ملخص
تتبعت "اندبندنت عربية" خريطة صناعة الألغام المضادة للأفراد في الدول غير الأطراف في معاهدة حظر الألغام، بالاستناد إلى بيانات "مرصد الألغام الأرضية"، الذي يرصد إنتاجاً أو تطويراً نشطاً في أربع منها هي الهند وميانمار وروسيا وكوريا الجنوبية. وتملك روسيا أكبر مخزون معروف بنحو 26.5 مليون لغم، تليها باكستان بنحو 6 ملايين، والهند بما بين 4 و5 ملايين، والصين بأقل من 5 ملايين، فيما يقدر إجمال مخزونات الدول غير الأطراف بأقل من 50 مليون لغم.
في مدينة بيدغوشتش بشمال بولندا تستعد شركة "بيلما" لتنفيذ واحدة من أكبر طلبيات الألغام في تاريخها، بموجب اتفاق وقَّعته في أبريل (نيسان) الماضي مع وكالة التسليح البولندية لتوريد 360 ألف لغم مضاد للدبابات من طراز "أم أن 123"، بقيمة تصل إلى نحو 940 مليون دولار، على أن تسلم بين عامي 2027 و2029. ووقعت الشركة في سبتمبر (أيلول) 2026 اتفاقاً مبدئياً مع شركة "باتريا" الفنلندية لدراسة دمج أربعة من أنظمة زرع الألغام التي تنتجها مع مركبة مجنزرة غير مأهولة.
لم يكن التحرك البولندي الوحيد في أوروبا، ففي ألمانيا أيضاً تعيد شركة "تي دي دبليو" تشغيل خط إنتاج لغم "دي أم 22" بعد توقف أكثر من 10 أعوام، فيما تعمل إيطاليا على تحديث عدة مئات الآلاف من ألغام "ماتس" الموجودة في مخزون جيشها. وفي لاتفيا، يجري إنشاء منشأة لإنتاج الألغام المضادة للدبابات ومكوناتها، على أن تبدأ العمل في 2028.
على الجانب الآخر، تخضع الألغام المضادة للأفراد، لقواعد أخرى. فقد وضعت "معاهدة أوتاوا" للحد من الخسائر البشرية التي تتسبب فيها هذه الألغام حتى بعد انتهاء الحروب، ودخلت حيز التنفيذ في مارس (آذار) 1999. وتحظر المعاهدة على الدول الأطراف استخدام الألغام المضادة للأفراد وإنتاجها وتخزينها ونقلها، كما تلزمها تدمير مخزوناتها وإزالة الألغام المزروعة وتقديم المساعدة للضحايا. وتضم المعاهدة حالياً 162 دولة طرفاً، فيما خرجت منها 5 دول أخيراً، بينما لم تنضم إليها 31 دولة أخرى.
كلفة التصنيع والإزالة
وفيما تتفاوت كلفة تصنيع الألغام بحسب النوع، وتقدر بين ثلاثة دولارات و75 دولاراً للغم، بينما قد تراوح كلفة إزالة اللغم الواحد بين 300 و1000 دولار، فضلاً عن كلفة تطهير الأراضي والأضرار التي يسببها وجود الألغام للسكان والضحايا. يقول المدير السابق لكلية الدفاع الوطني وإدارة المدرعات المصرية اللواء أركان حرب متقاعد محمد الغباري لـ"اندبندنت عربية"، إن تطور صناعة الألغام جعل اكتشافها وإزالتها أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تكون مدفونة تحت الأرض، مشيراً إلى أن الألغام القديمة كانت تصنع من الحديد والصفيح ومواد معدنية، مما كان يسهل اكتشافها بأجهزة الكشف، بينما أصبحت أنواع أحدث تصنع باستخدام مواد بلاستيكية وغير معدنية، وهو ما يصعب رصدها بالأجهزة التقليدية.
يرى الغباري أن تطور المواد المتفجرة وآليات التفجير زاد من صعوبة التعامل مع بعض الأنواع، إذ يمكن أن تكون مزودة بوسائل خداع وحماية تجعل تفكيكها أكثر خطورة، وقد تغير حركة التربة والتعرية موقع اللغم بمرور السنوات، أو تصبح بعض المواد المتفجرة أكثر حساسية للحركة والاهتزاز.
يفسر المدير السابق لكلية الدفاع الوطني وإدارة المدرعات المصرية ارتفاع كلفة إزالة الألغام مقارنة بتصنيعها بصعوبة اكتشافها والتعامل معها، إذ تحتاج عمليات الإزالة إلى أجهزة متخصصة وفرق مدربة ومعدات قد تتعرض للتلف أثناء التطهير. ويربط استمرار استخدامها بانخفاض كلفة تصنيعها وسهولة نشرها ضمن الموانع الدفاعية، خصوصاً في تأمين الحدود، إذ تزرع الجيوش حقول الألغام لعرقلة تقدم الخصم ومنعه من الوصول إلى مناطق محددة.
ويعتقد الغباري أن وجود حدود مشتركة ومخاوف من التسلل يدفع بعض الدول إلى استخدام الألغام ضمن منظومات حماية الحدود، بما يحافظ على الطلب عليها، خصوصاً الألغام المضادة للأفراد، لكن هذه الحقول تتحول لاحقاً إلى عائق أمام استخدام الأراضي ومشروعات التنمية إلى حين تطهيرها.
بدأت القيود الدولية على الألغام في اتفاقية لاهاي لعام 1907، التي وضعت قواعد لاستخدام بعض أنواع الألغام البحرية، ثم توسعت القيود مع البروتوكول الثاني الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية لعام 1980، الذي نظم استخدام الألغام البرية والأفخاخ المتفجرة من دون حظرها. وفي عام 1996، عدل البروتوكول ليشدد القيود على استخدام هذه الأسلحة، بما في ذلك قواعد تتعلق بوسائل زرع الألغام وتحديد مواقعها وإزالتها. وفي العام التالي جاءت اتفاقية أوتاوا لعام 1997 لتشكل التحول الأكبر، إذ حظرت على الدول الأطراف استخدام الألغام المضادة للأفراد وإنتاجها وتخزينها ونقلها، وألزمتها تدمير مخزوناتها وإزالة الألغام من المناطق الملغومة.
يقول اللواء أركان حرب متقاعد عادل محمود، الذي خدم في سلاح المهندسين العسكريين، لـ"اندبندنت عربية" إن صناعة الألغام تطورت، خصوصاً في ما يتعلق بالشراك الخداعية وآليات التفجير ونوعية المواد المتفجرة، موضحاً أن الألغام القديمة كانت تعتمد بدرجة أكبر على ضغط الدبابة أو وزنها لتفعيل اللغم، بينما أصبحت الأنواع الأحدث أكثر حساسية، ويمكن أن تنفجر عند محاولة تحريكها أو التعامل معها بسبب آليات التشريك.
ويشير محمود إلى أن صناعة اللغم وزرعه أسهل بكثير من اكتشافه وإزالته، خصوصاً إذا زرع في مناطق جبلية أو أودية أو على خطوط الاقتراب، أو تغير موقعه بفعل العوامل الجوية وحركة التربة. ولهذا تتطلب عملية الإزالة معدات متخصصة وأفراداً مدربين ووسائل حماية للعاملين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتستخدم القوات وسائل مختلفة لفتح الثغرات في حقول الألغام، بحسب محمود، من بينها الشحنات الخطية التي تنفذ تفجيراً في مسار محدد لفتح ممر أمام القوات، ثم تتولى فرق الهندسة استكمال أعمال الكشف والتطهير، وتستخدم كاسحات مدرعة مزودة بدقاقات أو أقراص فولاذية ثقيلة للتعامل مع الألغام داخل الحقل وفتح ممر أوسع. ولا تقتصر كلفة الإزالة على المعدات، إذ إن أي خطأ قد يؤدي إلى سقوط قتلى أو مصابين بين العناصر المدربة، ويمكن أن تتعرض معدات الكشف والإزالة للتدمير أثناء العمل.
ويربط محمود ازدهار صناعة الألغام بالحروب، قائلاً إن الطلب عليها يرتفع مع تصاعد الصراعات والحاجة إلى وسائل تعطل حركة القوات وتضع موانع أمام تقدمها، ويربط تطور صناعتها بطبيعة الحروب وحاجات الجيوش، مشيراً إلى تطور صناعات الألغام في الهند وباكستان وإيران وتنوع الأنواع المستخدمة فيها. ويقول إن الدول التي تشترك في حدود برية مع دول أخرى وتحتاج إلى تأمينها تعتمد على الموانع الدفاعية لإبطاء أي تقدم بري، وهو ما يدفع إلى تطوير صناعة الألغام وأنواعها بما يتناسب مع طبيعة الحدود والمهام العسكرية.
خريطة صناعة الألغام ومخزوناتها
ولا يشمل الحظر الألغام المضادة للدبابات، التي تدور حولها العقود ومشروعات الإنتاج والتحديث الحالية في بولندا وألمانيا وإيطاليا ولاتفيا. أما الدول غير الأطراف، فيدرج "مرصد الألغام الأرضية" 12 دولة ضمن الدول التي تطور أو تنتج أو تقتني الألغام المضادة للأفراد.
وتتبعت "اندبندنت عربية" خريطة صناعة الألغام المضادة للأفراد في الدول غير الأطراف في معاهدة حظر الألغام، بالاستناد إلى بيانات "مرصد الألغام الأرضية"، الذي يرصد إنتاجاً أو تطويراً نشطاً في أربع منها هي الهند وميانمار وروسيا وكوريا الجنوبية. وتملك روسيا أكبر مخزون معروف بنحو 26.5 مليون لغم، تليها باكستان بنحو 6 ملايين، والهند بما بين 4 و5 ملايين، والصين بأقل من 5 ملايين، فيما يقدر إجمال مخزونات الدول غير الأطراف بأقل من 50 مليون لغم.
في الهند، تنتج "شركة ذخائر الهند" أنواعاً من الألغام المضادة للأفراد بينها "أم-14" و"أم-16". وأظهرت سجلات المشتريات الحكومية بين 2016 و2023 مناقصات لتوفير مكونات لهذه الألغام، إضافة إلى مكونات لنوع "أي بير-1 بي"، وربط "مرصد الألغام الأرضية" هذه المكونات بمصانع ذخائر في ولايتي ماهاراشترا والبنغال الغربية.
ويمتد الإنتاج إلى ميانمار، حيث تنتج مؤسسة "كا با سا" التابعة للجيش، والمعروفة رسمياً باسم "مؤسسة منتجات الدفاع"، خمسة أنواع في الأقل من الألغام المضادة للأفراد، هي "أم أم 1" و"أم أم 2" و"أم أم 3" و"أم أم 5" و"أم أم 6". ويرتبط نشاط المؤسسة بهذه الصناعة منذ عقود، إذ أشار "المجلس الاستشاري الخاص بميانمار" إلى حصولها في تسعينيات القرن الماضي على معدات ومكونات ومساعدة فنية من الصين لإنتاج ألغام "بي أو أم زد-2" و"بي أم أن".
وفي الصين، يضع "مرصد الألغام الأرضية" البلاد ضمن الدول الـ12 المرتبطة بإنتاج الألغام المضادة للأفراد، فيما ترتبط مجموعة الصناعات الشمالية الصينية "نورينكو" بالصناعات العسكرية. أما روسيا، فيرصد المرصد إنتاجاً أو تطويراً نشطاً للألغام المضادة للأفراد، وتملك أكبر مخزون معروف منها بنحو 26.5 مليون لغم.
المدنيون الأكثر تعرضاً لخطر الألغام
وخلف هذه الأرقام خسائر بشرية مستمرة. ففي 2024 سجل "مرصد الألغام الأرضية" 6279 قتيلاً ومصاباً بسبب الألغام ومخلفات الحرب القابلة للانفجار في 52 دولة ومنطقة، بينهم 1945 قتيلاً و4325 مصاباً، فيما لم تعرف نتيجة تسع حالات. وشكل المدنيون 90 في المئة من الضحايا الذين أمكن تحديد صفتهم، وكان الأطفال 46 في المئة من الضحايا المدنيين الذين عرفت أعمارهم. وسجلت ميانمار أعلى حصيلة بـ2029 ضحية، تلتها سوريا بـ1015، ثم أفغانستان بـ624 وأوكرانيا بـ293.
يصنف المتخصص العسكري الأردني نضال أبو زيد، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، صناعة الألغام إلى ثلاثة مسارات، الأول تكتيكي وعملياتي ويضم الألغام البرية المضادة للأفراد والدبابات والآليات، والثاني استراتيجي يرتبط بالألغام البحرية واستخدامها في الممرات والمناطق المائية، والثالث يعتمد على ما يسميه "حروب الخوارزميات" وما دخل عليها من تقنيات الاستشعار والأنظمة الحديثة.
وبحسب أبو زيد، تختلف إزالة الألغام باختلاف مكان وجودها. ففي الحقول البرية يمكن الاستعانة بالخرائط إذا كانت مواقع الألغام معروفة، ثم استخدام معدات متخصصة للكشف عنها والتعامل معها، بينما تصبح المهمة أكثر تعقيداً في البحر بسبب احتمال تحرك بعض الألغام بفعل الأمواج والتيارات. ويعتمد الكشف البحري، وفق حديثه، على وسائل مثل السونار، وقد يحتاج إلى الغواصين أو معدات ومركبات غير مأهولة للوصول إلى الألغام والتعامل معها.
ويشرح أبو زيد أن بعض الألغام البحرية يكون مثبتاً في قاع البحر، فيما تتحرك أنواع أخرى بفعل الأمواج والتيارات، مما يجعل تحديد مواقعها وتثبيتها على الخرائط أكثر صعوبة. أما اللغم البري، فإذا كان الحقل معروفاً، فيمكن تحديد نطاق العمل والاستعانة بالمعدات المخصصة للتطهير. ولهذا تختلف، بحسب أبو زيد، وسائل الكشف والإزالة وكلفتها من حال إلى أخرى وفقاً لموقع اللغم وإمكان الوصول إليه وثبات مكانه.