Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أعماق البحار الأوروبية تتحول إلى ساحة للمعركة الرقمية

تتجه القارة العجوز نحو إنشاء "قاع بحر مزود بأجهزة استشعار"

 تعمل الأجهزة التي تطورها أوروبا لحماية قاع البحار عبر رصد المستشعر الصوتي الصوت غير المعتاد تحت الماء (أ ف ب)

ملخص

تتمثل الفكرة الأساس في رصد الأنشطة المشبوهة قبل تعرض الكابل أو خط الأنابيب للتلف، بدلاً من اكتشاف الضرر بعد وقوعه، ويمكن نشر أجهزة الاستشعار في قاع البحر بالقرب من الكابلات وخطوط الأنابيب المهمة، وداخل "الكابلات الذكية" أو بمحاذاتها، مما يتيح للكابل نفسه أن يصبح جزءاً من شبكة استشعار واسعة النطاق.

تخصص أوروبا جزء كبير من جهودها ومواردها لبناء الآليات اللازمة لمراقبة ما يجري في أعماق بحارها، بعد الأحداث الأمنية الخطرة المتتالية وأخرها في الـ10 من سبتمبر (أيلول) الماضي، حين أفادت وكالة "رويترز" بأن بعض الدول الأوروبية أحبطت ما وصفه مسؤولون غربيون بأنه عملية روسية سرية بالقرب من أرخبيل سفالبارد، تضمنت استخدام تقنيات تهدف إلى تعطيل كابلات بحرية حيوية.

 وتتجه القارة العجوز نحو إنشاء "قاع بحر مزود بأجهزة استشعار"، وهي شبكة تتضافر فيها جهود أجهزة الاستشعار تحت الماء، وأنظمة السونار، والمركبات البحرية ذاتية القيادة، والطائرات المسيرة السطحية، والسفن، والطائرات، والأقمار الاصطناعية لمراقبة البنية التحتية الحيوية.

 كيف يمكن لأجهزة الاستشعار حماية الكابلات والبنية التحتية البحرية في أوروبا؟

 تتمثل الفكرة الأساس في رصد الأنشطة المشبوهة قبل تعرض الكابل أو خط الأنابيب للتلف، بدلاً من اكتشاف الضرر بعد وقوعه، ويمكن نشر أجهزة الاستشعار في قاع البحر بالقرب من الكابلات وخطوط الأنابيب المهمة، وداخل "الكابلات الذكية" أو بمحاذاتها، مما يتيح للكابل نفسه أن يصبح جزءاً من شبكة استشعار واسعة النطاق.

وقد أثبت باحثون في حلف شمال الأطلسي عام 2025 أن أجهزة الاستشعار الصوتية قادرة على رصد البصمة الصوتية تحت الماء الناتجة من ارتطام مرساة السفينة بقاع البحر، وأنه يمكن للسونار رصد الغواصات والمركبات البحرية ذاتية التشغيل وغيرها من الأجسام التي تقترب من البنية التحتية المحمية.

كما يمكن لأجهزة الاستشعار رصد الاهتزازات أو التغيرات الصوتية أو غيرها من الإشارات المرتبطة بالاصطدام أو الانقطاع أو الاضطراب، في حين يمكن للمركبات البحرية ذاتية التشغيل المجهزة بكاميرات وسونار وأجهزة استشعار أخرى فحص المنطقة والتحقق منها عند رصد نظام آلي لأي أمر غير معتاد.

كيف يعمل النظام فعلياً؟

 تعمل الأجهزة التي تطورها أوروبا لحماية قاع البحار عبر رصد المستشعر الصوتي الصوت غير المعتاد تحت الماء، ليقارن الذكاء الاصطناعي بعدها الصوت بأنماط معروفة ويحدد الموقع، من ثم ترسل مركبة غواصة ذاتية القيادة للتحقق من الأمر.

 بعدها تتلقى السفن السطحية والطائرات التنبيه وتحدد السلطات البحرية السفينة المسؤولة، وعند الضرورة، تقوم القوات البحرية باعتراض السفينة أو التحقيق معها.

ويظهر مشروع "مينسيل" التابع لحلف شمال الأطلسي الاتجاه الذي تسير فيه هذه التكنولوجيا، إذ يجمع المشروع بين صور الأقمار الاصطناعية والسونار والمستشعرات تحت المائية، ويستخدم الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة لتحليل أنماط النشاط البحري وتحديد السفن المشبوهة أو التهديدات المحتملة.

 ما الدول الأوروبية التي تستخدم هذه القدرات أو تطورها؟

تعتبر ألمانيا واحدة من أكثر الدول الأوروبية نشاطاً في هذا المجال، ففي عام 2026 أجرت البحرية الألمانية تجارب "سي سيك" التي ركزت تحديداً على حماية الكابلات وخطوط الأنابيب باستخدام أنظمة غير مأهولة، وقد شاركت في هذه التجارب كل من الدنمارك والسويد وهولندا، واختبرت المناورة كيفية ربط أجهزة الاستشعار والمركبات غير المأهولة وأنظمة البيانات لتكوين صورة شاملة وموحدة للبنية التحتية تحت الماء.

كما تعمل ألمانيا على اقتناء "الحوت الأزرق"، وهي مركبة كبيرة غير مأهولة تعمل تحت الماء ومجهزة بأنظمة استشعار متطورة، وتؤكد ألمانيا أن هذا النظام يمكن أن يسهم في مراقبة البنية التحتية الحيوية تحت الماء.

 من جهتها، عززت الدنمارك بصورة كبيرة عمليات المراقبة البحرية حول بحر البلطيق ومضيق كاتيغات، وتحافظ القوات المسلحة الدنماركية بالفعل على مراقبة مستمرة باستخدام الرادارات الساحلية والسفن البحرية وقدرات بحرية أخرى، كما تشارك في جهود حلف شمال الأطلسي لتطوير أنظمة بحرية ذاتية القيادة.

وتكتسب السويد أهمية خاصة نظراً لموقعها الاستراتيجي في بحر البلطيق وبنيتها التحتية البحرية الواسعة، وفي عام 2025 أعلنت القوات المسلحة السويدية تعاونها مع شركة "ساب" وإدارة العتاد الدفاعي السويدية لتطوير طائرة مسيرة كبيرة ذاتية القيادة تعمل تحت الماء، صممت لتعزيز قدرة السويد على رصد التهديدات تحت الماء ومراقبتها وردعها، وتعزيز الحماية للبنية التحتية المدنية.

فيما تقع فنلندا في قلب استراتيجية أوروبا الجديدة لأمن أعماق البحار، وذلك بفضل موقعها على بحر البلطيق وخبرتها في التعامل مع الحوادث التي تؤثر في البنية التحتية تحت الماء، وكانت فنلندا من بين الدول التي دعت خلال قمة حلف شمال الأطلسي في شأن بحر البلطيق في 2025 إلى تعزيز عمليات المراقبة وحماية البنية التحتية الحيوية المغمورة تحت سطح البحر.

 لماذا تكتسب المستشعرات الموجودة تحت الماء أهمية كبيرة في الوقت الراهن؟

 يعتمد الجانب الأوروبي اعتماداً هائلاً على قاع البحر، إذ تعتمد الاقتصادات الحديثة على كابلات الإنترنت وشبكات الاتصالات المالية وخطوط الربط الكهربائي وخطوط أنابيب الغاز ومنشآت الطاقة البحرية ومزارع طاقة الرياح البحرية والموانئ والبنية التحتية العلمية.

 ويصف حلف شمال الأطلسي الكابلات وخطوط الأنابيب وغيرها من مرافق البنية التحتية الموجودة تحت سطح البحر بأنها عناصر حيوية للمجتمعات الحديثة، إذ تنقل الكابلات البحرية أكثر من 95 في المئة من حركة مرور الإنترنت العالمية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 وتكمن المشكلة في أن مساحة قاع البحر شاسعة للغاية ويصعب مراقبتها، فلا يمكن للقوات البحرية وضع سفينة حربية بجوار كل كابل، ولا يمكن لطائرة دورية البقاء باستمرار فوق كل جزء من قاع البحر، كما لا يمكن للبشر فحص آلاف الكيلومترات من البنية التحتية بصورة متواصلة، وهنا تأتي المستشعرات والأنظمة ذاتية التشغيل لتقدم حلاً لجزء من هذه المشكلة من خلال توفير قدرات مراقبة مستمرة.

هل يصبح الذكاء الاصطناعي "عقل" نظام الأمن البحري في أوروبا؟

 لا يكمن التحدي الأكبر بالضرورة في جمع البيانات بل في فهمها، إذ يمكن لآلاف المستشعرات توليد كميات هائلة من المعلومات، وفي هذه الحالة يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتعلم طبيعة الأنشطة المعتادة كمرور سفينة شحن وسير عبارة في مسارها المحدد، والأنشطة التي تستدعي التحقيق كاقتراب جسم مجهول تحت الماء من الكابل.

ويعمل حلف شمال الأطلسي حالياً على دراسة هذا المفهوم من خلال مشروع "مينسيل"، الذي يجمع بين البيانات المستمدة من الأقمار الاصطناعية وأنظمة السونار والمستشعرات تحت المائية وبين تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، وقد يثمر هذا الأمر في نهاية المطاف عن إنشاء خريطة رقمية لقاع البحر تتحدث ذاتياً وبصورة مستمرة.

ماذا يحمل المستقبل؟

أما بخصوص المستقبل فلا يتمثل الهدف طويل الأمد ببساطة في إضافة "مزيد من أجهزة الاستشعار"، بل يكمن في الانتقال من الحماية القائمة على رد الفعل إلى الحماية الاستباقية (التنبؤية)، ففي الوقت الراهن قد تكتشف السلطات تعرض كابل ما للتلف، من ثم تباشر التحقيق في ملابسات الحادثة، أما في المستقبل فقد يتمكن النظام من رصد سلوكيات السفن وموقعها وبصمتها الصوتية تحت الماء وأنشطتها السابقة واحتمالية تهديدها للبنية التحتية، ومن شأن ذلك أن يحدث تغييراً جذرياً في المشهد الأمني لبحار أوروبا.

والواقع أن مسار التطوير يسير بالفعل في هذا الاتجاه، إذ تتجه قوة المهمات "إكس بالتيك" التابعة لحلف شمال الأطلسي نحو الاعتماد على قدرات وطنية تضمن تغطية مستمرة لمنطقة بحر البلطيق، في حين تعكف كل من ألمانيا والسويد والدنمارك وحلفاء آخرين على تجربة أنظمة غير مأهولة تعمل تحت سطح الماء وعلى السطح.

 وعليه، ستتحول أعماق البحار الأوروبية في المستقبل إلى ما يشبه ساحة معركة رقمية تخضع لمراقبة دائمة، إذ ترصد أجهزة الاستشعار الأصوات بصمت، وتجوب المركبات ذاتية القيادة المنطقة، وتراقب الأقمار الاصطناعية حركة السفن، بينما يربط الذكاء الاصطناعي بين ملايين البيانات والمعلومات لتحديد التهديدات ومعالجتها قبل أن تتفاقم وتتحول إلى كوارث.

اقرأ المزيد

المزيد من علوم