ملخص
أصدرت مفوضية الاتحاد الأفريقي بياناً حثت فيه البلدين، إضافة إلى مصر، على ضرورة الحفاظ على قنوات الاتصال، ومعالجة خلافاتها عبر القنوات الدبلوماسية الراسخة والحوار السلمي، وفقاً لمبادئ القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي.
تبادلت إثيوبيا وإريتريا قبل أيام حملة تصعيد دبلوماسي متبادلة بدأت بطرد أديس أبابا عدداً من أعضاء السفارة الإريترية لديها، وهو ما ردت عليه أسمرة بقطع العلاقات الدبلوماسية، في إجراءات أثارت اهتمام الأوساط الدولية باعتباره تأزيماً للموقف إلى أقصى مدى.
صحيح أن البلدين الواقعين في منطقة القرن الأفريقي انخرطا في تصعيد دبلوماسي، لكن أسمرة اتخذت إجراءات أكثر حدة، وهنا يبقى السؤال: لماذا قررت إريتريا القطيعة التامة بعد القرارات الإثيوبية التي استهدفت استبعاد 10 من دبلوماسييها، بمن فيهم القائم بأعمال السفارة الإريترية وممثلها لدى الاتحاد الأفريقي ودبلوماسيون معتمدون لدى مفوضية الاتحاد؟
قراءة في القرارين
يكشف البيان الصادر من أديس أبابا عن إعلان بإغلاق سفارة إثيوبيا لدى أسمرة، لكن من دون الإشارة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، إضافة إلى استبعاد 10 دبلوماسيين إريتريين، لأسباب لم يحدد طبيعتها، لكنه وصفها بأنها "تشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي الإثيوبي"، إضافة إلى زعمه أنها تمثل "انتهاكاً لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية"، وحدد مهلة 48 ساعة لمغادرتهم البلاد.
ووفقاً لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية الموقعة عام 1961، والتي جرت الإشارة إليها في البيان الإثيوبي، فإن المادة التاسعة منها تنص على أن "للدولة المعتمد لديها الدبلوماسيون الحق في أي وقت، ومن دون ذكر الأسباب، أن تبلغ الدولة المعتمدة أن رئيس البعثة الدبلوماسية أو أي عضو من طاقمها أصبح شخصاً غير مرغوب فيه".
وغالباً ما يرتبط قرار الإبعاد بحالة انتهاك الدبلوماسي المعتمد نتيجة انتهاك إحدى المادتين 41 و42 من الاتفاقية ذاتها، وهما المادتان المتعلقتان باحترام قوانين ولوائح الدولة المعتمد لديها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ويجوز أن يكون الاستبعاد ناتجاً من ممارسة الدبلوماسي لنشاط مهني أو تجاري من أجل تحقيق الكسب الخاص.
قد يبدو القرار الإثيوبي، وفقاً لهذه الرؤية القانونية مقبولاً من حيث الشكل، إلا أن من الصعوبة بمكان إغفال شقه السياسي، لجهة أن الاستبعاد لا يخص شخصاً أو شخصين، بل 10 دبلوماسيين دفعة واحدة، إضافة إلى توقيته لكونه أتى في ظرف سياسي متوتر للغاية وينذر باندلاع حرب بين البلدين.
وثمة ثغرة قانونية يطرحها المراقبون تتعلق بأن رئيس البعثة الإريترية المستبعد يعد هو الممثل الدائم لبلاده في مفوضية الاتحاد الأفريقي، إضافة إلى أن عدداً من الدبلوماسيين الآخرين الذين جرى بحقهم قرار الاستبعاد أيضاً معتمدون لدى الاتحاد الأفريقي، مما يجعل الموقف الإثيوبي أمام "حالة انتهاك للوائح القانونية المتعلقة بكونها دولة المقر للاتحاد الأفريقي، بخاصة أن قرارات الاعتماد أو سحبه يقع ضمن اختصاصات الاتحاد الأفريقي، وهو صاحب الولاية القانونية في هذه الحالة".
لكن ثمة سابقة أقدمت عليها أديس أبابا خلال عام 1998، أثناء فترة الحرب الحدودية بينها وبين أسمرة، إذ أعلنت أن السفير الإريتري جرما أسمروم، وهو أيضاً ممثل بلاده الدائم لدى منظمة الوحدة الأفريقية - آنذاك - شخص غير مرغوب فيه، وطالبته بمغادرة الأراضي الإثيوبية في ظرف 24 ساعة. وعلى رغم أن القرار الإثيوبي انتهاك للقوانين المنظمة لالتزامات دولة المقر، فإن المنظمة الأفريقية لم تتحرك لإبطال مفعول قرار أديس أبابا، مما يعزز فرص مرور القرار الحالي من دون عواقب قانونية أو سياسية أيضاً.
من الناحية الأخرى جاء بيان الخارجية الإريترية قبل يومين رافضاً للأسباب المبهمة التي قدمها بيان الخارجية الإثيوبية في شأن دبلوماسييها الـ10. وفي المقابل اتهمت أسمرة نظيرتها بانتهاج "سياسة عدائية" استمرت لثلاثة أعوام بما في ذلك تورطها في "التخطيط لغزو موانئها".
واعتبرت إريتريا المبررات الإثيوبية لعمليات الطرد "أعمالاً عدائية لا مبرر لها"، مشيرة إلى أن أديس أبابا وخلال السنوات الثلاث الماضية، شنت "حرباً معلنة" ضدها، مدفوعة برغبة في الحصول على منفذ بحري سيادي، من خلال التهديد بغزو الموانئ والمناطق الساحلية الإريترية.
وقال البيان إن الحكومة الإثيوبية دأبت على استضافة وتدريب وتسليح جماعات مختلفة من "المعارضة المسلحة الإريترية"، واصفة تلك التحركات بأنها تهدف إلى تأجيج الصراع الداخلي بغرض تغيير النظام في إريتريا.
البيان الإريتري الذي عدد الأسباب التي أفضت إلى قرار قطع العلاقات الدبلوماسية، لم يتضمن إشارات واضحة إلى مسؤولية الاتحاد الأفريقي والتزاماته تجاه الدبلوماسيين المعتمدين لديه، باستثناء الإشارة إلى أنهم معتمدين لدى مفوضية الاتحاد.
وعزا المراقبون ذلك إلى قناعة أسمرة المتقدمة في شأن محدودية فاعلية الاتحاد الأفريقي، بخاصة أن إريتريا دأبت على اتهام الاتحاد بارتهان قراراته للموقف الإثيوبي، فضلاً عن موقفها من رئيس مفوضية الاتحاد الحالي محمود علي يوسف، الذي سبق أن خاض معارك دبلوماسية وسياسية ضد أسمرة، أثناء تقلده لمنصب وزير خارجية جيبوتي.
من جهتها أصدرت مفوضية الاتحاد الأفريقي بياناً حثت فيه البلدين، إضافة إلى مصر، على ضرورة الحفاظ على قنوات الاتصال، ومعالجة خلافاتها عبر القنوات الدبلوماسية الراسخة والحوار السلمي، وفقاً لمبادئ القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي. وأكدت المفوضية الأفريقية استعدادها، بالتشاور مع الدول المعنية، لدعم الجهود الرامية إلى التهدئة والحوار والحل السلمي للخلافات.
وأعاد قرارا تعليق العلاقات الدبلوماسية بين إريتريا وإثيوبيا إلى الأذهان تاريخ العلاقات بين البلدين الجارين اللذين يرتبطان بصلات معقدة شهدت خلال العقود الماضية، سلسلة من التطورات.
الذاكرة الدامية
خضعت إريتريا لسلسة من القوى الاستعمارية منذ القرن الـ16، وتحديداً منذ دخول البرتغاليين للساحل الإريتري خلال عام 1521، قبل أن يأتي الغزو العثماني ليطرد نظيره البرتغالي عام 1557، حيث انضوت البلاد تحت حكم الدولة العثمانية حتى 1866، ثم جاء الاستعمار الإيطالي الذي بدأ خلال عام 1882، قبل أن يغادر مكرهاً عام 1942 إبان الحرب العالمية الثانية، حيث خضعت إريتريا للانتداب البريطاني، لـ10 سنوات.
وفي حين كان الإريتريون يطالبون بالاستقلال أسوة بغيرهم من الدول الأفريقية، وفقاً لمبدئي تصفية الاستعمار وحق تقرير المصير، اللذين اعتمدتهما الأمم المتحدة باعتبار أن إريتريا مستعمرة إيطالية، ظلت بعيدة من السيادة الإثيوبية لنحو خمسة قرون.
لكن تداول ملف إريتريا في مجلس الأمن خلال عام 1950، أفضى إلى قرار أممي بإنشاء اتحاد فيدرالي بينها وبين إثيوبيا، تتمتع فيه الحكومة الإريترية بامتيازات أقرب ما تكون للاتحاد الكونفيدرالي، ودخل حيز التنفيذ خلال عام 1952 تمتعت فيه إريتريا ببرلمان وحكومة مستقلتين، في حين ترتبط فيدرالياً بالتاج الإثيوبي.
إلا أن هذا الاتحاد لم يدم طويلاً، إذ قرر الإمبراطور هيلي سلاسي تقليص صلاحيات الحكومة الإريترية المنتخبة، وبرلمانها المستقل، وفرض تدابير جديدة، نفذت تدريجاً، وصولاً إلى قراره المنفرد بحل البرلمان الإريتري، وإعلان ضم إريتريا رسمياً وتحويلها إلى إقليم إثيوبي خلال عام 1962.
هذه التدابير الإثيوبية أدت إلى اندلاع "الثورة الإريترية" بقيادة جبهة التحرير الإريترية، خلال عام 1961، ثم الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا خلال سبعينيات القرن الماضي، واستمر الكفاح التحرري ثلاثة عقود، إذ تمكن الإريتريين من تحقيق حلم التحرير من الاحتلال الإثيوبي خلال مايو عام 1991.
وقد أدت مداولات مجلس الأمن الدولي، حول الحالة الإريترية، إلى ضرورة إجراء استفتاء ترعاه الأمم المتحدة، لمعرفة رغبة الإريتريين في الاستقلال، والذي نظم خلال يومي الـ23 والـ24 من أبريل (نيسان) عام 1993 كانت نتيجته 99.8 في المئة نعم للاستقلال، ومن ثم جرى قبول إريتريا عضواً في الأمم المتحدة بناءً على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 282/93، وجرى الاعتراف بها من معظم دول العالم بما فيها حكومة إثيوبيا بقيادة ملس زيناوي.
سنوات العسل
شهدت الفترة التي أعقبت إعلان الاستقلال الإريتري علاقات متميزة بين أسمرة وأديس أبابا، خصوصاً أن الحزبين الحاكمين في البلدين كانا حليفين في حرب التحرير لإسقاط نظام منغستو هيلي ماريام في أديس أبابا.
إلا أن طبيعة العلاقات ظلت تثير التساؤلات، بخاصة أن جزءاً من النخب السياسية الإريترية ظلت ترى فيها تفريطاً في شروط الاستقلال، خصوصاً فيما يخص استفادة إثيوبيا من الموانئ الإريترية، من دون رسوم مستحقة، فضلاً عن أن الاندماج الاقتصادي والسياسي المتزايد ظل يثير الشكوك، حول نوايا الحزبيين الحاكمين، في المقابل ظلت النخب السياسية المعارضة في إثيوبيا، ترى أن العلاقات بين الطرفين مبنية على إرادة الزعيمين، ولا تخضع للشروط المؤسساتية، وأن جزءاً كبيراً من الإريتريين لا يزالون يتمتعون بحقوق المواطنة المزدوجة.
وقادت التجاذبات حول السياسات المالية والاقتصادية بين قيادتي البلدين، وتحديداً بعد صك إريتريا لعملتها الخاصة خلال عام 1997، إلى بروز الخلافات السياسية، ومن ثم تصعيد القضايا الجانبية كوسيلة ضغط متبادل، مما قاد البلدان إلى حرب دامية على خلفية التنازع على مثلث حدودي منطقة بادمي.
عودة ذاكرة الحرب
بحلول مايو (أيار) عام 1998 كان فتيل الحرب قد تمدد على طول الحدود المشترك للبلدين، وتقطعت سبل التواصل، لتصبح البندقية هي الوسيلة الوحيدة، على رغم محاولات رأب الصدع من قبل عدد من الدول من بينها الولايات المتحدة - رواندا، وغيرها من المبادرات، إذ تجددت ذاكرة الحرب، وأضحت هي الحقيقة البارزة في علاقات البلدين، بعد أقل من سبعة أعوام على وضع آخر حرب أوزارها بين الطرفين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم نجاح منظمة الوحدة الأفريقية مدعومة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في جمع الطرفين بعد ثلاث جولات من المعارك، فيما يعرف باتفاقية الجزائر للسلام، والتي جرى توقيعها في الـ12 من ديسمبر (كانون الأول) عام 2000، وتحويل الملف للتحكيم الدولي في لاهاي، مضى الطرفان في ممارسة العداء بطرق أخرى، إذ لم يعنِ صدور قرار المحكمة الدولية للبت في الخلاف الحدودي، سوى جولة من المعركة، وامتنعت أديس أبابا من تسليم المثلث الحدودي الذي عادت سيادته لإريتريا وفق قرار المحكمة الدولية، واشترطت ضرورة إجراء مفاوضات فنية حول الترسيم قبل تنفيذ القرار، فيما رفضت أسمرة إجراء أي مفاوضات مع الطرف الإثيوبي، معتبرة أن الشروط الإثيوبية تنتهك حكم المحكمة البات والنهائي والملزم للطرفين، مما كلف الشعبين نحو عقدين من القطيعة، والسياسات العدائية المتبادلة بين الحكومتين، إذ ظلت الحدود مغلقة، والاتصالات مقطوعة، فيما اتبع الطرفان سياسة دعم معارضة الطرف الآخر.
من القطيعة إلى التطبيع
اعتبرت إريتريا تزحزح الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي من سدة السلطة في أديس أبابا، ووصول رئيس الوزراء آبي أحمد، على رأس قصر "آرات كيلو" بمثابة انتصار لسياساتها، خصوصاً بعد إطلاق رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد دعوة إلى أسمرة بطيّ صفحة القطيعة، والتطلع لبناء مستقبل جديد مع حكومته، مؤكداً قبوله بمقررات اتفاقية الجزائر حتى آتى رد الرئيس الإريتري سريعاً بالإيجاب، لكنه تضمن إشارات واضحة لانتصاره على خصومه في الجبهة الشعبية، إذ خاطبهم بالقول، "لقد انتهت اللعبة".
هنا يرى السياسي الإثيوبي البارز جوهر محمد في خضم حديثه عن تلك المرحلة أن "العودة المندفعة لعلاقات البلدين، لم تكن تؤشر إلى بناء علاقات طبيعية مؤسسة على المصالح المشتركة للشعبين، بقدر ما بدت أنها انتصار على خصم مشترك هو نظام جبهة تيغراي"، موضحاً أن ثمة غموضاً اكتنف مسار العلاقات المتسارع، الذي اعتمد على السمات الشخصية لكل من آبي أحمد وأسياس أفورقي، علاوة عن البعد المؤسساتي للدولتين. وبرر جوهر ذلك بدخول الطرفين في حرب دامية ضد جبهة تيغراي، مشيراً إلى أن إشراك جيش دولة أخرى في عمليات حربية تهدف إلى إنهاء تمرد داخلي يعد "خطيئة سياسية وقانونية مزدوجة" ستطارد النظامين، إضافة إلى أنها سابقة، قد تشكل ذريعة مناسبة لأي تدخلات إريترية لاحقة في الشأن الإثيوبي.
بريتوريا العقدة والحل
في الوقت ذاته، رأى تآمن تادسي، الباحث السابق في جامعة مقلي، أن اتفاقية بريتوريا للسلام، والتي جرى توقيعها بين الحكومة الفيدرالية في إثيوبيا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، مثلت حلاً "لوقف نزف الدم"، لكنها في المقابل مثلت بداية العقدة للتحالف الإريتري - الإثيوبي، وربما بداية لتفكيكه بصورة نهائية، إذ إن زوال تعريف "الخصم المشترك" من أجندة أحد الأطراف، يعني بالضرورة، بصك تعريف جديد في أجندة الطرف الثاني.
ويرى الباحث التيغراوي أن التنفيذ الآمن والسليم للاتفاقية، كان من شأنه أن يخلق علاقات صحية بين الجبهة وأديس أبابا، ويفتح الباب واسعاً أمام إعادة تشكيل اللحمة الوطنية الإثيوبية من جهة وإلى التعاطي مع أسمرة باعتبارها دولة جارة، لكن تعثر الطرفين في الذهاب بحسن نية وارادة سياسية حقيقية نحو السلام، قد أدى إلى إعادة تشكيل التحالفات السياسية والعسكرية مع الطرف الإريتري.
وفي المقابل سمح للطرف الإريتري لاستغلال الاستقطاب السياسي الحاد، للدخول مجدداً من الأبواب الخلفية، بخاصة في ظل السياسات التوسعية التي أعلن عنها آبي أحمد في شأن الوصول السيادي للبحر الأحمر عبر السواحل الإريترية وتهديده بإعادة النظر في الاعتراف بالاستقلال الإريتري.
وأخيراً، أكد تادسي ضرورة قراءة التحولات الأخيرة في العلاقات الإريترية - الإثيوبية، والردود المنفعلة من الطرفين، وصولاً إلى إعلان قطع العلاقات بينهما، من خلال هذه التداخلات المعقدة.