ملخص
شكل الاجتماع الرباعي لأعضاء "حلف مكة الدفاعي" والمسؤولين الإيرانيين جزءاً من مشاورات واسعة لإقناع طهران بقبول مطالب واشنطن لإنهاء المواجهة. وكرر ترمب ونائبه جيه دي فانس خلال الأسابيع الماضية ومع اقتراب انتهاء المهلة المحددة للتوصل إلى اتفاق، تأكيدهما أن إيران يجب ألا تمتلك سلاحاً نووياً.
في وقت يعيش الإيرانيون حالاً من الغموض التام إزاء ما يدور خلف كواليس الأخبار المتعلقة بالمفاوضات السرية بين إيران والولايات المتحدة، قد تكون الأيام الأولى من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل أكثر أيام العام الحالي حسماً، وتكمن أهميتها في احتمال انتهاء مأزق المفاوضات وحال اللاحرب واللاسلم بين طهران وواشنطن خلال الساعات الـ48 المقبلة، إذ إن الشعب الذي يعيش منذ أكثر من عام حالاً من عدم اليقين، ويتقبل في ظل الأخبار المتضاربة كل ما قد يحمله المستقبل من خير أو شر أملاً في أن "تتضح الأمور"، يبدو أنه على وشك مواجهة هذا المصير.
زار وفد من وزارة الخارجية القطرية إيران أمس الجمعة لنقل الرد النهائي للمسؤولين الإيرانيين إلى الإدارة الأميركية، ويبدو أن أمام النظام الإيراني مهلة يومين لقبول الشروط الأميركية وإنهاء الحرب، بما يؤدي إلى انخفاض أسعار النفط ويمنح الرئيس دونالد ترمب فرصة لتحسين حظوظ الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، وإن كان الوقت تأخر لتحقيق هذا الهدف.
لكن الاتفاق من شأنه أيضاً أن يضع حداً للنفقات الباهظة التي تتحملها وزارة الحرب الأميركية لمرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز والخليج العربي. وبحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" يُنفق الجيش الأميركي من 66 إلى 100 مليون دولار يومياً لمواصلة عملياته داخل الشرق الأوسط، أي ما يقارب ملياري دولار إلى 3 مليارات دولار شهرياً.
وخلال الأسبوع الماضي شكل الاجتماع الرباعي لأعضاء "حلف مكة الدفاعي" والمسؤولين الإيرانيين جزءاً من مشاورات واسعة لإقناع طهران بقبول مطالب واشنطن لإنهاء المواجهة، وكرر ترمب ونائبه جيه دي فانس خلال الأسابيع الماضية ومع اقتراب انتهاء المهلة المحددة للتوصل إلى اتفاق، تأكيدهما أن إيران يجب ألا تمتلك سلاحاً نووياً.
غير أن الغموض الذي يحيط بهذا المطلب إلى جانب امتناع النظام الإيراني عن توضيح تفاصيله ترك الإيرانيين في حال من الفراغ المعلوماتي، فليس واضحاً على وجه الدقة ما الذي يريده ترمب من النظام الإيراني وما المقصود تحديداً بعبارة "لن تمتلك طهران سلاحاً نووياً"، فإذا كانت المنشآت النووية الإيرانية دُمرت بالكامل وزالت قدرات تخصيب اليورانيوم فلا يبدو أن هناك مبرراً لهذا الإصرار، وإذا كان نظام الجمهورية الإسلامية لا يسعى أساساً إلى تصنيع سلاح نووي، فلماذا لا يستطيع تقديم تعهد حاسم ومقنع لترمب؟
هذا اللغز الذي لم تتضح تفاصيله للرأي العام، إلى جانب تحول ترمب من التواصل مع المسؤولين السياسيين إلى التواصل مع الشخصيات العسكرية، يشير إلى أنه بات يرى أن التزام إيران بتعهداتها يتوقف على قبول المؤسسة العسكرية في النظام لشروطه، وليس المؤسسة السياسية.
ويمكن قراءة الرسالة التي بعث بها جيه دي فانس في الـ25 من أكتوبر (تشرين الأول) إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي في هذا السياق أيضاً، إذ بدأت هذه المراسلات في الأساس مع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، عندما وجه إليه ترمب رسالة خلال مارس (آذار) 2025 دعا فيها إلى إجراء مفاوضات مباشرة والتوصل إلى اتفاق نووي.
وبعد عمليات الاغتيال الواسعة التي طاولت شخصيات سياسية وعسكرية في النظام خلال الحرب التي استمرت 40 يوماً، خلال مارس وأبريل (نيسان) الماضيين وعدم سقوط النظام، اتجهت الإدارة الأميركية في نهاية المطاف إلى البحث عن شخصية تتمتع بالنفوذ والمكانة للتفاوض معها. وفي أبريل الماضي، أجرى محمد باقر قاليباف مفاوضات مباشرة مع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس ضمته العاصمة الباكستانية إسلام آباد.
وتولى فريق الحكومة برئاسة مسعود بزشكيان إلى جانب رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي إدارة العملية التفاوضية، وقيادة الوفد الإيراني.
واعتبر قاليباف المفاوض الرئيس، إذ رأت فيه واشنطن حلقة الاتصال الأساس مع المرشد الجديد، بالنظر إلى موقعه الذي يربط الحرس الثوري بالمؤسسة السياسية للنظام. ومن وجهة نظر الإدارة الأميركية، كان قاليباف قادراً على أداء دور مهم في الحصول على موافقة المرشد الجديد.
وقد يكون قاليباف الشخص الذي أشار إليه ترمب مراراً بسخرية مستخدماً عبارة "محمد شيء ما" وربما يعود ذلك لصعوبة نطق اسم عائلته، أو إلى رغبة ترمب في التقليل في شأن المسؤولين المفاوضين، والإيحاء بأنه لا يهتم بذكر اسم قاليباف كاملاً، أو لا يراه جديراً بمعرفة اسمه الكامل.
وعلى أي حال، فإن التفاهم السابق الذي جرى توقيعه بين ترمب وبزشكيان بوساطة باكستانية لم يصمد حتى شهراً واحداً، إذ انهار بعد إطلاق الحرس الثوري النار على ناقلتي نفط قطريتين جنوب مضيق هرمز، مما أشعل جولة جديدة من المواجهة.
وأقر مسعود بزشكيان بالخطأ الذي ارتكبه الحرس الثوري، لكن ترمب رفض بعد ذلك الطلبات المتكررة التي قدمتها طهران للعودة لمذكرة التفاهم السابقة.
أما اليوم، فإن ما نسمعه بوضوح من الجانب الأميركي يتركز على البرنامج النووي الإيراني، وتتجه تهديدات ترمب نحو قصف منشأة نووية أخرى تعرف باسم "كوه كلنغ" قرب نطنز، قبل أن يضيف البنية التحتية للطاقة داخل إيران إلى قائمة الأهداف المحتملة.
وأدى إغلاق إيران مضيق هرمز وتهديد حركة الملاحة عبر هذا الممر المائي، وفي المقابل فرض الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية، إلى زيادة تعقيدات الحرب وصعوبة التوصل إلى اتفاق.
لكن الشرط الأساس المطروح اليوم أمام الجمهورية الإسلامية يختلف عن شروط المفاوضات التي جرت الصيف الماضي، إذ تريد الولايات المتحدة التفاوض مباشرة مع الحرس الثوري والتوصل إلى اتفاق معه، بعدما خلصت الإدارة الأميركية الحالية بعد مرور أكثر من عام على حرب الأيام الـ12 مع إيران، إلى أن السلطة الفعلية تقع في يد الحرس الثوري.
وكانت معلومات سرية سُربت في وقت سابق، أشارت إلى أن تولسي غابارد تواصلت بموافقة ترمب مع نيجيرفان بارزاني، بهدف إقامة اتصال مع مسؤولي الحرس الثوري عبر مسؤولين في حكومة إقليم كردستان العراق.
وسعى ترمب من خلال ذلك الاتصال أيضاً إلى تجاوز عباس عراقجي، والتأكد من أن التفاهم الذي جرى التوصل إليه مع حكومة الجمهورية الإسلامية يحظى بموافقة الحرس الثوري.
ويمكن النظر إلى التفاهم الذي أُبرم الصيف الماضي باعتباره اختباراً أجراه ترمب لقياس الوضع السياسي في إيران بعد مقتل المرشد السابق للجمهورية الإسلامية، وما أعقب ذلك من فراغ في سلطة اتخاذ القرار داخل البلاد.
ويبدو أن هذا الاختبار، الذي اتخذ شكل تفاهم سياسي، لم يحقق النتائج التي كانت تنتظرها الإدارة الأميركية، ولذلك تسعى اليوم إلى التوصل إلى اتفاق مع الحرس الثوري والحصول منه على ضمانات مباشرة وموثوقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتعزز الرسالة الموجهة إلى محسن رضائي، القيادي السابق في الحرس الثوري والشخصية الموثوقة والمقربة من مجتبى خامنئي والقوات المسلحة، هذه الفرضية، إذ تبحث الولايات المتحدة عن شخصية قوية وموثوقة يمكنها إتمام الاتفاق، وحددت لتحقيق هذا الهدف مهلة زمنية لا يعلم الإيرانيون عنها شيئاً.
وفي الوقت نفسه، تتزايد الأحاديث عن احتمال شن هجمات واسعة ومدمرة. وفي أحد أكثر التصريحات وضوحاً وأهمية، كشف السيناتور الأميركي كريس مورفي ممثل ولاية كونيتيكت خلال مقابلة مصورة أول من أمس الخميس عما وصفه بخطط ترمب المتهورة لتصعيد المواجهة مع إيران.
وكان مورفي تحدث الأربعاء الماضي داخل معهد الشرق الأوسط للأبحاث، وكشف عن جلسة إحاطة عقدت في الكونغرس الأميركي عرضت خلالها تفاصيل الخطة العسكرية للإدارة الأميركية في حال استئناف العمليات ضد إيران، مشيراً إلى أن هذه العمليات قد تستهدف البنية التحتية المدنية.
وفي المقابل سمعنا أيضاً تهديدات الجانب الآخر، إذ أعلن مسؤولون في الجمهورية الإسلامية أنهم سيردون على أي هجوم يستهدف إيران بضرب البنية التحتية للدول التي تستضيف قواعد أميركية داخل المنطقة، إضافة إلى إسرائيل.
وبعبارة أبسط فإن دول الخليج العربي ستكون أهدافاً مباشرة للهجمات الإيرانية، لكن من السذاجة الاعتقاد أن هذه الدول ستكتفي بمراقبة الهجمات التي تستهدف بنيتها التحتية من دون رد.
وتبقى النقطة الأهم أن توقيت المفاجأة التي قد تواجهها إيران وطبيعتها لا يزالان مجهولين، لكن في حال عدم التوصل إلى اتفاق وفشل المسار الدبلوماسي وخسارة الجمهوريين انتخابات التجديد النصفي المقررة الثلاثاء المقبل، فإن لجوء ترمب إلى الانتقام يبدو أمراً شبه محسوم.
وحتى موعد انتقال السلطة داخل الكونغرس الأميركي الذي يميل حالياً بصورة أكبر نحو الديمقراطيين، ستكون أمام ترمب مهلة لشهرين كاملين لتنفيذ ما يصعب حتى الحديث عنه من شدة هوله بالتعاون مع إسرائيل، وهو ما قدم السيناتور مورفي لمحة مقتضبة عن طبيعته، أما الإيرانيون فلا يعلمون أن نافذة الدبلوماسية ستغلق غداً الأحد.