Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإنجليزي تشوسر يروي حكايات الشعوب بألسنة حجاجه

"حكايات كانتربري" من أماكن متعددة تقدم صوراً متنوعة لمجتمعات محورها الإنسان

لوحة من كتاب "حكايات كانتربري" (أمازون)

ملخص

من الواضح في "حكايات كانتربري" أن تشوسر إنما شاء منها أن تكون بعضاً من أهم النصوص التي تدرس أخلاق المجتمع وأحواله في زمن كان المجتمع قد بدأ يستقل بمكانته وإرادته عن وضعية كانت تجعله خاضعاً كلياً للكنيسة، من دون أن يكون له رأي في مكانه الخاص ومكانته. فإذا كانت تلك هي غاية تشوسر، ونعرف أنه نجح حقاً في الوصول إليها، فهل يهمّ بعد ذلك أن يكون حجاجه قد اقتبسوا الحكايات التي راحوا يتفننون في روايتها، عن كتب سابقة كانت معروفة وموجودة في لغات أخرى، لا سيما عن "ديكاميرون" وعن نصوص لدانتي، وربما أيضاً عن "ألف ليلة وليلة"؟

ترى ما الذي رآه المخرج الإيطالي بيار باولو بازوليني عام 1972، في "حكايات كانتربري"، لكي يحول هذه الحكايات، بعضها على أية حال، إلى فيلم سينمائي شكّل حينها الجزء الثاني من ثلاثية ضمت "ديكاميرون" و"ألف ليلة وليلة"، وأطلق عليه عنواناً مشتركاً هو "ثلاثية الحياة"؟ بكل بساطة، رأى انتماء هذا العمل الأدبي الإنجليزي الكبير إلى الكتابين الآخرين: كتاب "ديكاميرون" لبوكاتشيو، وكتاب الليالي العربية، "ألف ليلة وليلة"، اللذان بهما استكمل ثلاثيته السينمائية التي كثيراً ما احتفل النقاد بأفلامها إنما من دون أن يعتبروا النقل السينمائي تحفة في حد ذاته.

 

بالنسبة إلى بازوليني لم يكن ثمة إمكان للفصل بين هذه الكتب الثلاثة، ليس فقط بسبب "تشابهها" وعلى الاقل في كونها تنتمي إلى عالم الحكايات الدنيوية، وتقوم حول مفهوم "الحكي" كترياق ضد جمود الزمن والموت، بل كذلك لأنها كلها، توفر فرصة طيبة للتعاطي مع عدد كبير من الشخصيات التي يتاح للكاتب، وللسينمائي، أن يدرسها إذ توضع في عالم مصغّر، انطلاقاً من تجاوبها مع وضعية معينة. بالنسبة إلى بازوليني، كان المهم دراسة طبائع البشر وردود أفعالهم، إذ يوضعون معاً ويضطرون إلى التعاطي مع بعضهم بعضاً، فلا يجدون وسيلة للوصول إلى ذلك سوى اللجوء إلى مخزون الذاكرة والمخيّلة.

ويقيناً أن "حكايات كانتربري" تستجيب أكثر من العملين الآخرين إلى هذا البعد بالتحديد، ومن هنا جاء فيلم بازوليني المقتبس منها، أقوى وأكثر تركيزاً، وأكثر كشفاً عن طبائع البشر، بالتالي أكثر ارتباطاً بالزمن الراهن، أي بالزمن الدائم.

بداية ما للأدب الإنجليزي

و"حكايات كانتربري" التي كتبها الإنجليزي جيفري تشوسر أواخر القرن الـ 14، تعد واحداً من أهم الأعمال في تاريخ الأدب الإنجليزي، كما تسجل بداياته، وربما في شكل أكثر تحديداً، بدايات الطابع الإنساني في الأدب المكتوب باللغة الإنجليزية.

وإذا كان تشوسر شرع في العمل على هذه النصوص منذ حوالى عام 1387، فالمعروف أن الكاتب ظل يواصل العمل فيها حتى آخر أيامه، من دون أن يتمكن من إنجاز ما كان خطّط أصلاً لإنجازه: فتخطيط تشوسر للعمل كان يفترض أن يتألف في شكله النهائي من 120 حكاية، بيد أن منفذي وصية تشوسر لم يعثروا بين أوراقه بعد موته إلا على 24 حكاية لم تكتمل كلها.

 

ولكن، لماذا 120 حكاية؟ بكل بساطة لأن فكرة الحكايات كانت تقوم أصلاً على مسابقة تجرى بين 30 حاجاً يتوجهون في رحلة حجّ، ذهاباً وإياباً، من لندن إلى كانتربري، ويحدث لهم أن يجتمعوا في نزل على طريقهم. وفي النزل يقترح عليهم صاحبه أن يروي كل منهم حكايتين في طريق الذهاب إلى مكان الحج، وحكايتين أخريين في طريق العودة، وتكون مكافأة صاحب الحكاية الأجمل، أن يتناول عشاءه مجاناً في النزل عند العودة.

المؤلف وشخصيات

وهكذا، يبدأ كل واحد من الحجيج رواية ما عنده. ولكن، من الواضح أن أيام تشوسر انتهت من دون أن تمكنه من توفير حكايات لكل الحجاج المشاركين. وعلى رغم جمال الحكايات المروية ودلالاتها، فإن الباحثين اعتبروا دائماً أنها، أي الحكايات، ليست أهم ما في هذا العمل الأدبي التأسيسي، الأهم هو تعاطي تشوسر مع الشخصيات التي يصورها، ورسمه العلاقات بينها، وأخلاقياتها طوال طريق الرحلة. فالواقع أن تشوسر أتى بشخصياته من شتى فئات أو طبقات المجتمع، من الحرفيين إلى البورجوازيين، ومن البحارة إلى الرهبان، ومن حاجب في محاكم التفتيش إلى التجار، إلى العاطلين من العمل والطلاب وربات البيوت.

 

وهو تمكن، عبر اختياره الشخصيات، من رسم صورة واضحة ودقيقة لطبقات المجتمع الإنجليزي في ذلك الحين، ثم جعل من كل حكاية يرويها واحد من الحجاج، صورة عن ذهنيته وذهنية طبقته. وعزّز هذا أن بعض الحكايات جاء أشبه بردّ على حكايات رويت قبلها. فمثلاً الحكاية التي يرويها حاجب محكمة التفتيش، أتت رداً مباشراً على الحكاية التي كان رواها القسيس، وصوّر فيها كيف أن الشيطان نزل إلى الأرض ذات مرة متنكراً بثياب قاضٍ، والتقى بحاجب محكمة روى له كيف يتعامل مع الناس بخسّة، فما كان من الحاجب إلا أن طبق النظرية وحاول أن يسلب أرملة ما تملكه.

والحال أن هذا النوع من التعاطي مع الحكايات أسفر عن نوع من الحوار التناحري بين الطبقات والفئات والأفكار البورجوازية إذ يروى لنا مثلاً كيف أنّ على المرأة أن تسيطر على الرجل، فيقوم الموظف بالرد قائلاً إن هذه السيطرة لن تسفر إلا عن تعاسة الرجل، وذلك عبر حكاية تالية يرويها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أخلاق المجتمع وأحواله

من الواضح، إذاً، في "حكايات كانتربري" أن تشوسر إنما شاء منها أن تكون بعضاً من أهم النصوص التي تدرس أخلاق المجتمع وأحواله في زمن كان المجتمع قد بدأ يستقل بمكانته وإرادته عن وضعية كانت تجعله خاضعاً كلياً للكنيسة، من دون أن يكون له رأي في مكانه الخاص ومكانته. فإذا كانت تلك هي غاية تشوسر، ونعرف أنه نجح حقاً في الوصول إليها، فهل يهمّ بعد ذلك أن يكون حجاجه قد اقتبسوا الحكايات التي راحوا يتفننون في روايتها، عن كتب سابقة كانت معروفة وموجودة في لغات أخرى، لا سيما عن "ديكاميرون" وعن نصوص لدانتي وربما أيضاً عن "ألف ليلة وليلة"؟

ليس ثمة أي شك في هذا المجال: فالواقع أن هناك حكايات في عمل تشوسر، منقولة حرفياً تقريباً عن حكايات فرنسية، مثل حكاية رجل القانون، المأخوذة عن يوميات كان كتبها القانوني النورماندي نيكولا تريفيه عام 1335، وحكاية البورجوازية، مقتبسة من نص عنوانه "مرآة الزواج" لأوستاش ديشام، وحكاية فرانكلين، المأخوذة من ديكاميرون، وغيرها.

غير أن تشوسر لم ينكر هذا، في الواقع، بل إنه تحدّث دائماً عن أن عمله إنما هو أشبه بأن يكون بانوراما لآداب عدد من الشعوب والكتاب، تماماً كما هو بانوراما للأخلاق.

ومهما يكن من أمر فإن ما توقف الباحثون عنده طويلاً ودائماً، هو "مدنية" تلك الحكايات و"مدنية" الحجاج أنفسهم، إذ إن هؤلاء الباحثين وصفوا "حكايات كانتربري" بأنها ربما تكون أول أعمال أدبية مدنيّة في تاريخ الأدب الإنجليزي. إذ، في مقدمة كل حكاية، كما في المقدمة العامة التي كتبها المؤلف للعمل، نجد حضور المدينة طاغياً: أوكسفورد أو لندن، باريس أو يوركشير أو كامبردج، كلها، وغيرها، هنا حاضرة وموصوفة سكاناً وأخلاقاً وفي شتى التفاصيل اليومية.

حضور الجانب الديني

وهذا أيضاً ما يزيد من كون كتاب "حكايات كانتربري" أشبه بصورة لزمنه وأهله وأخلاقه وصراعاته وضروب التنافس القائمة فيه. كل هذا من دون أن يغيب عن بال المؤلف الجانب الديني، خصوصاً أن شخصياته إنما هي أصلاً، متوجهة لأداء فريضة الحجّ، وهذا الواقع يجعله، وسط رسمه الحاد حتى لشخصيات رجال الدين، لا يتورع عن التفرقة بينهم وبين فعل الإيمان نفسه.

ومن المعروف أن جيفري تشوسر قد ولد عام 1343 تقريباً في لندن، وكان في الـ14 حين ألحق بخدمة من سيصبح لاحقاً لورد كلارنس. وبعد عامين كان يرافق حملة إدوارد الثالث الغازية فرنسا. وهناك أسر ولم يطلق سراحه إلا في مقابل فدية. وحين عاد التحق بخدمة الملك في لندن، وبدأ هذا يرسله في بعثات إلى فرنسا وجنوى وفلورنسا، ما مكّنه من أن يكتشف جديد الأدب في تلك الديار، وسهّل عليه لاحقاً وضع كتبه ونصوصه المختلفة، على نسق الآداب الأوروبية، وأحياناً في اقتباس صريح عنها كما أسلفنا.

وهو عام 1386 انتقل ليعيش في كان حيث أمضى بقية سنوات حياته حتى رحيله عام 1400. والمرجح أن تشوسر كتب معظم نصوصه خلال تلك المرحلة الأخيرة من حياته، ومن أبرز هذه الأعمال طبعاً، "حكايات كانتربري" و"ترويلوس وكريزيدا" و"دراسة حول الإسطرلاب"، إضافة إلى أعمال أقل أهمية كان وضعها قبل انتقاله إلى مدينة كان على الساحل الجنوبي الشرقي لفرنسا غير بعيد من إيطاليا التي كان يكن لها قدراً كبيراً من الحب والاحترام مما جعله يستعين في كتاباته بحكايات مقتبسة من آدابها الإنسانية خاصة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة