Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إسرائيل تحبط استبدال تركيا "أس-400" الروسية بـ "أف-35" الأميركية

ضغطت تل أبيب على قيادة الإمارات للتخلي عن شراء المنظومة الروسية الدفاعية من أنقرة سعياً إلى ضمان تفوقها في المنطقة

لا تزال تركيا تأمل في الحصول من الولايات المتحدة على طائرات "أف-35" على رغم العقبات القائمة (أ ف ب)

ملخص

تأمل تركيا في التخلص من منظومة "أس-400" الإشكالية التي دفعت الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات عليها بموجب" قانون مكافحة خصوم أميركا من خلال العقوبات"، واستبعدتها من برنامج طائرات "أف-35" المقاتلة، وحرمتها الوصول إليها.

أحبطت إسرائيل صفقة بين تركيا والإمارات لنقل منظومة صواريخ "أس-400 الروسية المضادة للطائرات، عبر ممارستها ضغوطاً دبلوماسية مكثفة على أبوظبي، وتقديم أسلحة دفاع جوي متطورة لها مع مشغليها، بعدما توصلت موسكو وأنقرة صيف عام 2026 إلى اتفاق مبدئي لنقل هذه المنظومات إلى الإمارات، حيث كان من المقرر دمجها في نظام الدفاع الجوي الحالي، إضافة إلى منظومتي" ثاد" و"باتريوت" الأميركيتين، ومنظومات كورية جنوبية وروسية، بحسب ما ذكرت صحيفة" تركيا اليوم" وموقع "هابر 7" الإخباري.

وكتبت صحيفة "معاريف" العبرية في الـ 23 من سبتمبر (أيلول) الجاري، أن المفاوضات حول احتمال نقل تركيا منظومات الدفاع الجوي الروسية "أس-400" إلى الإمارات، واجهت عقبات غير متوقعة، ونقلت عن الصحافي التركي محمد أجيت، أن الضغوط الإسرائيلية القوية كانت سبب التأخير.

وبحسب أجيت فقد كانت تركيا تأمل في يوليو(تموز) الماضي بالتوصل إلى اتفاق مع روسيا والإمارات حول نقل هذه الأنظمة الصاروخية، لكن عملية التفاوض تعثرت لاحقاً، وأكد أن موسكو لم تكن سبب التعثر، بل كان العامل الرئيس هو التدخل الإسرائيلي.

وذكرت مصادر روسية مطلعة أن إسرائيل ضغطت على قيادة الإمارات للتخلي عن شراء منظومة "إس-400" من تركيا، سعياً منها إلى قطع الطريق على قرار قد يمهد عودة أنقرة لبرنامج "أف-35" الأميركي.

نقاش سري

يُناقش إمكان نقل منظومة "أس-400" التي اشترتها تركيا من روسيا إلى دولة ثالثة سراً منذ شهور عدة، وقد أكدت روسيا سابقاً أنها تتفاوض مع تركيا حول مستقبل هذه المنظومة، ووصف المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الوضع بأنه حساس، لكنه لم يستبعد إمكان نقل المنظومة إلى دولة أخرى صديقة، مع الالتزام بالاتفاقات القائمة.

وتأمل تركيا في التخلص من منظومة "أس-400" الإشكالية التي دفعت الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات عليها، بموجب قانون مكافحة خصوم أميركا من خلال العقوبات"، واستبعدتها من برنامج طائرات "أف-35" المقاتلة، وحرمتها الوصول إليها، لكن تل أبيب عارضت بشدة هذه الصفقة خشية أن يسمح نقل منظومة "أس-400" لتركيا بالتفاوض مع واشنطن لرفع القيود والحصول على طائرات "أف-35" التي طال انتظارها، وهو ما من شأنه أن يعدل موازين القوى الذي يمنح إسرائيل تفوقاً جوياً ساحقاً في المنطقة.

وباستخدام شراكتها الوثيقة مع الإمارات، أقنعت القيادة الإسرائيلية الجانب الإماراتي بالتخلي عن شراء الأنظمة الروسية، في مقابل تقديم منظومات إسرائيلية لها وتدريب قواتها على استخدامها، ولذلك جرى تجميد الصفقة مما اضطر أنقرة إلى مواصلة البحث عن حلول بديلة، وخيارات لحل قضية منظومة "أس-400"، بما يرضي الولايات المتحدة ويتغلب على اعتراضات إسرائيل.

وجاء في تقرير نشرته صحيفة "كوميرسانت" الروسية، وأكدته مصادر أخرى، منها "سيمافور" و"وول ستريت جورنال"، أن المفاوضات التركية مع الإمارات حول إعادة بيع منظومات "أس-400" الروسية وصلت إلى طريق مسدود، وهذا المأزق الذي يبدو للوهلة الأولى مجرد عقبة فنية بسيطة، يعكس في الواقع لعبة معقدة ومتوترة بين تل أبيب وأنقرة وواشنطن وموسكو وأبوظبي، وستتجاوز تداعياته مجرد صفقة أسلحة.

الإمارات تتمنع على رغم رغبتها

في أعقاب اندلاع الصراع في إيران هذا العام، تعزّز التعاون العسكري بصورة أكبر بين إسرائيل والإمارات، إذ نشرت إسرائيل بطارية من منظومة القبة الحديدية في الإمارات لتعزيز دفاعاتها، وبالتالي أصبحت العلاقة بين أبوظبي وتل أبيب، في الأقل، تتسم بصفة إستراتيجية، مما سهّل وساعد الدولة العبرية في ممارسة ضغوط فاعلة ومجدية على القيادة الإماراتية، فالإمارات كانت في طليعة الدول العربية التي طبّعت علاقاتها رسمياً مع إسرائيل بموجب "اتفاقات أبراهام" عام 2020، وأرست تعاوناً خلال الأعوام اللاحقة امتد ليشمل قطاعَي الأمن والدفاع، وقد حصلت أبوظبي على كثير من الأسلحة الإسرائيلية، بما في ذلك منظومة "باراك" للدفاع الجوي، وعززت شركات إسرائيلية مثل شركة "إلبيت" مكانتها في سوق الأسلحة الإماراتية.

كذلك تمارس الحكومة الإسرائيلية ضغوطاً على الإدارة الأميركية لعدم بيع طائرات "أف-35" المقاتلة إلى تركيا، معللة ذلك بضرورة الحفاظ على تفوقها الجوي، ولذا تُعد هذه الصفقة أيضاً جزءاً من التنافس بين اثنتين من أكبر القوى العسكرية في الشرق الأوسط، وكانت إسرائيل أول دولة في المنطقة تنشر هذه المقاتلات، ومن شأن طائرات "أف-35" التركية أن تضيف منصة تخفّ متطورة للغاية إلى قدرات أنقرة الاستخباراتية والمراقبة والضربات الجوية، وخلال الأشهر الأخيرة وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بيع طائرات "أف-35" لتركيا بأنه "تهديد للتوازن الإقليمي"، فيما تسعى الإمارات إلى تحقيق أهدافها الخاصة، فأبوظبي التي ترغب في شراء طائرات مقاتلة من طراز "أف-35" من الولايات المتحدة، تدرك تماماً أن وجود منظومات "أس-400" الروسية على أراضيها سيُقابل بالمصير نفسه الذي لاقته تركيا، وهذا ما ساعد إسرائيل في إقناعها بالتخلي عن هذه الصفقة، وبعبارة أخرى لا تسعى الإمارات إلى منظومة دفاع جوي، بل إلى طائرات مقاتلة أميركية حديثة، ولا تريد تفويت هذه الفرصة بقبول منظومة "أس-400" الروسية، وهذه مفارقة جوهرية، فشراء هذه المنظومة يعني أن الإمارات ستفقد فرصة اقتناء طائرات "أف-35"، وهذا التناقض هو أحد الأسباب الرئيسة لوصول المفاوضات إلى طريق مسدود.

وذكرت صحيفة "تركيا اليوم" أن الإمارات كانت تخطط لنشر منظومات روسية في دبي، ودمجها في منظومة دفاعها الجوي الحالية التي تشمل منظومتي "ثاد" و"باتريوت" الأميركيتين، وبعد علمها بالاتفاق بين أنقرة وموسكو، بدأت تل أبيب ضغوطاً على أبوظبي، إذ لا ترغب إسرائيل في حصول تركيا على طائرات "أف-35" الأميركية، وتربط واشنطن عملية نقلها بتخلي أنقرة عن منظومة "أس-400".

وتضم منظومة الدفاع الجوي لدولة الإمارات حالياً أسلحة من دول عدة، فهي تشغل منظومتي الدفاع الجوي الأميركيتين "ثاد" و "باتريوت"، ومنظومتي الدفاع الجوي الكورية الجنوبية "كا أم سام"، ومنظومتي الدفاع الجوي والصواريخ الروسية "بانتسير أس-1".

وعلى عكس دول الخليج العربي الأخرى، حصلت الإمارات أيضاً على أنظمة دفاع جوي إسرائيلية، شملت شراء صواريخ "باراك" و"سبايدر" بصورة منفصلة، وهي مصممة لمواجهة الطائرات المعادية والطائرات المسيّرة وصواريخ كروز والذخائر الموجهة بدقة، وفي خطوة غير مسبوقة، نشر الجيش الإسرائيلي نظام القبة الحديدية في الإمارات، إضافة إلى قوات لتشغيله خلال الحرب في إيران.

وتشير مجلة "فوربس" إلى أن هذا الهيكل متعدد الطبقات يسمح للإمارات بالتصدي بصورة أكثر فعالية لأنواع مختلفة من التهديدات الجوية، من الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز إلى الأهداف الباليستية، ويرى كاتب مقالة "فوربس" أنه لو حصلت الإمارات على منظومة "أس-400" لكانت عززت قدرات النظام بصورة أكبر، ولا سيما في مجال اعتراض الأهداف الجوية بعيدة المدى، وفي الوقت نفسه ستمثل هذه المنظومة خطوة أخرى من جانب الإمارات نحو تنويع مصادر إمدادها بالأسلحة، وتقليل اعتمادها على شريك عسكري واحد.

 

موقف روسيا

روسيا لا تعارض من حيث المبدأ نقل هذه المنظومات الصاروخية الاعتراضية إلى دولة الإمارات، التي تعتبرها من الدول الصديقة، وهي تأمل أن يشجع استخدام هذه الدولة الخليجية لما تعتبره فخر الصناعة العسكرية الروسية، دولاً أخرى من منطقة الخليج على شراء هذه المنظومات، ولا سيما مع تراجع احتياطات الولايات المتحدة من الصواريخ الاعتراضية، بخاصة صواريخ "باتريوت" التي جرى استهلاك كميات منها في المواجهة مع إيران، وأعلن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن تركيا تعلم أنه بموجب العقد لا يمكن نقل منظومات "أس-400" من دون موافقة روسيا، مشيراً إلى أن هذه المنظومات وردت إلى تركيا مع عقد ينص على الاحترام الكامل، وحتى النهاية لشهادة المستخدم النهائي.

وقال لافروف على هامش مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن "روسيا قد توافق على نقل منظومات 'أس-400' من تركيا إلى دولة تكون في علاقة ودية مع موسكو"، مضيفاً "لن أعلق الآن، لكن مثل هذه الإمكانات فقط بموافقتنا حصراً، وعندما تكون الدولة التي قد تُوجّه إليها هذه المنظومات مسؤولة، وتكون في علاقات ودية مع الاتحاد الروسي، حتى نعلم يقيناً أن هذه المنظومات لن تصل من هذه الدولة إلى أي مكان آخر"، وبحسب كلامه فإن هذا الظرف مهم لروسيا "لأن هناك حالات كثيرة يتجول فيها الأوروبيون في جميع أنحاء العالم، ويشترون أسلحة ويسلمونها لنظام كييف".

وفي عام 2017، أبرمت تركيا مع روسيا عقدا لتوريد أربع بطاريات من منظومات "أس-400" جرى تسليمها في صيف وخريف عام 2019، وقد طالبت الولايات المتحدة تركيا بالتخلي عن المنظومات الروسية لمصلحة "باتريوت"، لكن أنقرة لم تفعل ذلك، وعقاباً على هذا استبعدت واشنطن تركيا من برنامج توريد أحدث مقاتلات "أف-35"، وفرضت عقوبات على قادة المجمع الصناعي العسكري بموجب "قانون مكافحة خصوم أميركا من خلال العقوبات".

وأكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية أن موسكو على اتصال مع أنقرة في شأن منظومات "أس-400" للدفاع الجوي التي زودت بها تركيا، وقال بيسكوف رداً على سؤال عما إذا كانت أنقرة قد تقدمت بطلب للحصول على إذن ببيع المنظومة؟ "أستطيع أن أقول شيئاًً واحداً هنا، هذه قضية حساسة للغاية، ولقد أجرينا اتصالات مع الجانب التركي حول هذه المسألة، وسنواصل هذه الاتصالات".

تركيا تحسم خياراتها بين الشرق والغرب

اختارت تركيا الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بعد أن حافظت لأعوام على توازن بارع بين الشرق والغرب، فقد مثّلت قمة "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) الأخيرة في أنقرة استعراضاً علنياً لتغيير تركيا مسارها، ويؤكد ذلك انخفاض حجم التبادل التجاري مع روسيا بنسبة 22.8 في المئة، وتصريحات الدعم لأوكرانيا، واستعداد أنقرة للتضحية بمنظومة "أس-400" في مقابل طائرات "أف-35"، وفي هذا الصدد قال رئيس قسم الشرق الأوسط وما بعد الاتحاد السوفياتي في "معهد المعلومات العلمية بالعلوم الاجتماعية" التابع لأكاديمية العلوم الروسية، فلاديمير أفاكوف، إن "الأميركيين يدركون أنهم يفقدون مكانتهم بوصفهم لاعباً مركزياً في السياسة العالمية، ويبذلون قصارى جهدهم للبقاء في قمة الهرم"، مضيفاً أن "الولايات المتحدة بحاجة إلى تغيير جميع مسارات التجارة، لعرقلة حركة البضائع بين الغرب والشرق، وقد عُزلت أوروبا بصورة مصطنعة عن روسيا، ويجب إنشاء حاجز مصطنع في الشرق الأوسط".

ورأى أفاتكوف أنه "لا بد من التفاوض مع تركيا أو دفعها نحو عدم الاستقرار، وكلا السيناريوهين مطروح على طاولة المفاوضات الأميركية"، وقال "لست متأكداً من مدى إدراك الأوروبيين لهذا الأمر، مع أن كثيرين منهم مستاؤون بشدة من تزايد النفوذ التركي، وللولايات المتحدة مصلحة قوية في ذلك كله: إعادة تركيا لحضنها، وإشراكها في الشؤون الأوروبية والمواجهة مع روسيا، وإذا لم ينجح ذلك فأنا على يقين من أن الأميركيين لديهم وثائق أخرى على طاولة المفاوضات، تتعلق بزعزعة استقرار الوضع السياسي الداخلي في تركيا".

عقبة "أس-400"

لا تزال تركيا تأمل في الحصول من الولايات المتحدة على طائرات "أف-35" على رغم العقبات القائمة، لكن وزارة الخارجية الأميركية غير مستعدة للموافقة على نقل هذه الطائرات الشبحية المقاتلة إلى تركيا، قبل أن تتخلص الأخيرة من منظومات الدفاع الجوي الروسية "أس-400"، وهذا وضع صعب بالنسبة إلى أنقرة، ولا سيما عقب توقف المفاوضات مع الإمارات حول بيعها هذه المنظومة، ونتيجة لذلك بدأ النقاش حول خيار ثان وهو تعطيل منظومات "أس-400"، وكذلك طُرحت دعوات لنقل مكونات "أس-400" إلى الولايات المتحدة لتخزينها، وهو ما يتعارض بصورة مباشرة مع شروط العقد، فمصنعو الأسلحة يحرصون بشدة على عدم الكشف عن تقنياتهم، ولا يوردون أحدث طرازاتهم إلا بموجب عقود محددة الشروط بدقة، ويشمل ذلك بيع منظومة "أس-400" إلى تركيا، فمن دون موافقة موسكو لا يُسمح لأنقرة ببيع أو نقل هذه المنظومة أو مكوناتها إلى طرف ثالث، وإذا توصلت تركيا إلى اتفاق مع الإمارات، فمن غير المرجح أن تعرقل روسيا هذه الصفقة، فالإمارات ليست عضواً في حلف شمال الأطلسي، والعلاقات بين موسكو وأبوظبي لا يشوبها التوتر، وفي هذا السياق لا يبدو أن هناك خطراً من السماح بإعادة بيع هذه المنظومة، بالنسبة إلى روسيا.

وأوردت الصحف التركية في تقاريرها أن طرح بيع منظومة "أس-400" الروسية إلى دولة ثالثة يبرز كخيار محتمل لتخفيف التوتر بين أنقرة وواشنطن، فيما أفاد الصحافي الإسرائيلي أميت سيغال بأن تركيا تسعى إلى بيع بطارياتها من منظومة "أس-400" إلى الإمارات، وذلك "لرفع القيود المفروضة على بيع طائرات 'أف-35' الأميركية" إلى أنقرة.

وبحسب الخبراء الروس، فإن هذا الطرح يندرج ضمن مساع أوسع إلى معالجة ملف "أس-400" الذي تسبب في توتر بين تركيا والولايات المتحدة، وأدى إلى فرض عقوبات أميركية على أنقرة، وإخراجها من برنامج تصنيع مقاتلات "أف-35"، مشيرين إلى أنه في حال تحقق هذا المسار فقد يُنظر إليه كأحد الحلول المطروحة لتخفيف أحد أبرز أسباب الخلاف بين أنقرة وواشنطن، وتهيئة الأرضية أمام تفاهمات أوسع في الملفين الدفاعي والعسكري.

وتزعم تركيا أن النظامين الروسي والأميركي يمكن أن يتعايشا من دون أخطار أمنية، بل واقترحت تشكيل لجنة فنية مشتركة لدرس هذه المسألة، وقد تسبب هذا الخلاف في بقاء ست طائرات مقاتلة تركية من طراز "أف-35" عالقة في الولايات المتحدة، وتسعى أنقرة الآن إما إلى إعادة إدراجها في البرنامج أو استرداد قرابة 1.45 مليار دولار أميركي استثمرتها بالفعل، وقد صرّح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأن "عقوبات قانون مكافحة خصوم أميركا من خلال العقوبات يشكل عائقاً أمامنا، ولا سيما في ما يتعلق بمكانتنا في صناعة الدفاع، ونحن نسعى جاهدين إلى تجاوز هذه العقوبات، وتوجد بعض الأفكار الإبداعية لحل مشكلة منظومة 'أس-400' التي تُعد السبب الرئيس لهذه الأزمة، ونحن نحاول تطبيق بعض الحلول القائمة على حسن النية المتبادلة، وآمل أن نتخذ خطوات إيجابية في هذا الاتجاه".

من جهة أخرى، ذكرت مجلة "ميليتاري ووتش" أنه عُرض على تركيا خيار نقل بطاريات منظومة "أس-400" إلى دولة ثالثة مثل مصر، أو تخزينها بصورة مشتركة مع الولايات المتحدة، مضيفة أن أحد المقترحات المطروحة هو نقل المنظومة إلى طرف ثالث توافق عليه موسكو، مشيرة إلى أن دولاً غربية طالبت سابقاً تركيا بالتخلص من هذه المنظومات، أو حتى إرسالها إلى أوكرانيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعرب عقب محادثات أجراها مع نظيره الأميركي دونالد ترمب خلال قمة (الناتو) في أنقرة يومي السابع والثامن من يوليو (تموز) الماضي، عن ثقته في عودة أنقرة لبرنامج طائرات "أف-35".

وأشار الرئيس ترمب إلى أن الولايات المتحدة مستعدة لتسليم طائرات الجيل الخامس المقاتلة "أف-35" إلى تركيا، والتي كانت قد استُبعدت من برنامجها قبل سبعة أعوام بسبب شرائها منظومة "أس-400" الروسية، لكن على رغم رغبة ترمب في دعم حليفه في الشرق الأوسط، فإن بعض أعضاء الكونغرس، إضافة إلى إسرائيل، يعارضون عملية تسليم الطائرات المنتظرة.

إسرائيل حليفة الولايات المتحدة، وهي حالياً الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك هذه الطائرات المقاتلة من الجيل الخامس، ووفقاً لمصادر "أكسيوس" فقد طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شخصياً من ترمب الامتناع من تسليم منظومات الأسلحة الجديدة إلى تركيا، مستشهداً بسياسات أردوغان التخريبية في الشرق الأوسط، وأدلى نتنياهو بهذه التصريحات في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز"، بُثت قبل يوم من اجتماع ترمب – أردوغان، حذّر فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي من أن نقل طائرات مقاتلة شبحية إلى تركيا من شأنه أن "يخل بتوازن القوى في الشرق الأوسط"، الذي قال عنه إنه "مضمون في نهاية المطاف بفضل التفوق الجوي الإسرائيلي، ومكانة أميركا في الشرق الأوسط"، مضيفاً "لا أظن أنه ينبغي تزويد السلطات التركية بطائرات 'إف-35' أو حتى محركات طائرات مقاتلة".

موقف تركيا

من جهته، أكد فيدان أن أنقرة وواشنطن تعملان على أفكار مبتكرة لرفع العقوبات الأميركية المفروضة على تركيا، بسبب شرائها أنظمة الصواريخ الروسية "أس-400"، وعبّر عن ثقته في أنه "لن تكون هناك مشكلة" بالنسبة إلى تركيا في الحصول على مقاتلات "أف-35"، وقال "لقد دفعنا ثمن هذه الطائرات، وهي موجودة في المستودعات بانتظار أن نأخذها".

وفي مايو (أيار) الماضي، أفاد أردوغان بأن بلاده تتطلع إلى نتيجة إيجابية للمفاوضات حول المقاتلات الأميركية، فيما أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع التركية، زكي آكتورك، أن أنقرة ستطلع الجمهور على أية تطورات في ملف صواريخ "أس-400"، وأن تسوية هذا الملف ستجري من دون التخلي عن مكاسب الصفقة مع روسيا، موضحاً أن أنقرة مصرّة على سعيها المستمر إلى إيجاد مخارج مرضية للجميع، على رغم الضغوط التي مارستها واشنطن وأدت إلى إبعاد تركيا من برنامج المقاتلات الأميركية، بعد رفضها التخلي عن الصواريخ الروسية، بدعوى أنها ستكشف أسرار مقاتلات "أف-35".

وأشار آكتورك إلى سعي جاد نحو حل الإشكالات العالقة، سواء من الناحية الفنية أو السياسية، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن القومي التركي والتزامات أنقرة تجاه حلف "الناتو"، من دون التخلي عن مكاسبها الدفاعية من الصفقة الروسية.

الولايات المتحدة

وفي السياق ذاته، ذكر السفير الأميركي لدى تركيا، توم باراك، أن الجانبين الأميركي والتركي يواصلان البحث عن حل لمسألة منظومات "أس-400" الروسية، لكنها لا تشكل عائقاً جوهرياً أمام تطوير العلاقات الثنائية، ووفقاً للسفير، فقد "نشأت قضية "أس-400" نتيجة عقوبات "كاتسا" (قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات)، وبنود قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي"، مضيفاً أن "المفاوضات الجارية حول ذلك تأخذ في الاعتبار مواقف الدول الإقليمية المجاورة"، ومؤكداً أن "جميع وجهات النظر ذات الصلة مطروحة على طاولة البحث للوصول إلى تسوية مقبولة"، لكنه أفاد على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بأن المسائل القانونية والتنظيمية المتعلقة باستخدام أنقرة أنظمة الدفاع الجوي الروسية، ورفع عقوبات قانون مكافحة خصوم أميركا من خلال العقوبات والتخلص من منظومة "أس-400" ستستغرق وقتاً، مشيراً إلى "قدرات الصناعة الدفاعية التركية"، وموضحاً أن "أنقرة قادرة على تلبية جزء كبير من حاجاتها الدفاعية بصورة مستقلة".

وفيما لفت باراك إلى أن تركيا تحتل المرتبة الثانية كأكبر شريك دفاعي للولايات المتحدة ضمن دول "الناتو"، منوهاً بمشاريع الطائرات المسيّرة ذات الشهرة الواسعة، فإن السيناتور ريك سكوت صرّح بأنه لا يرى جدوى من تزويد تركيا بطائرات "أف-35" إذا لم تكن تنوي أن تكون شريكاً حقيقياً، فمع منظومة "أس-400" يصبح تزويدها بالطائرات المقاتلة أمراً مستبعداً.

ويُؤجج هذا الأمر الخلاف المتصاعد بين إسرائيل وتركيا اللتين باتت علاقاتهما أخيراً أشبه بحرب هجينة، فعلى سبيل المثال اتهمت وكالة الاستخبارات التركية أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مباشرة بالمسؤولية عن سلسلة من الانفجارات الأخيرة التي استهدفت مستودعات أسلحة في سوريا، والتي كانت تحوي كميات كبيرة من الذخيرة التي زودت بها تركيا الحُكم في دمشق، ولم يُدل مسؤولون من الإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة بتعليقات علنية على هذه الخلافات الخفية، لكن الخبراء يؤكدون أن عودة تركيا لاستخدام تكنولوجيا الطيران الأميركية المتقدمة، تسبب توترات جيوسياسية خطرة في المنطقة بين أقرب حلفاء أميركا، وهكذا فبالنسبة إلى موسكو أصبح "حصان الطروادة" الذي يُمثله نظام "أس-400" الروسي نقطة خلاف أسطورية، مواصلاً أنشطته التدميرية خلف خطوط العدو، ويُظهر هذا المأزق أن الوعود الشخصية التي يقطعها الرؤساء، من دون دعم الهياكل القانونية والكونغرس الأميركي، لا تضمن تنفيذ الاتفاقات، وفي الوقت نفسه تُقدم هذه القضية درساً قاسياً لدول المنطقة، فالدخول في سباق تسلح بين القوى العظمى ينطوي على كُلف إستراتيجية طويلة الأجل، قد تفوق أية فوائد قصيرة الأجل.
في نهاية المطاف، لا يُعد مأزق المفاوضات بين تركيا والإمارات حول بيع منظومات "أس-400" مجرد فشل دبلوماسي ثنائي، بل يعكس تعقيد العلاقات في الشرق الأوسط، ودور إسرائيل الحاسم في المنطقة، وصعوبة مناورة الدول الصغيرة أمام مصالح القوى العظمى.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير