ملخص
لطالما كان السفر ملهماً للفنان جميل ملاعب، مثلما كان ملهماً لكبار فناني الاستشراق والحداثة في الغرب، فبعد معرضين سابقين عن نيويورك والقدس، يأتي معرض "رحلات مدن" الذي يستعيد فيه أوراق أسفاره وذكرياته وجولاته في أروقة المدن العربية والأجنبية التي زارها، إذ يعود أقدمها للعام 1973 وأحدثها لعام 2023، في مدونّات عبارة عن رسوم بالباستيل وألوان الغواش وزيتيات، مما يفسر شغف الفنان بالسفر وعمق العلاقة بثقافات الشرق والغرب.
ثلاثون مدينة شكلت محطات لرحلات جابت رحابها ريشة جميل ملاعب، يستعيدها حالياً في معرض يقيمه في غاليري "جانين ربيز -بيروت"، يجمع شتات الأمكنة التي زارها طوال خمسة عقود من حياته، مستكشفاً مدناً وثقافات وحضارات قريبة وبعيدة: من شنغهاي إلى بيروت مروراً باليابان وأميركا وأوروبا وشمال أفريقيا والدول العربية، وكأنها صفحات من كتاب الحياة المفتوح على المغامرة والأسفار والذكريات، في سعي إلى اكتشاف ما يدهش العين ويأسر المخيلة، ويستوقف النظر، للقبض على المتعة المطلقة.
إنها ليست مجرد مدن أو قرى أو مواقع أثرية وأوابد حضارية وبحار وآفاق، إنها فعل الرسم نفسه الذي يتحقق بالأسلوب الفني أكثر من الواقع المرئي، وهو أيضاً فعل التأمل الذي يحتفي بالوجود والجمال حيثما وجد، وبالغرابة والاختلاف الذي تتمايز فيه معالم المدن الكبرى والحواضر والثقافات وتراث الشعوب، وجاذبية الرحلة هي أن تمضي خلف حلم لا تعرف إلى أين يقودك، وأن تتعلم منها كيفية قراءة نمط آخر من الحياة لا يشبهك بالضرورة، ولكنه مثير للاهتمام.
يفتح جميل ملاعب أسرار هوايته للسفر، وهو يوثق رحلاته في مناظر أسرته من بلدان اختار منها بعض مواقعها، وهي ليست مناظر بالمعنى السياحي الذي يجذب الناظر بسهولة، بل هي نوافذ على عوالم تنطلق من داخل بيئته اللبنانية إلى خارجها. هكذا تتلاقى مناظر من بلدته بيصور (مسقط رأسه) مع مشهدية من شوارع موسكو وساحل بحر طنجة وحدائق بيوت في فاس- المغرب، ومن بياض بيوت تطوان إلى بانوراما مدينة زيورخ، ومن الافق المديني لشنغهاي- الحمراء إلى آثار تدمر التاريخية، ومن خضم بحر البوسفور في تركيا إلى مراكب نهر النيل، ومن مصر إلى كريت، قبل التحليق بالطائرة فوق أنقاض مرفأ بيروت في طريق عودته من آخر رحلة وقّعها الفنان عام 2023، بعد أن أضحت تلك الأنقاض معلماً مأسوياً من معالم بيروت المعاصرة
منذ عام 1990 بدأت رحلات ملاعب في تزايد مستمر، مما كرس شغفه كرحالة في اكتشاف المدن القصيّة والحضارات البعيدة (الصين والهند وسلوفينيا وكرواتيا وموسكو) بحثاً عن التفاعل الثقافي والدهشة، عدا عن شغفه بزيارة الدول الأوروبية للاطلاع والمعرفة. يقول الفنان في مقدمة المعرض "أحب رسم المدن وأتمتع بمشاهدة المعالم المختلفة لكل مدينة جديدة. للمدن ألوان ومناخات وأبعاد تثير الشوق لتسجيل الجديد والروح التي تلفّ المكان، وتضعني المدن الجديدة أمام تحد وانفعال لتشكيل وتأليف مختلف وتزاوج أكيد بين الثوابت المعتادة والإضافات التي تفرض نفسها. أعمالي كأنها مفكرة حياتي وسفري وتجاربي المتنقلة من ضيعة إلى مدينة إلى مدن بعيدة إلى تراث بشري غني بالإبداع والتطور".
مناظر الزمن العابر
فنانون كثر غيّرت رحلاتهم إلى بلدان غريبة مجرى الفن، ما الذي تغير بالنسبة لملاعب؟ على مدى 50 عاماً، أشياء كثيرة اختلفت في أسلوب ملاعب، منذ أول رحلة إلى الجزائر وثقها في معرض أقامه في دار الفن والأدب عام 1973 قبيل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية وبقيت منه لوحة واحدة لمنظر بحريّ، مروراً بالمؤثرات الواقعية التي تجلت في توثيق مجريات الحياة في بلدته بيصور، بعاداتها وتقاليدها القروية ومناخاتها الجبلية وفطرتها الانسانية وجلسات النسوة التي جسدها بروح شرقية زخرفية على طريقة ديلاكروا في مرحلته الجزائرية، ومنها إلى المعترك الثقافي في بيروت المدينة المُلهمة التي أمضى حياته في كنفها بين كوابيس الحروب ومحاور الابداع والانتاج الثقافي، ثم الانتقال لمتابعة الدراسة في الولايات المتحدة الأميركية، حيث اطّلع على التجريد الأميركي وتأثر به من النواحي اللونية والبصرية.
غير أن التعمق في المراحل التي مرّ بها الفنان في تشكيل مفرداته الانسانية وتراكمات عالم أشيائه المقطوفة من الحياة اليومية وخصائص الطبيعة، يدرك بأن هذا الاتجاه يعود إلى جذور قديمة ضاربة في عمق الحضارات الشرقية (الفرعونية والرافدية) التي تأثر بها ملاعب، ومنحته أجنحة الحرية في رسم سرديات لا تنتهي عن عالم الحقول والينابيع والفلاحين وصباحات مشرقة بالنور مع صياح الديكة وتنقلات الناس على الدواب وأشجار الربيع وطيور الشتاء وبساطة العيش في كنف الطبيعة الأم، وهي مكونات الحياة الاجتماعية والعادات والتقاليد التي نشأ عليها الفنان ولازمته طوال مسيرته، وأعطت أسلوبه خصائص إنسانية عميقة تشبه ألبوماً من المفردات والصور المتراكمة.
ومن هذا التراكم الكميّ والتفاصيل الصغيرة، جاءت السرديات مقسمة على هيئة جداول أو حقول طوليّة، رسمها على مختلف الخامات، منها الخشب والقماش والموزاييك والحفر الطباعي، قبل أن تتضح معالمها في طريقة رسم المدن التذكارية في حلّة فسيفسائية، شبيهة بآثار جدارية على غرار لوحات القدس، ولاحقاً سلسلة اللوحات التي خص بها بعلبك وبيروت.
في لوحات ملاعب، يتراءى المنظر المدنيّ ويتوسع إلى أعمق بمعناه الحضري، كما تظهر خصائص المعالم الجغرافية والعمرانية التي تميز كل حاضرة من الحواضر، من خلال ملامح خطوطية بارزة ومساحات تلوينية بأسلوب وصفي وارتجالي أحياناً يعتني بالتعبير المباشر أكثر من الصقل والتأني، يسعى إلى تثبيت المنظر المرئي في الزمن العابر. هذا الالتقاط للزمن الذي يعبر عنه من خلال الجزء والكل والتناغم بين العناصر، وهي في حال الامتلاء إلى حدود الثرثرة، أو التبسيط الأقرب إلى التجريد من خلال المدى الأفقي للمنظور الذي يدعو إلى الصمت والهدوء.
بيروت: نسيج للذاكرة
في رحلات ملاعب، ثمة وصف للمكان يعتمد على زاوية الرؤية، فيختار من الواقع مفردات يؤكدها ويلغي أخرى، وبما أن التشكيل هو التأليف والتقميش للعناصر والاحتفال بالوجود والسعي إلى تأكيد هوية الأمكنة، فإن أكثر المناظر جذباً في ورقياته هي الطبيعة المتوسطية وشمال الأفريقية، حيث أزرق البحار يعانق السواحل الرملية ومعالم مدن هادئة ومنازل محاطة بحدائق ومتنزهات ومقاه وساحات، تذكر بحلة بيروت في ماضي الزمن الجميل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في نتاجه الذي ظهر خلال الأعوام الأخيرة، رسم ملاعب لوحات زيتية كبيرة الحجم وهبها للمدن، وفي طليعتها جاءت القدس بكل ما تمثله من حب وتداع لذكريات الأمكنة، من أبراج كنائس وقباب مساجد وعقود بيوت وأزقة ودروب صاعدة نحو السماء، شكلت مصادر وحي وإلهام. هذا الحج الافتراضي الذي قدمه ملاعب، بأسلوب يعتمد على قاعدة اللون الأساس وهو "الترابي"، المنضّد برسوم منمنمة مكتظة بالتفاصيل تملأ مساحة اللوحة كلها من الحافة إلى الحافة، في تأليف عمودي لا يعوّل كثيراً على بؤرة مركزية أو اتجاه معين، بل تُقرأ اللوحة المرسومة على سطح من بعد واحد، مثل نسيج عمراني ومدني وإنساني متخيل، أو مثل سجادة شرقية بموتيفات زخرفية مختلفة، وهو النمط البصري والزخرفي ذاته الذي تتسم به سلسلة لوحات بعلبك وبيصور.
أما بيروت بنسختها الأولى ذات اللون الترابي، فهي تجسد ملحمة بصرية وعمرانية من منظور أنثروبولوجي - فولكلوري إلى حد ما، إذ يعيد الفنان بناء المدينة كأرشيف حي وفسيفساء متداخلة، تضم واجهات معمارية، ورموزاً أثرية وتاريخية، وعناصر بشرية وحيوانية، تعكس الذاكرة الجمعية وتناقضات الحياة اليومية للمدينة، بأسلوب فطري- تخييلي يدمج الماضي بالحاضر، وتشكل اللوحة الثانية لبيروت امتداداً رؤيوياً للأولى، لكنها تغوص في بحر من التدرجات الزرقاء التي تضفي طابعاً يحاكي عمق البحر المتوسط، إذ يتكرر البناء الفسيفسائي المتشابك مع الطبقات العمرانية المليئة بالرموز الأثرية والبشرية والطيور.
غير أن هيمنة اللون الأزرق تحول المدينة إلى كائن حالم يشبه الأسطورة الغارقة في صفاء الماء والذاكرة، وتبرز في الجزء العلوي من اللوحة الطائرة التي تحلق على علو منخفض، كخاصية من خصائص العيش تحت سماء بيروت، كما تجسد الترحال والاغتراب والسياحة وفرح العيش والتلاقي، وهي رمز الهوية والتاريخ العريق، لوطن مجروح يحن دوماً إلى ماضيه.