Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

البرلمان الليبي يدخل مرحلة نزاع على الشرعية الدستورية

اجتماع النواب من دون دعوة وانتخاب رئيس بدلاً من عقيلة صالح يدفعان خلافات المجلس إلى الحسابات السياسية

مجلس النواب انتخب هيئة جديدة ورئيساً جديداً بدلاً من عقيلة صالح والهيئة التي كانت تعمل معه (أ ف ب)

ملخص

خلال 48 ساعة فقط، انتقل مجلس النواب الليبي من تحديد ولاية هيئة رئاسته بعام واحد إلى انتخاب الصالحين عبدالنبي خلفاً لعقيلة صالح، وهو ما يعد تغييراً سريعاً يفتح مرحلة جديدة داخل المؤسسة التشريعية وفي موازين القوة شرق ليبيا.

لم يحتج مجلس النواب الليبي إلى الأيام السبعة التي منحها لنفسه لاختيار قيادة جديدة، فبعد 24 ساعة فقط من تصويت 98 نائباً على تحديد ولاية هيئة الرئاسة بعام واحد، انتخب المجلس الصالحين عبدالنبي العبيدي رئيساً خلفاً لعقيلة صالح، منهياً 12 عاماً ظل خلالها صالح على رأس المؤسسة التشريعية، لكن الانتخاب الذي حسم اسم الرئيس لم يحسم بعد المعركة على شرعية الرئاسة.

يومان فقط، انتقل فيها مجلس النواب من خلاف حول تعديل لائحته الداخلية إلى تغيير كامل تقريباً لهيئة رئاسته، ثم جاء ترحيب القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر ونائبه ونجله الفريق صدام حفتر والحكومة المكلفة من البرلمان، ليمنح القيادة الجديدة اعترافاً سياسياً سريعاً في شرق البلاد، في مقابل تمسك صالح ومعارضين للإجراءات بعدم شرعيتها، وتحرك نواب لعقد جلسة أخرى في طرابلس، مما يفتح مرحلة مختلفة من الصراع عنوانها "من يملك، قانونياً وفعلياً، تمثيل مجلس النواب"؟

24 ساعة

بدأ التحول الحاسم أول من أمي الإثنين، الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، عندما عقد مجلس النواب في بنغازي جلسة برئاسة النائب الثاني مصباح دومة، حضرها 102 نائب، صوّت 98 منهم على اعتماد نظام "الدورة البرلمانية" لمكتب هيئة الرئاسة، لتصبح مدة الولاية 12 شهراً، وتبدأ كل دورة جديدة بانتخاب مكتب جديد، وحدد التعديل سبعة أيام لإجراء الانتخابات.

ولم يكتف النص بتحديد مدة الرئاسة، بل وضع آلية تمنع المكتب المنتهية ولايته من تعطيل انتخاب خلف له، فنص على أن عدم عقد جلسة الانتخاب لا يعني تمديد الولاية، وأن المجلس يستطيع الانعقاد "بقوة القانون" عند اكتمال النصاب، إذا امتنعت هيئة الرئاسة من الدعوة إلى الجلسة.

لكن النواب لم ينتظروا سبعة أيام، ففي اليوم التالي، السادس من أكتوبر الجاري، عاد النواب لمقر البرلمان في بنغازي وعقدوا جلسة برئاسة دومة لانتخاب هيئة الرئاسة، وأعلن المتحدث الرسمي باسم المجلس عبدالله بليحق انتخاب الصالحين عبدالنبي رئيساً للمجلس.

واستكمل النواب بعدها تشكيل الهيئة، فانتخبوا طارق الأشتر نائباً أول بعد حصوله في الجولة الثانية على 63 صوتاً في مقابل  47للصديق حمودة، فيما انتخب مصباح دومة نائباً ثانياً بالإجماع، وزايد هدية عطية مقرراً، ومحمد تامر نائباً للمقرر، واختير سليمان سويكر ومحمد امدور وصالح فحيمة مراقبين للمجلس.

ولم يتوقف الأمر عند إعلان نتائج التصويت، إذ عقدت هيئة الرئاسة الجديدة اجتماعها الأول في اليوم نفسه، وأصبح الموقع الرسمي لمجلس النواب يتعامل مع عبدالنبي بصفته رئيس المجلس، ومع الأشتر ودومة نائبين له، وهو تطور يمنح القيادة الجديدة السيطرة العملية على مؤسسات المجلس وأدواته الإدارية والإعلامية، حتى وإن بقي النزاع القانوني قائماً.

من هو الرئيس الجديد؟

والصالحين عبدالنبي العبيدي نائب عن طبرق ومهندس مدني، وسبق أن ترأس لجنة الصداقة البرلمانية الليبية - التركية، وكان عضواً في عدد من اللجان البرلمانية، من بينها اللجنة المكلفة بمتابعة صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، وفي أول خطاب له بعد انتخابه، حاول عبدالنبي تقديم التغيير بكونه انتقالاً داخل المؤسسة وليس قطيعة معها، إذ وجه الشكر إلى هيئة الرئاسة السابقة، وعلى رأسها عقيلة صالح وفوزي النويري ومصباح دومة.

وأكد أن "تقدير جهود من سبقوه هو تقدير لمسيرة المؤسسة واستمرارها"، متعهداً بأن "يعمل على تعزيز الدور الدستوري والتشريعي والرقابي للمجلس، مع دعم الحوار والمصالحة الوطنية وتحسين الخدمات، وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد وحسن إدارة المال العام"، وأعلن عزمه "بناء علاقة مؤسسية متوازنة مع الحكومة والقضاء والمؤسسات الأمنية والعسكرية، وفتح أبواب المجلس أمام مختلف القوى السياسية والاجتماعية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتكشف هذه الأولويات أن الرئيس الجديد يسعى منذ خطابه الأول إلى تجاوز حدود الصراع الداخلي الذي أوصله إلى المنصب، وتقديم رئاسته على أنها بداية لإعادة تنشيط المؤسسة التشريعية، في ملفات تتجاوز تغيير الأشخاص.

وسيكون الاختبار الحقيقي للرئيس الجديد للبرلمان في كيفية التعاطي مع ملفات سياسية ثقيلة تنتظره، تشمل القوانين الانتخابية والعلاقة مع مجلس الدولة ومسارات تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، إضافة إلى التعامل مع المبادرات الدولية والأممية المطروحة لإنهاء الانقسام.

ويرى الصحافي أسامة الورفلي أن "نجاح الرئيس الجديد في حسم كل هذه الملفات يحتاج إلى محافظته على الإجماع الذي أوصله إلى كرسي الرئاسة، فقد كان أحد الأسئلة الأساس قبل الانتخاب هو ما إذا كان النواب الـ98 الذين اتفقوا على إنهاء الرئاسة المفتوحة يستطيعون الاتفاق على بديل أم لا؟"

وأوضح الورفلي أن "النتيجة أظهرت أن هذه العقبة جرى تجاوزها في منصب الرئيس، بعد تحول عبدالنبي إلى مرشح وحيد، لكنها ظهرت بصورة أوضح في المنافسة على منصب النائب الأول، إذ احتاج طارق الأشتر إلى جولة ثانية قبل حسمها بـ 63 صوتاً في مقابل 47 للصديق حمودة، وهذا الفارق مهم في قراءة المجلس الجديد، فتوافق غالبية كبيرة على تغيير القواعد لا يعني وجود كتلة سياسية متجانسة، خلف كل تفاصيل المرحلة المقبلة".

وأضاف المتحدث "سيكون أول اختبار لعبدالنبي قدرته على تحويل غالبية التغيير إلى غالبية مستقرة، تستطيع تمرير التشريعات والقرارات، وفي الوقت نفسه إعادة النواب المعترضين إلى قاعة واحدة، وهو ما يفسر تعهده منذ خطابه الأول بأن يكون رئيساً لجميع النواب".

بوادر انقسام تشريعي

في المقابل، رفض عقيلة صالح منذ البداية الأساس الذي بنيت عليه عملية التغيير، ورأى أن جلسة الخامس من أكتوبر الجاري، والقرارات الصادرة عنها، غير رسمية ولا يترتب عليها أثر قانوني، عاداً أن "الإجراءات لم تتبع القواعد المنظمة لتعديل القوانين واللائحة الداخلية"، وكذلك ألغى الجلسة الرسمية التي كان قد دعا إليها أمس الثلاثاء، وأجلها إلى موعد آخر.

وغاب صالح والنائب الأول السابق فوزي النويري عن جلسة انتخاب عبد النبي، فيما كان النويري قد حذّر بدوره من "تجاوز الإجراءات القانونية في التعامل مع الخلاف على رئاسة المجلس وتعديل لائحته".

ولم يبق الاعتراض محصوراً في الرئيس السابق، إذ أعلن النائب علي أبوزريبة، رفقة عدد من النواب، عدم الاعتراف بشرعية جلسة انتخاب هيئة الرئاسة وما نتج منها، وعدّها "فرضاً للأمر الواقع"، معلناً "التحضير لعقد جلسة برلمانية في طرابلس خلال الأسبوع المقبل"، وداعياً النواب إلى المشاركة فيها.

وهنا يظهر خطر جديد لم يكن مطروحاً بالقوة نفسها، قبل انتخاب عبد النبي، وهو ألا ينقسم البرلمان فقط حول اسم رئيسه، بل حول مكان انعقاده وشرعية جلساته، ومن يملك الدعوة إليها، والتوقيع باسم المؤسسة التشريعية، وهذه تحديداً هي النقطة التي تجعل انتخاب الرئيس الجديد للبرلمان نهاية لمرحلة وبداية لأخرى، وليس حلاً نهائياً للأزمة.

كذلك دعا رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، قبل انتخاب القيادة الجديدة النواب إلى "الالتزام بالإعلان الدستوري وتعديلاته"، مشيراً بصورة خاصة إلى المادة السادسة، الفقرة "د" من التعديل الدستوري السادس، والمتعلقة بـ "النصاب اللازم لإقالة رئيس مجلس النواب".

وبحسب تفسير المنفي، فإنه لا يمكن لنص قانوني أو لائحة أن يتعارض مع النص الدستوري الأعلى مرتبة، ما دام رئيس المجلس لم يقدم استقالته، محذراً من "دخول المؤسسة في تنازع الشرعيات أمام القضاء الدستوري".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير