع خفض كلفة الاقتراض وإعادة بناء الهوامش المالية بما يتيح للحكومات دعم اقتصاداتها عند وقوع صدمات جديدة.
وقال الصندوق إن الحاجة إلى إعادة بناء الحيز المالي أصبحت أكثر إلحاحاً في ظل ارتفاع مستويات الدين وعوائد السندات السيادية وضغوط الإنفاق المتزايدة.
وفي ما يتعلق بالسياسة النقدية، شددت تينرييرو على ضرورة مواصلة التركيز على استقرار الأسعار، والإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات تقييدية كافية لإعادة التضخم إلى مستوياته المستهدفة في الوقت المناسب.
وأضافت تينرييرو أن البنوك المركزية قد تحتاج إلى تشديد السياسة النقدية أكثر إذا أدت زيادة أسعار السلع الأولية والاستثمارات المرتبطة بالتكنولوجيا إلى تصاعد الضغوط على الكلفة.
وتستعد الأسواق بالفعل لاحتمال رفع أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة، مع عودة النفط إلى مستوى 100 دولار للبرميل، وبقاء عوائد السندات عند مستويات مرتفعة لم تشهدها منذ عقود، وتراجع التوقعات في شأن انتهاء سريع للأزمة المرتبطة بإيران.
ضغوط الإنفاق تستنزف الاحتياطات المالية
قال الصندوق إن الحكومات استخدمت هوامشها المالية لامتصاص صدمات متكررة، من بينها الجائحة والاضطرابات التي أعقبتها، لكن الضغوط على الإنفاق لا تزال مستمرة، بما يقلص المساحة المتاحة للاستجابة لأزمات جديدة.
وتشمل هذه الضغوط الكلفة المرتبطة بشيخوخة السكان وتغير المناخ وحاجات الأمن القومي، وهي عوامل تزيد صعوبة ضبط المالية العامة في وقت تواجه الدول ارتفاعاً في كلفة خدمة الديون.
وشدد المقرض الدولي على ضرورة اتباع سياسة مالية منضبطة تساعد على احتواء ضغوط الطلب في ظل تصاعد أخطار التضخم، مؤكداً أهمية تعزيز الأوضاع المالية للحكومات مع ارتفاع كلفة الاقتراض.
الرسوم الجمركية تهدد نمو التجارة العالمية
حذر صندوق النقد الدولي أيضاً من أن نمو التجارة العالمية سيواجه ضغوطاً بسبب الرسوم الجمركية والتعديلات التي تجريها الشركات على سلاسل الإنتاج، على رغم أن التجارة المرتبطة بالتكنولوجيا قد توفر بعض الدعم.
وقال الصندوق إن الاختلالات العالمية مرشحة للتراجع بصورة محدودة فقط على المدى المتوسط، إذ سيواصل العجز المالي الكبير والتفاوت في مستويات الطلب المحلي الإسهام في استمرار الفجوات الخارجية بين الاقتصادات.
وتشير هذه التوقعات إلى أن التغيرات في السياسات التجارية وأنماط الإنتاج قد تحد من فرص تحسن التوازنات الاقتصادية العالمية، في حين تظل الاختلافات بين مستويات الاستهلاك والاستثمار والإنفاق الحكومي عاملاً مؤثراً في العلاقات المالية والتجارية بين الدول.
الذكاء الاصطناعي يعيد توزيع النمو بين الدول
وفقاً لصندوق النقد، أسهمت طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في حماية أجزاء من الاقتصاد العالمي من تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة، لكنها لم توفر الحماية نفسها لدول أخرى أكثر تعرضاً للكلفة الكاملة للحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
وبحسب تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" نسخة أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، وهو التقرير الذي أصدره صندوق النقد الدولي أمس الثلاثاء، باتت 32 دولة تستحوذ على 95 في المئة من النمو العالمي مقارنة بـ54 دولة في نسخة أبريل (نيسان) الماضي من التقرير، وهو ما وسع نطاق خفض التوقعات، إذ جرى تقليص تقديرات النمو لنحو 47 في المئة من الاقتصادات.
وقال الصندوق إن الاقتصاد العالمي لا يشهد مجرد تباطؤ أو تسارع في النمو، بل يعيد توزيع النمو بين الدول وفقاً لمدى تعرضها لصدمة الإمدادات الناجمة عن الحرب، وقوة الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضافت تينرييرو أن القدرة على الصمود تتوزع بصورة غير متكافئة بين الدول وفقاً لهذين العاملين، وأن النمو العالمي بات يعتمد بدرجة كبيرة على مجموعة ضيقة من الظروف التكنولوجية والمالية.
لكن الاقتصادات التي تحقق أكبر المكاسب من الذكاء الاصطناعي قد تكون أيضاً الأكثر عرضة للضغوط التضخمية، مع زيادة الطلب الناجمة عن طفرة الاستثمار في هذه التكنولوجيا.
أخطار تضخمية مرتبطة بالاستثمار التكنولوجي
أشار الصندوق إلى أن التأثيرات غير المباشرة للذكاء الاصطناعي على التضخم الأساس في الاقتصادات الكبرى لا تزال محدودة، لكنه شدد على ضرورة مراقبة هذه الأخطار مع عودة أسعار الطاقة إلى الارتفاع وانتقال آثارها إلى سلع أولية أخرى.
وارتفع التضخم العام العالمي في أغسطس (آب) الماضي، بعد وقف إطلاق نار لم يدم طويلاً، فيما بدأت أسعار السلع الأساس في بعض الاقتصادات المتقدمة تعكس الارتفاع السريع في كلفة رقائق الذاكرة.
وعلى رغم أن السيناريو الأساس للصندوق يفترض تراجع التضخم العام المقبل، فقد رفع توقعاته لعام 2027 بمقدار 0.2 نقطة مئوية إلى4.1 في المئة، مع الإقرار بأن الأخطار التي قد تدفع التضخم إلى مستويات أعلى لا تزال قائمة.
وفي المقابل، رأى الصندوق أن الأوضاع المالية الميسرة، وقدرة القطاع الخاص على التكيف، والاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، قد تساعد الاقتصاد العالمي على تجاوز صدمة الحرب، وربما تسهم في بدء تعزيز الإنتاجية.
تحرك استباقي لتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات
دعا صندوق النقد الدولي حكومات العالم إلى اتخاذ "إجراءات قوية ومدروسة" لإعادة بناء الهوامش المالية وتحسين قدرة الاقتصادات على تحمل الصدمات المستقبلية.
وحذر من أن ارتفاع الدين العام وكلفة التمويل يجعلان ضبط المالية العامة أكثر إلحاحاً، إذ إن استمرار العجز الكبير قد يحد من قدرة الحكومات على التحرك عندما تواجه أزمات جديدة.
ويرى الصندوق أن إعادة بناء الاحتياطات المالية وتعزيز استدامة الدين يشكلان عنصرين أساسيين لزيادة مرونة الاقتصادات، في وقت يواجه النمو العالمي تحديات متزامنة تشمل التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة والتغيرات في التجارة العالمية وأخطار الاستثمار التكنولوجي.