Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المخرج الإيطالي بازوليني بطلا في رواية "الكتاب الفضي"

البريطانية أوليفيا لاينغ تفتح ملف القضية من جديد لا بغرض البحث عن القاتل ولكن للاستفادة من الدرس الكامن في الجريمة

السينمائي والشاعر الإيطالي بازوليني (وايت شابل غاليري)

ملخص

هل من الممكن قتل فنان مرتين؟ مرة حين تسحق عظامه تحت عجلات سيارته، ومرة حين تلوك سيرته الأفواه الماضغة؟ من الذي خاف من بيير باولو بازوليني إلى هذا الحد؟ ذلك الرجل الذي لم يعرف فضيلة الصمت، فراح يعري بوقاحة سوءات عالمنا البائس، بل ويتنبأ بمستقبله المظلم.

في فجر الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1975، وجد جثمان المخرج بازوليني، ذلك الشاعر والمفكر والإنسان، مهروساً في أرض مهجورة على أطراف روما. كانت ملامحه الحادة قد اختفت من شدة الضرب، وكأن القاتل أراد أن يبيد الوجه الذي عرى وجوه الجميع. وبينما كان فيلمه الأخير لا يزال في غرفة المونتاج، استيقظت إيطاليا على عناوين تتصدرها عبارة: «اغتيال بازوليني».

بعد نصف قرن على تلك الصدمة، تعود الكاتبة البريطانية أوليفيا لاينغ في روايتها الجديدة «الكتاب الفضي» (The Silver Book)، لتفتح ملف القضية من جديد، لا بغرض البحث عن القاتل، ولكن للاستفادة من الدرس الكامن في الجريمة: كيف يمكن للفن أن يصبح خطراً حين يعكس الحقيقة في كامل عريها؟

 

صورة وكتابة

صدرت الرواية عن دار «بيكادور» (Picador) في نحو 240 صفحة، وتقدم قصة شيقة، تقف عند تخوم الواقع والخيال، أي بين السيرة والتأمل. وهي تواصل بذلك المسار النقدي الذي أرسته أوليفيا لاينغ في كتابيها السابقين «المدينة الوحيدة» (The Lonely City) و«طقس ساخر» (Funny Weather)، إذ يتجلى إيمانها الراسخ بأن الفن ليس مجرد زينة على جدار الحياة، بل هو أداة لمساءلتها ومعرفتها من دون رتوش خادعة.

الفن، في رؤية لاينغ لا يختلف عن معناه في رؤية بيير باولو بازوليني، فهو ليس هرباً من الواقع بقدر ما هو مجهر يسلط الضوء عليها، ليظهر ما يختبئ خلف تلك الواجهة المضيئة.

تدور رواية لاينغ في كواليس سينما السبعينيات الإيطالية، عصر الازدهار الفني والانهيار الأخلاقي، إذ كانت السينما الإيطالية آنذاك تعيش ذروة مجدها، تتجاور فيها عبقرية فيلليني وبازوليني وأنطونيوني مع جنون الإنتاج التجاري، وأفلام الجسد والسياسة، والعنف الذي يطفو على الشوارع كما على الشاشات. كانت الكاميرات تلاحق الانهيار الاجتماعي بقدر ما تحتفي بالخيال، كما كانت وجوه الممثلين تحمل مزيجاً من النشوة والإنهاك. في تلك الفوضى الخلاقة، تولى الفن دوره الطبيعي كمرآة لبلد يمر بتحول كبير.  

تلك اللحظة الإيطالية، لم تكن استثناء في العالم. ففي السبعينيات، تحولت السينما في بلدان كثيرة إلى ساحة صراع، في أميركا، خرجت من استوديوهات هوليوود موجة المخرجين الجدد، كوبولا وسكورسيزي وسبيلبرغ، لتسائل الحلم الأميركي الذي تهاوى بعد فيتنام وفضيحة ووترغيت، وفي فرنسا، كانت أصداء مايو 68 ما تزال تدوي في أفلام تريفو وغودار، بعد أن تخلت الكاميرا عن الحياد. أما في أميركا اللاتينية، فقد تحول السينمائيون إلى شهود سياسيين يصورون الاضطرابات والانقلابات العسكرية، بينما راحت موجات السينما الواقعية في الشرق - من القاهرة إلى طهران - تجد في البحث عن لغة جديدة.

من هذا المناخ المأزوم تستمد أوليفيا لاينغ روايتها "الكتاب الفضي"، التي تتبع شخصيات محورية أبرزها دانيلو دوناتي، مصمم الأزياء الشهير الذي عمل مع فيلليني وبازوليني، والشاب الإنجليزي نيكولاس، الطالب الهارب من ماضيه، الذي يجد نفسه متورطاً في عوالم الفن والرغبة والسلطة.

لكن العنوان نفسه يتجاوز كونه إشارة زمنية، ليغدو مفتاحاً لفهم جوهر العمل. فالفضة، بخلاف الذهب، لا تشع بذاتها بل تعكس الضوء، كما يفعل القمر الذي يستمد وهجه من الشمس. وهي أيضاً المادة التي كانت تحمض عليها الأفلام القديمة، مما يجعل من "الكتاب الفضي" تلميحاً إلى الشريط السينمائي نفسه، إلى تلك المسافة الرهيفة بين الواقع وتمثيله، بين الحياة وظلالها المنعكسة على الشاشة.

الفضة، بطبيعتها، معدن يخبو بريقه مع الزمن ويغشاه سواد خفيف، كما يبهت المجد وتتحلل الحقيقة. وهكذا يصبح العنوان استعارة لعالم بازوليني الموشى بالبريق والعفن معاً، لذلك الضوء البارد الذي لا يضيء إلا عبر العتمة.

ويمكن قراءة هذا التأويل في ضوء المثل القائل: «إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب»، غير أن بازوليني لم يتبع حكمة الصمت، بل نأى بروحه عن ريق الذهب المدغوم، واختار برودة الفضة، تلك التي بوسعها أن تبوح وتفضح. هكذا، يغدو الكتاب الفضي ليس فقط عودة لسينما السبعينيات الإيطالية في وهجها وغموضها، بل أيضاً مرثية لذلك العصر الذي صدق أن الفن يمكن أن يغير العالم، قبل أن يكتشف أنه مجرد انعكاس له.

أنا لا أكذب ولا أتجمل

في خلفية الرواية يعاد تصوير فيلمين أسطوريين، «كازانوفا» لفيديريكو فيلليني، و«سالو» لبيير باولو بازوليني. الأول كرنفال من الألوان والأزياء المذهلة، بحيث يتحول القبح إلى عرض ساحر يخدر العين مفضلاً سحر الهرب من مواجهة الواقع. أما الثاني، «سالو»، فهو شهادة دامية على الفاشية والسلطة، عمل يزاوج بين الفن والرعب، بين الجمال والقسوة، لدرجة أن تصرخ الصورة من فرط الوعي.

كلا الفيلمين يستلهم نصوص الفجور الكلاسيكية التي تعري علاقة اللذة بالسلطة أو القوة في أية صورة تتخذها، لكن فيلليني يبغي الجمال في حد ذاته، بينما بازوليني يتوسل بالقبح أملاً في تجميل الواقع.  

من وجهة نظر الكاتبة فإن فيلليني أكثر من مجرد مخرج تاريخي، إنه رمز لعالم السينما الإيطالية المتوهج بالجمال المصطنع والزخرفة الباذخة، في مقابل بازوليني الذي يمثل النقيض الأخلاقي لهذا الفن: الكشف الجارح والمؤذي للعين، فهو لم يأت لإمتاعنا وإنما لإقلاق راحتنا.  

وفق هذه الرؤية، لا يقتصر دور فيلليني على كونه شخصية تاريخية، بل يصبح مرايا تكشف عن مرايا الفن المختلفة: هل الفن خلق للتسلية، أم للتعرية؟ هل يمكن للجمال أن يستغل للهرب، أم يجدر به أن يكون وسيلة للتحذير؟ الكتاب الفضي يختبر هذه المسألة بذكاء، ويضع القارئ أمام حقيقة مؤلمة: الفن الإيطالي في السبعينيات كان مسرحاً للمعركة بين الهرب والوعي، بين الاستعراض والإدانة.

على ضوء القمر

آمن بازوليني بأن الفن قادر على أن يمارس تعويذته المضادة، وأن يصدم الناس ليوقظهم. إحدى النظريات حول مقتله تقول إنه استدرج إلى أوستيا، ليستعيد بعض بكرات فيلمه الأخير سالو التي سرقت قبل أشهر.

تتناول أوليفيا لاينغ هذه القصة في روايتها، لكنها تتجنب وصف مشهد القتل مباشرة، لأنها تدرك أن الرعب الحقيقي لا يكمن في تفاصيل الجريمة، بل فيما يكشف عنه الضوء حين يسقط على الظلال فيجرحها. مع ذلك، تلمح إلى فظاعة ما جرى: الجسد الذي ضرب حتى تلاشت ملامحه، الحوض الذي سحق، القلب الذي انفجر تحت عجلات سيارته الألفا روميو الفضية.

أما الفتى المتهم، الذي حكم عليه بـ10 سنوات، فخرج ببضع نقاط دم على قميصه على رغم فداحة المجزرة! فهل حقاً قتل بازوليني لأجل شهوة، أم كانت جريمة سياسية مكتملة الأركان؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قبل عام واحد من مقتله، نشر مقالته الأشهر بعنوان «Io so» (أنا أعلم) في صحيفة كوريري ديلا سيرا، قال فيه إنه يعرف «أسماء المسؤولين عن سلسلة من الانقلابات التي نفذت للحفاظ على السلطة»، الانفجارات التي هزت ميلانو وبريشيا، وسلسلة الجرائم التي عرفت لاحقاً باسم "استراتيجية التوتر"، تلك التي استخدمها اليمين المتطرف لتشويه اليسار ودفع البلاد نحو الفاشية من جديد. قال في مقالته بوضوح إنه يعرف المتورطين في الحكومة، وفي أجهزة المخابرات، وفي الكنيسة.

ولم يكتف بذلك، بل كشف عن أنه يكتب رواية بعنوان Petrolio (النفط)، سيعري فيها تلك الشبكة المظلمة من التحالفات بين رجال المال والسياسة والمخابرات والمافيا.  بعد أسابيع من نشر مقالته، بدأت التهديدات، ثم سرقت بكرات من فيلمه الأخير سالو، ليستدرج إلى هناك بقدميه!

لكن "الكتاب الفضي" لا يسعى إلى حل اللغز بقدر ما يعيد فتح الجرح، فهو لا يكتب عن بازوليني كضحية، بل كطيف لا يزال يحوم حول فكرة الفن الذي يبصر. تستدعي لاينغ روحه لا لتحيي سيرة، بل لتختبر نبوءته: أن الرغبة في الامتلاك ستصبح دين العصر، وأن الكل، فقراء وأغنياء، ضحايا ومذنبون، شركاء في الجريمة.

هنا، تتحول الرواية إلى طقس استحضار أدبي، يعيد لنا صدى مقولته الأخيرة: «سأنزل إلى الجحيم وأعود بالحقيقة». فالفن، كما يراه بازوليني ولاينغ معاً، لا يخلص من الجحيم، بل يعلمنا كيف نحدق فيه من دون أن نغلق أعيننا.

وبحسب تقرير موسع نشرته "الغارديان" البريطانية، لم يكن بازوليني مجرد ضحية اغتيال سياسي، بل نبياً قتل لأنه رأى ما سيحدث. ففي حواره الأخير مع صحيفة "لا ستامبا" قبل مقتله بأيام، تحدث عن عالم شوهته رغبة الامتلاك، إذ «صارت الرغبة في الشيء فضيلة»، وحيث يتقاتل الفقراء بالعتل فيما يعبث الأغنياء بالبورصة. قال إنه كان يهبط إلى الجحيم ليعود بالحقيقة، ثم حذر: «احذروا، فالجحيم يصعد نحوكم جميعاً». وعندما سأله أحد الصحافيين: كيف سيتجنب هذا الخطر، أجاب: «سأفكر في الأمر الليلة». وفي الصباح، كان ميتاً.

كان بازوليني، كما تراه لاينغ، آخر المثقفين الذين لم يهابوا الحقيقة، شاعراً يؤمن بأن الفن قادر على كسر التعويذة، وأن الصدمة يمكن أن توقظ الضمير الجمعي، لكنه دفع ثمن هذه القناعة بدمه.

نصف قرن على رحيله، ومازالت نبوءاته تثبت مدى صدقها، في الوقت الذي تبرهن فيه، على أن من يجرؤ على فضح السلطة، بالصورة أو بالكلمة، يظل دائماً مهدداً بأن يقتل مرتين: مرة بتشويه جثمانه، ومرة بتلطيخ سمعته.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة