ملخص
بينما يرى مراقبون أن التفكير في هذه الآلية يعكس انتقال النقاش الأممي إلى هندسة مرحلة تنفيذ التسوية، باعتبارها الحلقة الأكثر تعقيداً في النزاعات الممتدة، يثير آخرون مخاوف من أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى مساحة لإعادة التفاوض حول مضامين الحل نفسه، لا سيما في ظل استمرار الخلاف في شأن السيادة وتقرير المصير، وما قد يترتب عن ذلك من تداعيات على مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره الإطار المرجعي المطروح للتسوية.
شكَّل إدراج فكرة إنشاء مجلس انتقالي ضمن مسار المفاوضات في شأن نزاع الصحراء بين المغرب وجبهة "البوليساريو" أحد أبرز المستجدات التي حملها تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بعدما انتقلت المناقشات من البحث في صيغة الحل السياسي إلى بحث الآليات الكفيلة بتدبير المرحلة التي قد تلي التوصل إلى اتفاق.
ولا يقتصر طرح فكرة المجلس الانتقالي على كونه آلية تقنية لتدبير مرحلة ما بعد الاتفاق بين أطراف نزاع الصحراء، بل يفتح الباب أمام أسئلة سياسية وقانونية عميقة في شأن طبيعة هذه المرحلة، وحدود أدوار الأطراف والفاعلين الدوليين، ومستقبل السيادة وترتيبات الحكم في إقليم الصحراء.
وبينما يرى مراقبون أن التفكير في هذه الآلية يعكس انتقال النقاش الأممي إلى هندسة مرحلة تنفيذ التسوية، باعتبارها الحلقة الأكثر تعقيداً في النزاعات الممتدة، يثير آخرون مخاوف من أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى مساحة لإعادة التفاوض حول مضامين الحل نفسه، لا سيما في ظل استمرار الخلاف في شأن السيادة وتقرير المصير، وما قد يترتب عن ذلك من تداعيات على مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره الإطار المرجعي المطروح للتسوية.
المجلس الانتقالي في تقرير غوتيريش
تناول التقرير الجديد للأمين العام للأمم المتحدة، الذي قدمه أخيراً أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي، بالتفصيل، جولات المفاوضات التي جرت خلال فبراير (شباط) عام 2026، بما فيها مناقشة فكرة المجلس الانتقالي والمرحلة الانتقالية في مسار حل نزاع الصحراء.
ووفق التقرير، الذي يأتي في سياق استعداد مجلس الأمن لمناقشة ملف الصحراء وتجديد ولاية بعثة "مينورسو" التي تنتهي في الـ31 من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2026، فإنه خلال الجولة الثانية من المفاوضات في مدريد، بحث المشاركون في إنشاء مجلس انتقالي لا يقتصر دوره على إدارة مختلف العمليات الانتقالية، بل يوفر أيضاً إطاراً للتفاوض في شأن تفاصيل حل عادل ودائم ومقبول بصورة متبادلة.
وجرت في المفاوضات بين أطراف نزاع الصحراء، تبعاً للمصدر عينه، مناقشة دور الجهات الدولية المعنية وضمانات التنفيذ بصورة مستفيضة، وطُرحت أفكار ومقترحات في شأن تقاسم الموارد، والعفو والمصالحة، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والتدابير الأمنية، والنظم الانتخابية. وبناءً على طلب المشاركين، تابع تقرير غوتيريش، عمل فريقا الأمم المتحدة والولايات المتحدة معاً، في أثناء تلك الجولة من المفاوضات وبعدها، على إعداد مشروع أولي لاتفاق إطاري في شأن مرحلة انتقالية محتملة. وشدد التقرير على أنه في حال اعتماد مقترح المجلس الانتقالي، "يمكن لهذا الاتفاق الإطاري أن يوفر أساساً للمفاوضات في شأن نموذج مفصل للحكم الذاتي في الصحراء، وكذلك في شأن عملية تشاور ذات مغزى مع شعب الصحراء، بما يسمح بإحراز تقدم في هذا المسار".
وتحقيقاً لهذه الغاية، دعا الأمين العام الطرفين إلى الانخراط في مفاوضات منسقة وبحسن نية، برعاية مبعوثه الشخصي، لاستكشاف إمكان تحقيق حكم ذاتي حقيقي لشعب الصحراء، مما "يمكن أن يمثل نتيجة هي الأكثر قابلية للتحقق"، وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2797.
مهام ووظائف المجلس الانتقالي
في السياق رأى الباحث المتخصص في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية هشام معتضد أن الحديث عن مجلس انتقالي ضمن مسار تسوية نزاع الصحراء يكتسب أهمية خاصة، "باعتباره مؤشراً إلى أن النقاش بدأ يقترب من سؤال أكثر تعقيداً من مجرد صياغة الحل السياسي، ويتعلق بكيفية الانتقال من وضع نزاع ممتد منذ نصف قرن إلى نظام سياسي جديد، من دون التسبب في فراغ على مستوى السلطة أو الأمن أو التمثيل"، وأوضح معتضد أن "التقرير الأممي الأخير يشير إلى أن المشاركين ناقشوا بالفعل إمكان إحداث مجلس انتقالي، إلى جانب مجموعة من القضايا المرتبطة بالمرحلة الانتقالية"، مضيفاً أن "هذه العناصر لا تزال تندرج ضمن مشروع تفاوضي قيد النقاش، ولا ترقى بعد إلى مستوى اتفاق نهائي مكتمل البنية".
وبحسب معتضد أيضاً، "فإن وظيفة المجلس، في حال تم الاتفاق على إحداثه، لن تتمثل في إنشاء سلطة موازية أو إعادة فتح مسألة السيادة خلال المرحلة الانتقالية، وإنما في إدارة المسافة الفاصلة بين التوصل إلى الاتفاق السياسي ووضعه موضع التنفيذ الفعلي"، معتبراً أن "هذه المساحة تعد عادة من أخطر مراحل تسويات النزاعات، لأن توقيع الاتفاق لا يؤدي بالضرورة وبصورة تلقائية إلى إنتاج مؤسسات قادرة على تنفيذه"، ولفت معتضد إلى ضرورة حسم مجموعة من القضايا العملية، "من بينها تحديد الجهة التي ستشرف على عودة السكان، وكيفية إدماج العناصر المسلحة، والجهة التي ستتولى مراقبة تنفيذ الالتزامات، فضلاً عن كيفية الإعداد للانتخابات وانتقال الصلاحيات"، مشدداً على أهمية تحديد الضمانات المتبادلة التي تحول دون اعتقاد أي طرف بأن الطرف الآخر قد يستغل المرحلة الانتقالية لتغيير قواعد الاتفاق بعد دخوله حيز التنفيذ.
وأكد أيضاً أن "النقطة الأهم في هذا الإطار لا ترتبط باسم المجلس بقدر ما تتعلق بتركيبته وطبيعة الأدوار المنوطة به"، لافتاً إلى أن "النموذج الوارد أصلاً في المبادرة المغربية للحكم الذاتي لسنة 2007 تحدث عن مجلس يضم ممثلي الأطراف، ويساعد في العودة ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، إلى جانب تنفيذ النظام وإجراء الانتخابات".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هندسة مرحلة ما بعد التسوية
في المقابل أفاد معتضد بأن النقاش الحالي، وفق المعلومات المنشورة في شأن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، "يضع إلى جانب المجلس أدواراً للفاعلين الدوليين، وضمانات لتنفيذ الاتفاق، فضلاً عن ترتيبات أمنية وانتخابية"، معتبراً أن هذا الأمر يوحي أن الهندسة المطروحة تقوم على توزيع للوظائف، "إذ تمنح الأطراف الاتفاق ملكيته السياسية، فيما تمنحه المؤسسات المحلية الشرعية التمثيلية، في وقت يوفر الدور الدولي الضمان والمراقبة خلال الفترة الانتقالية"، ورأى معتضد أن أكثر الملفات حساسية في أي مرحلة انتقالية سيكون مرتبطاً بنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، "فالتسوية الحقيقية لأي نزاع مسلح لا تتحقق بمجرد تغيير النصوص السياسية، وإنما تقتضي أيضاً تحويل الفاعل المسلح إلى فاعل سياسي، والانتقال من منطق السيطرة العسكرية إلى منطق المنافسة والتمثيل داخل المؤسسات".
وفي حال إنشاء المجلس الانتقالي، تابع "أن أحد أبرز وظائفه سيكون المساعدة في إدارة هذا التحول من شرعية السلاح إلى شرعية صندوق الاقتراع، بالتوازي مع مسارات المصالحة والعودة وتوفير الضمانات الأمنية"، محذراً من أن عدم نجاح هذه الحلقة قد يؤدي إلى وجود تسوية على الورق، في وقت تستمر فيه بنية النزاع على أرض الواقع.
وخلص معتضد بالقول إن أهمية فكرة المجلس الانتقالي تتجاوز المجلس نفسه، معتبراً أن ظهور تفاصيل تتعلق بالانتقال والانتخابات والضمانات والمصالحة ونزع السلاح يعكس، في الأقل، على مستوى السيناريوهات المطروحة للنقاش، بداية اقتراب التفكير الدبلوماسي من هندسة مرحلة ما بعد التسوية. ووصف هذا التطور في ملف الصحراء بأنه "تحول مهم"، وأن أصعب مراحل النزاعات الطويلة لا تكمن دائماً في التوصل إلى صيغة سياسية، "وإنما في بناء الآلية التي تجعل جميع الأطراف ترى أن كلفة تنفيذ الاتفاق أقل من كلفة العودة للنزاع"، وتبعاً لمعتضد، فإن "بلوغ المسار هذه المرحلة سيجعل السؤال يتجاوز البحث عن الحل في حد ذاته، ليصبح مرتبطاً بمن سينفذه؟ وبأي تسلسل؟ وتحت أي ضمانات؟ وكيف يمكن تحويل التسوية من مجرد نص دبلوماسي إلى نظام سياسي قابل للاستمرار""، معتبراً أن "هذه هي الوظيفة الحقيقية لأي مرحلة انتقالية ناجحة".
العودة للنقطة الصفر؟
من ناحيته، رأى الأستاذ الجامعي المتخصص في الدراسات السياسية والدولية محمد الزهراوي "أن هذا المجلس الانتقالي يطرح تساؤلات وإشكالات عدة في خضم النقاش حول مسار التسوية الأممي في شأن نزاع الصحراء، لا سيما أن قرار مجلس الأمن الأخير 2797 أقر بأن الحكم الذاتي يظل الأرضية الواقعية والإطار المرجعي لطي ملف الصراع حول الصحراء نهائياً"، ووضع الزهراوي ثلاثة مستويات في محاولة قراءة ومقاربة هذه الآلية المقترحة لتدبير الفترة الانتقالية بالصحراء، "الأول يرتبط بالسياق، إذ إن تضمين تقرير الأمين العام للأمم المتحدة هذا المجلس الانتقالي كآلية لتدبير المرحلة الانتقالية جاء بعد سلسلة من اللقاءات بين أطراف النزاع لمناقشة مقترح الحكم الذاتي المفصل الذي قدمه المغرب، وهذا المنحى المرتبط بالمجلس الانتقالي ربما يؤشر إلى قبول الأطراف التفاوض من الناحية المبدئية حول المقترح المغربي. والمستوى الثاني يرتبط بالتوازنات الدولية، إذ لا يمكن مقاربة هذا المقترح المرتبط بآلية المجلس الانتقالي من دون استحضار مضمون تقرير الأمين العام، إذ يبدو أن ستيفان دي ميستورا المبعوث الشخصي للأمين العام المكلف ملف الصحراء، يحاول أن يستميل ويرضي الأطراف الأخرى التي تصطف في الخانة المعادية للمغرب، من خلال تضمين التقرير ببعض المفردات والآليات، مثل الإشارة إلى الضمانات الدولية والأممية، وتوظيف مصطلح استشارة الشعب الصحراوي، والخلاف حول السيادة وتقرير المصير وغيرها. والمستوى الثالث يتعلق بمضمون التقرير، إذ قد يشكل هذا المجلس، كآلية لتدبير المرحلة الانتقالية، محاولة لإفراغ محتوى الحكم الذاتي من مضمونه والعودة لنقطة الصفر، ويؤشر هذا المنحى إلى نزع السيادة المغربية أو في الأقل تخفيف أثرها في المرحلة الانتقالية".
ونبه الزهراوي من أن هذا الوضع قد يعطي للجزائر ولجبهة "البوليساريو" فرصة للالتفاف على مقترح الحكم الذاتي وإعادة صياغته عملياً وميدانياً بسبب الهامش الذي قد يكون متاحاً في إطار المجلس الانتقالي، وأممياً بالنظر إلى تبني القوى الكبرى والأمم المتحدة هذه الآلية، "مما قد يؤدي إلى دفع المغرب إلى صيغ أخرى لحل نزاع الصحراء قد لا تكون في صالحه".