Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الشرعية الثالثة"... أزمة ليبية ليست من الشرق أو الغرب

مصطفى المجدوب يقدم نفسه كـ"سلطة بديلة" وسط جدل شعبي يزيد الانقسام السياسي في البلاد

تشير التقارير الدولية إلى أن ليبيا تمتلك 29 مليون قطعة سلاح خارج الأطر الشرعية مع وجود 300 ميليشيا تنشط في البلد (أ ف ب)

ملخص

ولدت حكومة مصطفى المجدوب من رحم ملتقى عدد من النشطاء في يوليو (تموز) الماضي بجنيف، وتعد الحكومة الجديدة هي الثالثة في ليبيا التي تعاني الانقسام السياسي والتشظي الأمني منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011.

في أول ظهور له من العاصمة الليبية طرابلس، أعلن مصطفى المجدوب رئيس "حكومة جنيف"، بدء مهماته كـ"سلطة بديلة" لبقية السلطات الحالية، داعياً رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس حكومة الشرق الليبي إلى التنحي عن سدة الحكم. 

المجدوب سارع إلى إعلان حال النفير العسكري العامة وتجميد عمل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، إضافة إلى طرحه جدولاً زمنياً لإجراء استفتاء على الدستور خلال 90 يوماً وانتخابات عامة خلال ثمانية أشهر.

إرث مؤسسي متقهقر 

وولدت حكومة المجدوب من رحم ملتقى عدد من النشطاء في يوليو (تموز) الماضي بجنيف، وتُعد الحكومة الجديدة هي الثالثة في ليبيا التي تعاني الانقسام السياسي والتشظي الأمني منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011.

وتعاني البلاد المنقسمة إلى سلطتين حكومة الدبيبة غرباً وحكومة أسامة حماد شرقاً لكل منهما أذرع سياسية وأمنية على الأرض، من انقسام مؤسسي كلف ليبيا 15 عاماً من الفشل في الذهاب إلى انتخابات وطنية.

وفشلت تسع بعثات أممية في قطع جذور المراحل الانتقالية التي انغمس فيها البلد النفطي الذي يتربع على المرتبة الأولى أفريقياً والمرتبة الـ10 عالمياً من ناحية احتياطات نفطية بلغت 48.4 مليار برميل. 

وتشتبك جملة من الأسباب خلف تواتر الإشكالية الليبية من ضمنها الفراغ المؤسسى، فبعد انهيار نظام القذافي لم تجد الدولة الليبية أساساً ترتكز عليه لتذهب إلى انتقال ديمقراطي سلس على غرار ما حصل في الجارة تونس، لتبقى البلاد تدور في حلقة مفرغة من الصراع السياسي والأمني الذي أفرز بدوره حكومات هشة، فشلت في تطبيق أي من خرائط الطريق التي يوصل إليها المجتمع الدولي في كل مرة، مما أدى إلى فراغ مؤسسي غذاه تغلغل الميليشيات داخل مؤسسات الدولة.

وتشير التقارير الدولية إلى أن ليبيا تمتلك 29 مليون قطعة سلاح خارج الأطر الشرعية، إضافة إلى وجود 300 ميليشيا تنشط في البلد ولها تأثير في صنع القرار السياسي الذي ظل متعثراً بسبب التدخلات الخارجية، والفشل في الذهاب إلى التوافق على قاعدة دستورية وتنظيم انتخابات وطنية شاملة تنهي حال الانقسامات المؤسسية، ولعل إجهاض انتخابات ديسمبر (كانون الأول) 2021 خير دليل على ذلك، إذ حالت قوة قاهرة دون تنظيمها، وفق المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. 

خطوة شجاعة 

وصول حكومة ثالثة إلى ليبيا يفتح جدلاً شعبياً بين من يعدّها محاولة لفك الجمود السياسي ومن يصفها بالصفحة الجديدة في فصل الصراع على سدة الحكم. 

ويقول عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة إن الخطوة التي أقدم عليها رئيس الحكومة الثالثة مصطفى المجدوب "خطوة شجاعة"، مضيفاً "أن يتقدم شخص إلى المواجهة بوضوح، معلناً رغبته في تحمل مسؤولية قيادة الدولة، على رغم محدودية الإمكانات وصعوبة المشهد، فهذا في حد ذاته موقف يحتاج إلى قدر من الشجاعة".

ويرى بن شرادة أن ليبيا اليوم لا تحتاج فقط إلى من ينتقد من بعيد، بل إلى من يمتلك الجرأة على طرح نفسه ومشروعه أمام الليبيين، ثم يترك لهم الكلمة الأخيرة.

 

 

ولم يصدر أي تعليق رسمي لا من البرلمان ولا من المجلس الأعلى للدولة، كما التزمت حكومة الغرب وحكومة الشرق الصمت حيال التطورات الحالية، فيما أيد عدد من أهالي وأعيان مصراتة (شرق طرابلس ومسقط رأس الدبيبة) دخول رئيس الحكومة الثالثة المُشكلة في جنيف، العاصمة طرابلس مطالبين خلال بث مرئي لهم بـ"تسلم حكومة المجدوب لمهماتها في أقرب فرصة". 

"بالون سياسي" 

وفي تعليقه على إعلان رئيس الحكومة الثالثة تجميد عمل مجلسي النواب والدولة، يقول المحلل السياسي حسام فنيش إنه يتعين التعامل بحذر مع تصريحات المجدوب في شأن تجميد عمل مجلسي النواب والدولة وعدم اعتبارها في هذه المرحلة مؤشراً كافياً على حدوث تحول فعلي في مسار الأزمة الليبية. 

ويرى أنه بالنظر إلى طبيعة هذه التصريحات وسياقها يمكن قراءتها كـ"بالون اختبار سياسي" ومحاولة لقياس ردود الفعل أكثر من كونها إعلاناً عن مسار متبلور وقابل للتنفيذ، مشيراً إلى أن المجدوب يمثل وفق المعطيات المتاحة حالة سياسية محددة التأثير من الناحية الواقعية، بخاصة في ظل غياب مؤشرات كافية على امتلاكه حضوراً مؤسسياً واسعاً أو قاعدة سياسية وشعبية كبيرة أو أدوات عملية تمكنه منفرداً من فرض ترتيبات جديدة على الأرض، وداعياً إلى التمييز بين الانتشار الإعلامي للتصريحات وبين القدرة الفعلية على تحويلها إلى خطوات سياسية أو ترتيبات ملزمة.

ويضيف فنيش أن الملف الليبي يتحرك ضمن مسارات أكثر تأثيراً وفي مقدمتها المسار الأممي إلى جانب التحرك الأميركي، فضلاً عن أدوار دول إقليمية تمتلك مصالح وأدوات تأثير مباشرة في المشهد الليبي، لذلك فإن وزن أي مسار موازٍ سيبقى مرتبطا ًبمدى قدرته على التقاطع مع هذه المسارات وبالأخص مدى القبول الذي يمكن أن يحظى به من الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي والدول الإقليمية الفاعلة في الساحة الليبية.

وحول من يملك قرار الاعتراف بالمجدوب كطرف مؤثر من بين المؤسسات والشارع والقوى السياسية والأطراف الدولية والإقليمية، يقول فنيش إنه حتى الآن لا تبدو هناك مؤشرات كافية على اكتمال هذا الاعتراف على أي من هذه المستويات ولذلك من الصعب التعامل مع تصريحات المجدوب باعتبارها تعكس تحولاً في موازين القوى.

بديل عن المجلسين 

من جهته يصف الكاتب السياسي عبدالله الكبير مبادرة المجذوب بـ"الغامضة" لأنها لم تأتِ عبر مسار بعثة الأمم المتحدة ولا عن طريق انتخابات ولا بتكليف دستوري أو حتى غير دستوري من مجلس النواب، ويستبعد أن تأخذ أي من القوى السياسية والعسكرية ما أقدم عليه المجذوب على محمل الجد، ومن ثم فالأرحج هو وجود طرف يسعى إلى خلط الأوراق وإرباك المسارات الأخرى عن طريق الدفع به وتقديم الدعم له، مستغلاً طموحه في رئاسة الحكومة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما تجميد عمل مجلسي النواب والدولة، فيبدو في المرحلة الحالية صعب التطبيق من دون بديل مؤسسي واضح وتوافق سياسي واسع، فلا تزال هناك ملفات تحتاج إلى غطاء شرعي ومؤسسي توافقي وفي مقدمتها القوانين الانتخابية وترتيبات توحيد المؤسسات السيادية وعدد من الاستحقاقات السياسية التي تتطلب تفاهمات بين الأطراف الليبية، وفق تقديرات حسام فنيش. 

ويوضح الكاتب السياسي أن تجاوز المجلسين من دون توفير بديل تشريعي قد ينقل الأزمة من انسداد سياسي إلى إشكال جديد في الشرعية، ويرى أن المعيار الحقيقي ليس حجم التصريحات وإنما القدرة على بناء التوافقات وامتلاك أدوات التنفيذ.

ويربط فنيش إعادة ترتيب المشهد الليبي بكيفية تعاطي واشنطن ومجلس الأمن والدول الإقليمية المؤثرة مع طرح المجدوب، منوهاً بأن تصريحات رئيس الحكومة الثالثة تُقرأ حالياً باعتبارها رسالة سياسية واختباراً لردود الفعل ومحاولة لإثبات الحضور في المشهد، وليس باعتبارها إعلاناً عن مسار يمتلك حتى الآن القدرة المؤسسية أو الشعبية أو أدوات القوة اللازمة لإعادة تشكيل المعادلة الليبية. 

إدارة جديدة للصراع 

ويرى المتخصص في الشؤون السياسية والأمنية الليبية عبدالله الديباني أن وصول رئيس "الحكومة الثالثة" مصطفى المجدوب إلى طرابلس يعزز تعقيد المشهد السياسي ويطيل أمد الصراع على السلطة، ولا يرتقي وفق المقومات الحالية إلى مستوى "الانفراجة السياسية" لأسباب رئيسة عدة من بينها تخندق شرعية العاصمة، فالانفراجة السياسية تتطلب إجماعاً وتوافقاً ينتهي بتسليم سلس للمؤسسات وتوحيدها. 

ويضيف أن وجود حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً والمتمسكة بمقرها في طرابلس يمنع أي تسلّم فعلي للسلطة، مما يحول التحرك إلى مجرد إضافة طرف ثالث لسباق أزمة الشرعيات المستهلك بدلاً من إنهاء الانقسام، مذكراً بغياب التوافق الوطني والإقليمي، وقال إن "هذا النقص بالغطاء الدولي الواضح يجعل دخول العاصمة مجرد تكتيك لحرق المراحل أكثر من كونه خطوة تسوية شاملة".

ويؤكد الديباني أن دخول حكومة المجدوب على الخط هو تأطير جديد للصراع بدلاً من حله، فإدخال حكومة ثالثة في خضم المعادلة القائمة يؤزم الصراع على النفوذ والشرعية على ثلاثة أطراف بدلاً من طرفين، مما يربك أي مسار مفاوضات تقوده الأمم المتحدة ويؤجل الاستحقاق الانتخابي الذي يُعد المخرج الوحيد للأزمة.

 ويُذكر أن الخطر الأمني القائم هو محاولة تحريك المؤسسات أو فرض أمر واقع داخل طرابلس وخلق تفاهمات مع المجموعات المسلحة الفاعلة، مما يزيد من أخطار الاصطدام الميداني ويتيح فرصة لترسيخ حال "المجلسين- الحكومتين" في مساحة أضيق، وفق تأكيده، بأن وصول المجدوب يفتح صفحة جديدة من إدارة الصراع ويوسع دائرته، إذ يكرس الانقسام تحت عناوين جديدة ويؤجل الحل المستدام القائم على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير