ملخص
يسعى بيت هيغسيث إلى استثمار الجدل حول بث إعدام نضال حسن لاستنهاض قاعدة "ماغا" قبيل الانتخابات النصفية، فيما تضع تحركاته وطموحه لخلافة ترمب عام 2028 علاقته بجي دي فانس في إطار تنافس سياسي متصاعد. لكن موقعه داخل الإدارة يبقى هشاً في ظل تعثر الحرب في إيران ومشكلات "البنتاغون"، وقد تنقلب مجازفته عليه إذا جاءت نتائج الجمهوريين سيئة واضطر ترمب إلى البحث عمن يحمله مسؤولية الإخفاق.
بالنسبة إلى دولة غارقة في حرب طويلة ومتصاعدة مع إيران، بدت في تصرفها الأخير وكأنها تحتفي، على نحو غريب، بحكم الملالي القتلة في طهران وتعطش حركة "طالبان" الأفغانية إلى الإعدامات العلنية الدامية. ومن المروع أن تجد الولايات المتحدة نفسها في صف هؤلاء، ومع ذلك ثمة أسباب عملية بحتة تدفع وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إلى المجازفة بسمعة بلاده على هذا النحو المروع.
فعندما أعلن هيغسيث احتمال تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص بحق نضال حسن، الطبيب النفسي العسكري الذي تبنى فكراً إسلاموياً متطرفاً وقتل 13 شخصاً في قاعدة "فورت هود" العسكرية عام 2009 وتسبب بإعاقات دائمة لكثيرين آخرين، أوضح أن من عناصر جاذبية هذا الخيار بالنسبة إليه بث الإعدام مباشرة على الهواء. وقد أثار ذلك انزعاجاً حتى لدى أشد مؤيدي عقوبة الإعدام حماسة، الذين أعربوا عن قلقهم من الأثر الذي قد تتركه وحشية المشهد في من يشاهدونه.
وفوجئ كبار قادة الجيش أنفسهم بالإعلان، كما أشار نائب الرئيس جي دي فانس إلى أنه لن يشاهد الإعدام، وشكك في أن تنفيذ الحكم، المقرر في مطلع ديسمبر (كانون الأول)، سيتم بالصورة التي اقترحها هيغسيث، منافسه المحتمل على خلافة ترمب.
وأثارت خطة إعدام حسن علناً رمياً بالرصاص موجة اشمئزاز واسعة، داخل الولايات المتحدة وخارجها. وكان حسن قد أصبح مقعداً على كرسي متحرك جراء إصابات أصيب بها، عندما أطلقت الشرطة العسكرية النار عليه أثناء هجومه. أما الأسباب التي تدفع هيغسيث إلى إثارة هذا الصراع الداخلي في خضم المناورات السياسية داخل عالم "ماغا"، فلم تحظ بالاهتمام نفسه.
هيغسيث، وهو في منتصف الأربعينيات من عمره، شخصية فجة، لكنه غالباً شديد الحساسية للانتقادات. ويمكن فهمه على أفضل وجه بوصفه رجلاً يريد أن ينظر إليه باعتباره التجسيد الأقصى لـ"ماغا"، ومن الجيل المقبل من قادتها، فيما يضع نصب عينيه خوض سباق البيت الأبيض عام 2028. وكما حدث في كثير من تعاملات إدارة ترمب مع المؤسسات الأميركية الأساسية، عرف هيغسيث كيف يرصد مواطن الضعف الموجودة أصلاً، ومنها أن مبادرات التنوع كثيراً ما تنتهي إلى سلسلة من الإجراءات البيروقراطية والقانونية التي يرى القادة العسكريون أنها تشغلهم عن مهماتهم أو تؤدي إلى نتائج عكسية.
لكن هيغسيث يصرف الأنظار الآن عن مشكلة أكبر بكثير، وهي أن القوة القتالية والقدرة التكنولوجية للولايات المتحدة أضعف على نحو خطر مما يجب أن تكون عليه. ولم يتحقق الوعد بتعزيز آلة الحرب الأميركية التي استنزفتها أزمة العراق والانسحاب المهين من أفغانستان، ويجمع من يعرفون هيغسيث في أوساط "البنتاغون" على أنه يفتقر إلى الخبرة اللازمة لفهم المؤسسة الضخمة التي يقودها.
أما علاقته بترمب، فتستند أساساً إلى بروزه مدافعاً عن حركة "ماغا" في أكثر برامج "فوكس نيوز" ميلاً إلى اليمين، قبل أن يدفع به إلى منصب وزير الدفاع ليحمل رسائل الحركة إلى داخل الإدارة. ولم ينجح في اجتياز جلسات تثبيت تعيينه إلا بصعوبة، بعدما كشفت تفاصيل عن حياته الشخصية المضطربة، إلى جانب مزاعم باعتداء جنسي ووقائع تتعلق بالإفراط في شرب الكحول. وفي النهاية، حسم صوت نائب الرئيس جي دي فانس النتيجة لمصلحة تعيينه، لكن موقع هيغسيث ظل هشاً منذ البداية.
ويزداد موقع هيغسيث هشاشة الآن، إذ يمكن تحميله مسؤولية الحرب في إيران وتعثرها، وهو ما دفع ترمب إلى التحول بقوة نحو موسكو سعياً إلى الحصول من فلاديمير بوتين على كمية رمزية من إمدادات الديزل. كذلك يكشف الهجوم الدامي على مطار الرياض، في وقت يستغل فيه الحوثيون الفوضى في مضيق هرمز، عن مواطن الضعف في الموقف الأميركي.
لو واصلت الولايات المتحدة التركيز على دورها الدفاعي وعلى حماية حلفائها في السعودية، لكان من الممكن احتواء التهديد الحوثي، أما الآن فقد خرج الوضع عن السيطرة.
ولا يتحدث هيغسيث كثيراً عن الخليج، باستثناء عبارات عامة، لكنه يكثر من الحديث عن قضايا أخرى، من بينها إعادة إشعال المعارك الثقافية داخل الجيش الأميركي ضد من يصفهم بـ"غريبي الأطوار" و"أصحاب اللحى" و"المتحولين جنسياً"، وذلك بعد وقت طويل من إبلاغ المتحولين جنسياً بأنهم لن يسمح لهم بالخدمة في الجيش، كما فرض كبار القادة العسكريين بالفعل قيوداً على الإعفاءات من قواعد حلاقة شعر الوجه.
ولعل الحديث عن كل ذلك أسهل من مواجهة التحديات الحقيقية التي تكافح الإدارة لفهمها، أما خطة الإعدام فهي مجازفة أقدم عليها هيغسيث قبيل انتخابات نصفية يتوقع أن تكون قاسية على الجمهوريين. وليس من المصادفة أن تكون قاعدة "فورت هود" العسكرية في تكساس، وهي ولاية يواجه فيها الجمهوريون سباقاً غير محسوم، بينما يرى الديمقراطيون فرصة محتملة للفوز، في صلب هذه القضية. وإذا سارت الأمور في نوفمبر (تشرين الثاني) كما يريد ترمب، فسيعتبر أن هيغسيث نجح في تقديم ما يثير حماسة الناخبين ويشدهم إلى صفه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما إذا خسر ترمب السيطرة على الكونغرس ووجد نفسه تحت ضغط سياسي، فسيكون من الصعب عليه أن يقدم النتيجة على أنها نجاح، وسيحصل الديمقراطيون عندها على أدوات أوسع للتحقيق في أداء الرئاسة. وقال لي ملحق عسكري رفيع لدى إحدى الدول الأوروبية: "لا أتمنى أن أكون مكان هيغسيث في مثل هذا السيناريو، فإذا جاءت النتائج سيئة، سيبحث ترمب عمن يحمله المسؤولية، وسيكون هيغسيث في مقدمة من سيلقي عليهم اللوم".
ولترمب سجل معروف في إقالة أشخاص سبق أن قربهم واعتبرهم من حلفائه داخل حركة "ماغا" عندما يشعر بأن مشكلاتهم بدأت تضر بشعبيته، وكان أحدث هؤلاء بام بوندي، التي كانت يوماً من المقربين إليه قبل أن يعينها مدعية عامة.
ولا يزال هيغسيث يحاول أن يثبت نفسه واحداً من مجموعة صغيرة من المرشحين الذين يمكن أن يخلف أحدهم ترمب، لكن ذلك لا يعني أنه سيبقى في المنافسة حتى مراحلها الأخيرة، فقد ينتهي الأمر به إلى أن يكون هو من يدفع ثمن الإخفاقات، وهو ما سيصب عملياً في مصلحة فانس، نائب الرئيس الذي يطمح إلى أن يكون الوريث الوحيد لترمب.
وتكشف هذه المناورة اليائسة عن مدى هشاشة مشروع هيغسيث للوصول إلى السلطة، فهو رجل استعراض بلا مبادئ، مستعد لجر الجيش الأميركي إلى مستوى أسوأ أعداء الولايات المتحدة حول العالم، ويسعى إلى تصدر المشهد على حساب سمعة بلاده. لكن عالم "ماغا" يشبه لعبة "السلم والثعبان"، وقد يكون ثمن المجازفات الكبرى باهظاً.
آن ماكيلفوي هي رئيسة التحرير التنفيذية في "بوليتيكو"، وتشارك في تقديم بودكاست "السياسة في منزل سام وآن" Politics at Sam and Anne’s.
© The Independent