Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

استعادة سودري في شمال كردفان... هل تغير مسار الحرب السودانية؟

أعلنت القوات المسلحة لاحقاً عن استعادة 11 منطقة أخرى

تشير إفادات محلية إلى وجود نحو 900 نازح من سودري في الخرطوم إضافة إلى قرابة 200 من الجمامة، فضلاً عن أسر استقرت لدى أقاربها (اليونيسيف)

ملخص

استعادة الجيش السوداني مدينة سودري الجمعة الماضي أعادت فتح واحد من المحاور ذات الأهمية الميدانية في المنطقة، بالنظر إلى موقع المدينة على طرق الحركة التي تربط شمال كردفان بحدود دارفور، وما يتيحه ذلك من قدرة أكبر على مراقبة خطوط الإمداد والتحرك بين الإقليمين.

في أقصى شمال كردفان بدأت ملامح جديدة لخريطة الحرب السودانية تتشكل، فاستعادة الجيش السوداني مدينة سودري الجمعة الماضي أعادت فتح واحد من المحاور ذات الأهمية الميدانية في المنطقة، بالنظر إلى موقع المدينة على طرق الحركة التي تربط شمال كردفان بحدود دارفور، وما يتيحه ذلك من قدرة أكبر على مراقبة خطوط الإمداد والتحرك بين الإقليمين. وكان ذلك ضمن سلسلة عمليات بدأها الجيش بتوسيع نطاق السيطرة حول مدن بارا وجبرة الشيخ، ثم التقدم غرباً وشمالاً في اتجاه مناطق كانت تستخدمها قوات "الدعم السريع" موطئاً لتحركاتها.

سبقت دخول سودري السيطرة على منطقة الجمامة، الواقعة إلى الشمال الشرقي منها، في الـ19 من سبتمبر (أيلول) الماضي، قبل أن تعلن القوات المسلحة لاحقاً استعادة 11 منطقة أخرى في شمال كردفان، حيث تداخلت العمليات البرية مع حرب المسيرات وتبدل خطوط الانتشار بسرعة. وفي بيان، قالت القيادة العامة للقوات المسلحة، إن المعارك أوقعت خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد في صفوف "الدعم السريع"، من دون أن يصدر عن الأخيرة تعليق فوري على الإعلان.

 

 

ومع ذلك، فإن استعادة المدينة لا تختصرها الخريطة العسكرية وحدها، فقد ظهرت بعد دخول الجيش، مؤشرات إلى حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المدنية خلال سنوات الحرب. واتهمت "شبكة أطباء السودان" قوات "الدعم السريع" بنهب مستشفى سودري وتدمير معداته، وقالت إن المرفق كان يخدم أكثر من 50 ألف أسرة قبل الحرب، وطاولت أحداث النهب عدداً من مؤسسات الدولة منها مكاتب التعليم والمياه. وبينما تتواصل ميدانياً عمليات التمشيط غرب المدينة، تظل الأسئلة الأهم مرتبطة بإعادة الخدمات، وتأمين طرق الإغاثة، وحماية المدنيين، وما إذا كان تثبيت السيطرة على سودري سيفتح ممراً أكثر آمناً نحو تخوم دارفور.

حزام العنف

فتحت أحداث سودري نافذة متسعة على كلفة القتال التي بقيت متزايدة داخل المدينة ومحيطها، وعلى حجم الانهيار الذي أصاب حياة السكان والخدمات وطرق الإمداد. فالمدينة، التي كان عدد سكان محليتها يقدر قبل الحرب بنحو 350 ألف نسمة، تمتد على مساحة تقارب 76 ألف كيلومتر مربع، مما يجعلها من أوسع محليات الولاية، فيما تظل الخدمات رهينة الأمن وإمكانات الاستجابة الإنسانية.

خلال أشهر المواجهات، غادر معظم سكان سودري إلى الأبيض عاصمة الولاية، والخرطوم العاصمة. وفي أم درمان، استقبل إسكان مخصص للنازحين نحو 1700 نازح وصلوا في أغسطس (آب) الماضي، بينما تشير إفادات محلية إلى وجود نحو 900 نازح من سودري في الخرطوم، إضافة إلى قرابة 200 من الجمامة، فضلاً عن أسر استقرت لدى أقاربها. وتكشف هذه الأرقام، إلى جانب نزوح نحو 3650 شخصاً من أم بادر في الأسبوع الأخير من سبتمبر، وفق المنظمة الدولية للهجرة، عن أن استعادة الأرض لا تعني عودة السكان إليها.

ظلت سودري محاطة بحزام من العنف، ففي الـ15 من فبراير (شباط) الماضي، قالت مجموعة "محامو الطوارئ" إن ضربة بمسيرات على سوق رئيسة شمال شرقي المحلية، قتلت 28 شخصاً وأصابت العشرات، بينهم نساء وأطفال وكبار سن. ومع تقدم الجيش في بارا وجبرة الشيخ وحمرة الوز، استمرت الهجمات المسيرة على الأبيض والمزروب، وسقط قتلى وجرحى مدنيين، في مشهد يوضح أن انتقال خطوط السيطرة لا يوقف أخطار الحرب.

 

 

وعلى الحدود، اتسع أثر هذا التصعيد، حيث أوضحت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن أكثر من 400 سوداني يعبرون يومياً إلى شرق تشاد، أي نحو 20 ضعف المعدل السابق. وأوضح المنسق الإقليمي لشؤون اللاجئين مامادو ديان بالدي أن الفارين يتحدثون عن القتال والقصف الجوي والمسيرات. ومنذ مطلع العام عبر أكثر من 55 ألف سوداني إلى تشاد، واقترب العدد التراكمي منذ أبريل (نيسان) عام 2023 من مليون لاجئ.

شبكة بشرية

في السياق قال الباحث في علم الاجتماع أحمد عبدالستار إن أهمية سودري تكمن في كونها مركزاً تتقاطع عنده دار القبائل ومسارات الرعي والتجارة والموارد الطبيعية، وتضم المحلية مناطق للتعدين، بعد اكتشاف الذهب فيها بكميات كبيرة. وهي مقر نظارة قبيلة الكبابيش، وحاضرة تتصل بقبائل الكواهلة وجماعات الكاجا والكتول، لذلك ظلت نقطة التقاء لمجتمعات بدوية وشبه مستقرة، تتداخل مصالحها من دون أن تذوب خصوصية كل جماعة.

وشرح عبدالستار أن اقتصاد سودري تشكل من طبيعة الأرض ونشاط السكان، "فالكبابيش، الذين تمتد دارهم في شمال كردفان بمحاذاة مناطق دار ميدوب ودار حمر، اعتمدوا تاريخياً على الإبل والرعي المتنقل، بينما عرف الكواهلة أيضاً بتربية الإبل. وتضع الدراسات سودري في قلب هذه الدورة، إذ تصفها بأنها مقر الكبابيش وموطنهم الرئيس، فيما كان معظم سكان المحلية في دراسة أعدها البنك الدولي، من الرعاة الذين يتحركون طوال العام بحثاً عن الماء والمرعى".

وتكشف دراسة ميدانية أخرى لجامعة "تافتس" بولاية ماساتشوستس الأميركية، استخدمت التتبع بنظام تحديد المواقع، أن حركة القطعان ليست تجوالاً عشوائياً وراء المطر. فقد كانت الأسر والقطعان تنفصل جزءاً كبيراً من العام، ثم تلتقي في مواسم بعينها، وفي موسم الأمطار تستفيد الأسر من وفرة اللبن، بينما تتجه القطعان في الجفاف نحو موارد المياه الدائمة. وفي مسح شمل 122 من مربي إبل الكبابيش في سودري وجبرة وأم قرفة والمويلح، بلغ متوسط حجم القطيع 86 رأساً، وقال 98 في المئة إنهم يمارسون الهجرة الموسمية شمالاً وجنوباً.

وأوضح الباحث في علم الاجتماع أن الماشية ليست ثروة منعزلة عن المجتمع، بل نظام اقتصادي واجتماعي كامل، الإبل والضأن والماعز والأبقار ترتبط بالأسواق، وبالمياه، وبشبكة القرابة والمسارات. وقال إن تاريخ الإدارة الأهلية يفسر مكانتها، فالنظارات لم تكن ألقاباً رمزية، بل أطراً لتنظيم الرعي والمياه والعلاقات بين المجموعات، لذلك ظلت سودري مركزاً تتقاطع عنده المصالح والولاءات والذاكرة المحلية على امتداد أجيال متعاقبة طويلة.

ورأى أن استعادة سودري تعني استعادة منطقة اقتصادية واجتماعية، لا مجرد موقع عسكري، فالذهب والماشية وطرق الحركة البرية مرتبطة بشبكة بشرية واسعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ترابط ميداني

من ناحيته، قدر أستاذ العلوم السياسية محمد الشفيع أن سودري تتجاوز السيطرة على تجمع سكاني أو موقع ميداني، "لأنها تقع ضمن شبكة الطرق التي تتحرك عبرها قوات (الدعم السريع) وإمداداتها بين كردفان ودارفور، لذلك فإن فقدان المدينة يضيق المجال أمام هذه القوات في مدن أخرى مهمة مثل النهود والخوي، ويمنح الجيش مساحة أوسع للضغط باتجاه مناطق أم بادر وجبرة الشيخ وحمرة الوز لموقعها المهم ضمن مثلث جغرافي يربط شمال كردفان بدارفور وغرب كردفان، ويتداخل مع طرق الحركة والإمداد والتجارة"، وأضاف "اقتران ذلك بالسيطرة السابقة على بارا وتأمين طريق الصادرات يخلق ترابطاً ميدانياً يصعب معه النظر إلى كل تقدم باعتباره عملية منفصلة. وتبرز أهمية سودري خصوصاً في اتصالها بالمسارات الصحراوية القادمة من دارفور، والتي اكتسبت قيمتها خلال الحرب بوصفها منافذ لنقل الجنود والعتاد والوقود. لذلك، فإن الرهان العسكري لا يتعلق بالمدينة وحدها، وإنما بقدرة الجيش على إحكام المنطقة المحيطة بها ومنع إعادة فتح طرق بديلة للإمداد. ومن هنا يمكن أن تتحول المنطقة، إذا جرى تثبيت السيطرة عليها، إلى منصة لإعادة ترتيب الانتشار العسكري في شمال كردفان والضغط على المواقع الواقعة غرباً".

ورأى الشفيع أن "استعادة أي منطقة في شمال كردفان ترتبط بتغيير البيئة التي يتحرك فيها طرفا النزاع"، وذكر أن الجيش يفضل التقدم باعتباره امتداداً لمعركة استعادة سلطة الدولة، بينما يظل موقف "الدعم السريع" قائماً على أن خسارة موقع ميداني لا تعني انتهاء قدرته على مواصلة القتال. وأشار إلى انشقاق القائد الميداني الطيب الأحيدب، وانضمامه إلى الجيش برفقة مجموعة من مقاتليه، "وقد تزيد هذه التحولات الميدانية من أهمية الوقائع على الأرض في أي مسار تفاوضي لاحق، إذ تتغير معها حسابات القوة، والقدرة على الاحتفاظ بالمواقع، وكلفة استمرار العمليات"، لكنه قال إن تحويل المكسب العسكري إلى نفوذ سياسي دائم سيظل مرتبطاً بمدى القدرة على تأمين المناطق المستعادة، وإعادة إعمار مؤسسات الدولة والخدمات، وتهيئة الظروف أمام عودة السكان.

اتجاه العمليات

جاء هذا التطور الميداني بعد سلسلة من التقدم واتساع نطاق سيطرة الجيش والقوات المتحالفة معه، التي جعلت المدينة في شمال كردفان أقرب إلى قاعدة تتقاطع عندها خطوط الحركة بين ولايات غرب السودان. وتزداد قيمة منطقة سودري إذا استطاع الجيش تحويلها إلى قاعدة مراقبة وإمداد ودفع تدريجي باتجاه المواقع التي ما زال "الدعم السريع" يحتفظ بها.

ويرى مراقبون أن المؤشر المهم خلال الأسابيع المقبلة هو شكل الانتشار وليس سرعة التقدم، فالميدان المفتوح يفرض على أي قوة تتوسع غرباً حماية طرق الإمداد، وتأمين العمق، وربط الاستطلاع الجوي بالمعلومات الأرضية، ومنع "الدعم السريع" من تحويل الأطراف الصحراوية إلى مساحات للمناورة والهجمات المباغتة. وتكتسب المسيرات وزناً متزايداً، بعدما أصبحت جزءاً مركزياً من القتال في كردفان، مع تعرض مدن ومواقع خاضعة للحكومة لهجمات متكررة.

من المرجح أن تتجه العمليات العسكرية، إذا استمر الزخم الحالي، إلى الضغط على مناطق أخرى في شمال كردفان مثل أم بادر والمزروب وجبرة الشيخ. وتكشف خريطة الانتشار الحالية عن أن استعادة سودري لا تعزل "الدعم السريع" تماماً، لكنها تضيق المجال الذي يستطيع عبره إعادة بناء خطوطه في شمال الولاية.

قد يمنح التحول الميداني الحكومة هامشاً أوسع في التفاوض، في وقت تتحرك فيه واشنطن لدفع مقترح هدنة ومسار تفاوضي جديد. وفي المقابل قد يدفع الضغط العسكري "الدعم السريع" إلى إعادة توزيع قواتها بدلاً من خوض مواجهة مباشرة على كل محور. لهذا تبدو سودري مرشحة لأن تتحول من مدينة مستعادة إلى نقطة ارتكاز تعيد رسم اتجاه العمليات في شمال كردفان، وقيمة هذا التحول ستتحدد بقدرة الجيش على وصل المكاسب جغرافياً وعملياتياً، لا بعدد المواقع التي تدخلها خلال الأسابيع المقبلة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل