ملخص
في سياق الأبحاث والدراسات الصادرة حديثاً التي تعاود النظر في مكانة اللغة العربية، وفي دورها الأكيد في ترسيخ النهضة العربية الحديثة، صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2026) كتاب للباحث المغربي عبدالعلي الودغيري، بعنوان "العربية بين الإهمال والاستعمال".
يستعيد الباحث المغربي في الكتاب كثيراً من القضايا التي شغلت أذهان المفكرين العرب، ومفكري النهضة العربية الأوائل، لدى تصديهم لكيفية تعزيز اللغة العربية، لغة أوطانهم الرسمية، ونسيج هويتهم التي نازعها المحتل أو المنتدب، أو المستعمر، حيناً بعد حين، وعمل على إضعافها، ظناً منه أنه قادر على إخضاع الأمة بإخضاعه لغتها وتطويع تراثها، وتبديد حضارتها ومساهمتها في الحضارة الحديثة والمعاصرة.
اللغة والانتماء الحضاري
في الفصل الأول من الكتاب، يعاود الباحث التذكير بما بات معادلاً للمسلمة، وهو أن اللغة في أمة هي عنوان انتماء أبنائها الحضاري، لذا وجب التعامل بها، والتواصل بواسطتها في ما بين أبنائها، ومن أجل القيام بكل ما تقتضيه الحياة العصرية، من تعلم، وتجارة، وإبداع، وغيره. ويقول في هذا الشأن إن نظرة الأجانب إلى لغتنا العربية كانت - ولا تزال - تختلف عن نظرة العرب، أبناء البلاد إليها، فالفرنسيون الذين جاؤوا محتلين الجزائر، كانوا يهدفون إلى التفاهم مع أبناء البلد المحتل، وباللغة المحلية، أو العامية. وكان هذا كافياً لهم لإحكام سيطرتهم على الناس، ودفعهم، في المقابل، إلى تعلم لغة المحتل، الفرنسية، غير أن هذه اللغة ذات الوظيفة المحددة أضعفت من ثرائها ونموها، فبقيت لغة وظيفية فقيرة، بحسب المؤلف الودغيري.
وفي المقابل بات لزاماً التساؤل عن طبيعة اللغة (العربية) المعبرة عن جوهر اللغة الأم، حاملة التراث وحافظة الدين والهوية. وفي هذا الشأن يستذكر الكاتب أقوالاً للكبار فيها، ومنها أن لغة أمة هي "خلاصة ما يمكن أن تعرفه عن حضارتها وتاريخها وثقافتها ونفسيتها وأفكارها وأعرافها وتقاليدها وديانتها وعلومها وآدابها وصناعاتها ومهنها..." (ص:17)، وقد يكون تعريف العلامة اللبناني عبدالله العلايلي دالاً، إذ وصف اللغة بأنها "مجموعة من الأفكار والتقاليد والعواطف والأحاسيس والنزوات وشتى المشاعر والاعتبارات، تنتظمها الألفاظ انتظاماً، فهي جزء لا يتجزأ منها" (ص:18).
وإذ يواصل المؤلف توصيف اللغة، بناءً على أقوال علماء اللغة عنها، فإنه يخلص إلى اعتبار اللغة العربية - وبغض النظر عن طبيعة تكوينها ثنائي الأحرف أو ثلاثياً - التي "نزل بها الوحي واتخذها المسلمون لغة رسمية لدولتهم وتعليمهم وتسيير إدارتهم ونشر دينهم، لم تعد للعرب وحدهم، وإنما انتقلت من هذه الصفة لتصبح اللغة الجامعة والمشتركة للأمة الإسلامية بجميع عناصرها ومكوناتها العرقية والعقائدية والمذهبية" (ص:22)، ولكن هذه الصفة الجامعة للغة العربية، والقدسية، تظل، بحسبه أقل شمولاً، ولا تجيب عن السؤال المركزي للبحث: كيف يمكن الحفاظ على اللغة العربية، لتكون لغة العصر والحياة والحضارة الإنسانية، مع الحفاظ على دورها الديني الجامع، المشار إليه سالفاً؟
آفاق العربية
وللإجابة عن السؤال الآنف، يخصص الكاتب الفصل الثاني من الكتاب، بأن يعرض لتصورات أربعة جارٍ تداولها، وعلى أساسها تتعامل الدول العربية مع لغتها العربية الرسمية، التي تشكل، برأينا، عنواناً للسياسات المعتمدة، وغير المعلنة، من قبل هذه الدول حيال لغتها الأم.
أول هذه التصورات ينطلق من اعتبار اللغة العربية رابع لغة عالمية، يتداولها أكثر من 400 مليون إنسان لغة رسمية في بلدانهم، ومن ثم قد تكفي هذه الواقعة لعدم النظر في واقع استخدام اللغة العربية الفصيحة، ولكن الوقائع تثبت أن المتداول لا يعدو كونه مستوى أبسط وأدنى من اللغة العربية الفصيحة، إنها اللغة العامية، والمحلية، التي تخالطها بعض ملامح الفصحى. ويخلص من مناقشة هذا الطرح إلى اعتبار اللغة العربية الفصحى عرضة للمنافسة من العاميات في بلدانها، وأن ما قد يصيب الفصحى أصحاب اللغات العالمية قبلها (اللاتينية المندثرة، في مقابل الإيطالية، على سبيل المثال)، وأن المنافسة بين العربية وسائر اللغات الجنبية، مثل الإنجليزية والفرنسية، تكاد تكون غير متكافئة، ومجزية لتلك اللغات على حساب العربية، لأن الأخيرة حاصلة على حق السبق في كل مجالات الحياة العصرية، الشركات، والبنوك، والمصانع، والمعلوماتية، والتعليم الجامعي بجميع فروعه، وغيرها.
أما التصور الثاني فيقوم على اعتبار أن وضع اللغة العربية مريح، ولا يستدعي القلق، ما دام أن القرآن الكريم أنزل بهذه اللغة، ومن ثم فإن هذه اللغة (العربية) حاشا أن يصيبها ما أصاب اللغات الإنسانية الأخرى من الضعف والاندثار، ثم يعرض أصحاب هذا التصور أسلم الطرائق لتحافظ الأجيال على رونق اللغة العربية، عنيت بها حفظ القرآن الكريم، لما يستدعيه هذا الحفظ من فهم الكلام العربي الفصيح، والتمرس بأصول البيان على النحو الأتم. غير أن لهذا التصور ما ينقضه ويدل على نقصانه الفادح، إذ بينت الدراسات التربوية المعاصرة أن حفظ القرآن الكريم - وأي كتاب في لغة ما - لا يؤدي إلى تمكن الحافظ اللغة العربية، ما دامت الذاكرة ملكة منفصلة عن ملكة الفهم والكتابة والتواصل اليومي.
ولئن كان القرآن دافعاً أساساً لإنشاء علوم تفسيرية حوله، مثل علم الصرف والنحو والبلاغة، وضبط اللغة العربية الفصحى، التي صارت، في حينه، اللغة الرسمية لجماعة المسلمين من الجزيرة العربية حتى الأندلس غرباً، ومنها حتى الهند والصين شرقاً، فإن تقييدها في الشؤون الدينية فحسب، سيجعلها عاجزة عن مواكبة العصر، وتحقيق الوظائف الطبيعية للغة في يومنا الحاضر، في القرن الـ21، من ناحية التعليم والتواصل، وتغطية الأعمال الاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية، والثقافية، والفكرية، والفنية، وغيرها. ومن هذا المنطلق، ينبه الكاتب الودغيري إلى سيادة اللغات الأجنبية، مثل الفرنسية والإنجليزية، على حساب العربية، في البلدان الأفريقية، مما يضطر المسؤولين المعنيين فيها إلى مخاطبة أقرب الشعوب الأفريقية بهذه اللغات الأجنبية، على رغم كونهم مسلمين، ويعتبرون القرآن المنزل بالعربية ديناً لهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي المقابل، ثمة التصور الثالث، الذي يرى أصحابه أن اللغة العربية الفصحى مرتبطة ارتباطاً مصيرياً بوظيفتها الدينية، ولا يمكن أن تجاري الحياة العصرية، ولا يسعها استيعاب العلوم ولا الأبحاث في مختلف الميادين العصرية. إلا أن هذا المنطق لا يقوى على الصمود حيال الوقائع التاريخية، فاللغة العربية، على ما تشهده الدراسات الغربية الحديثة، كانت لغة العلوم والطب والهندسة، وعلم الفلك، والجغرافيا، والفكر والفلسفة، في القرون الوسطى، وما كان طابعها الديني (نزول القرآن الكريم بها) ليحول دون انتظامها المبكر في حمل مشعل الحضارة العلمية الحديثة التي كانت تمهيداً لعصر النهضة الأوروبية، في القرن الـ15.
خلاصة النقاشات
أياً تكن هذه التصورات، التي لا تزال فاعلة في أذهان كثير من المسؤولين في الدول العربية المعنيين بتفعيل اللغة العربية ومواكبتها حركة الحداثة والعصر، ومحافظتها على التراث اللغوي والديني، فإن النقاشات في شأنها، التي أوردها الكاتب الودغيري، خلصت إلى أمرين أساسيين، وهما:
أولاً- اعتبار أن اللغة العربية تواجه مشكلات وتحديات، شأن أي لغة بشرية، ولكن ذلك لا يعفي المعنيين ببقائها وتجددها واستمرار ألقها الحضاري والديني، من العمل على مجابهة هذه التحديات، وجعلها (اللغة العربية الفصحى) طوع الميادين الإنسانية المعاصرة، مثل العلوم العلمية والإنسانية، وميادين الإعلام، والإبداعات الحديثة والمعاصرة كافة. على أن تتم هذه المواكبة والتحديث في أجواء من الحماية المسبقة لهذه اللغة ومنجزاتها، من خلال ما توفره الدول لها من إمكانات لتطويرها وإدامة فعالياتها وتوطيد حضورها، في مقابل اللغات الأجنبية المهيمنة.
ثانياً- اعتماد الدول العربية المعنية بتدعيم اللغة العربية، على الصورة السالفة، سياسة تربوية تقضي بجعل العربية لغة مستخدمة في كل مراحل التعليم وفي كل العلوم الجاري تدريسها، وإدخالها في كل المجالات التقنية والصناعية والتجارية والاقتصادية والإدارة والمقاولات، والإنترنت، ووسائل التواصل، وغيرها. ويفترض أن تيسر هذه اللغة (العربية) لتكون لغة تواصل في الإعلام المرئي والمسموع، وفي بث المسلسلات والأفلام، والمسرحيات، والأناشيد، وغيرها مما تستدعيها ديمومة الحياة الفنية المعبرة عن شواغل الإنسان العربي وطموحاته وقضاياه.
سجال وواقع
لا نحسب أن السجال الذي يخوضه الكاتب والباحث الجزائري عبدالعلي الودغيري، في كتابه "العربية بين الإهمال والاستعمال" سينتهي في العشية، أو أن القيمين على إعزاز اللغة العربية التي أنزل بها القرآن الكريم سيعملون، منذ الآن، بحسب التوجيهات المشار إليها، ويأخذون إلى جانب اللغة العربية، ويفضلونها على اللغات الأجنبية – ولا سيما الإنجليزية - في دوائرهم الخاصة والرسمية، وفي مراسلاتهم مع غيرهم من العرب وغيرهم، وأنها، أي اللغة العربية، ستنهض نهضتها الثالثة والعجيبة، في الميادين كافة التي أشرنا إليها، في عصر الذكاء الاصطناعي، وعلوم الكمبيوتر، والأبحاث العلمية العميقة، وغيرها.
إنما نرى إلى مضمون الكتاب، وما أتى به من آراء في تثمير الترجمة إلى العربية لإثراء معجمها، وفي تيسير تعليم علومها اللغوية (الصرف، والنحو، البلاغة) مجرد مقترحات غير ملزمة، تضاف إلى تراث تربوي وتعليمي وترجمي وقاموسي، متراكم، من نهضة العرب الثانية (القرنان الـ19 والـ20) إلى يومنا هذا، كانت غايته تيسير اللغة العربية وجعلها لغة الحياة اليومية في شتى المجالات والمظاهر الإنسانية والمجتمعية والوطنية.
ولكن هذه التوجيهات، والآمال المفترضة من تطبيقها، تظل عرضة لما تواجهه العربية من تحديات ومعوقات وممارسات، فإما يسرع التيسير والترشيق في إحياء العربية وتجديدها، وتعميم استخدامها، وإما يبقيها رهن عقد النقص حيال اللغات الأجنبية، واستهانة أصحاب القرار بقدرتها في مجابهة التحديات ومواكبة العصر، والتعبير عن طموحات إنساننا العربي الجديد.